الفقه بين منطق البناء والإدمان على السجال: أزمة إدارة وتدبير الاختلاف في الوعي الفقهي الإسلامي المعاصر
* الدُّكتور عَبْدُ اللّٰه شَنْفَار
– أوولويات الأمّة المهدورة: إشكالية البناء أم جدلية التشتيت؟
في الجدل المنسي بين الوسيلة والغاية: ما الذي لا يزال المسلمون مختلفين فيه في القرن الحادي والعشرين؟
ليس الاختلاف في ذاته معضلة الأمّة، وإنما المعضلة حين يتحوّل إلى مركز ثقلها، وإلى شاغلها الأول، وإلى أفقها الوحيد. فحين تتضخم الخلافات الفروعية حتى تُلبس لباس القضايا المصيرية، وتُستهلك الطاقات الفكرية في جدالات لا تنعكس على واقع الناس، يصبح السؤال المصيري أكثر إلحاحًا:
هل نحن أمام اجتهاد ضروري لتجديد الدين، أم أمام انشغال قاتل يعطّل مسار الحياة؟
بين هذين الحدّين يتأرجح واقع الأمّة؛ متردّدًا بين تراث فقهي هائل، وسياقات تاريخية متغيرة؛ بين نصوص مقدسة وتأويلات بشرية؛ بين قطعيّات الدين وظنيّات الفهم.
وإذا كان القرآن الكريم قد قرر سننية الاختلاف في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ؛ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ} [سورة هود: 118–119]، فإن الإشكال المعاصر لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في نمط إدارته، وفي موقعه من سلّم الأولويات. متى يكون الاختلاف أداة إثراء؟ ومتى يتحوّل إلى آلية استنزاف؟
– أولاً: التحول المفاهيمي للخلاف: من “رحمة” إلى بنية تنازع
ظلّ التقسيم التقليدي للخلاف إلى محمود ومذموم تقسيمًا معتبرًا في أدبيات الفقه وأصوله. غير أن هذا التصنيف، على وجاهته، لا يكفي لفهم التحول الذي أصاب بنية الخلاف في الوعي الجمعي.
في نشأته الأولى، كان الخلاف تعبيرًا عن حيوية الاجتهاد، وعن تعدد مناهج الاستنباط، وعن استجابة مرنة لوقائع متباينة. كان الخلاف منهجًا لا هوية، وأداة بحث لا راية انقسام. لذلك نشأ “علم الخلاف” بوصفه علمًا لضبط النزاع، يبدأ بتحرير محلّه، ويمر بعرض الأقوال وأدلتها، وينتهي بترجيح منضبط أو بتقرير سعة الخلاف.
غير أن المسار التاريخي لم يبقَ على هذا الاتزان. فقد تحوّلت المذاهب؛ في بعض البيئات؛ من مدارس منهجية مفتوحة إلى دوائر انتماء مغلقة. لم يعد السؤال: ما القول الأرجح؟ بل: ما القول الذي ينتمي إلى دائرتنا؟ هنا انزلق الخلاف من كونه اختلافًا في الفهم إلى كونه اختلافًا في الانتماء.
فكيف انتقل الاجتهاد من بحثٍ عن حكم الله إلى سجالٍ حول تمثيل الحقيقة؟
وكيف أصبح الدفاع عن المذهب أحيانًا مقدَّمًا على الدفاع عن المقصد؟
إن هذا التحول لم يكن معزولًا عن سياقاته السياسية والاجتماعية والنفسية. فالمجتمعات المأزومة تميل إلى التشبث بالهويات الجزئية، لأنها تمنح شعورًا بالثبات وسط الاضطراب. وهكذا صار الخلاف؛ الذي كان في الفروع توسعة؛ بنية تنازع تستهلك الرصيد المعنوي للأمة.
– ثانياً: سوسيولوجيا الانشغال الفقهي: في نقد “اقتصاد الانتباه” المقلوب
لماذا يتضخم الجدل في الجزئيات في لحظة تتعرض فيها الكليات للتآكل؟
الأمة التي تتفق في أصول العقيدة والعبادة والقبلة والمقدسات، تجد نفسها أحيانًا منخرطة في سجالات تفصيلية لا تمس جوهر وجودها الحضاري. تتراجع القضايا الكبرى؛ العدالة، العلم، الإنتاج، السيادة، الكرامة الإنسانية؛ إلى الخلف، بينما تتقدم خلافات جزئية إلى واجهة الخطاب العام.
يمكن قراءة هذا المشهد من خلال مفهوم “اقتصاد الانتباه”: إذ لا تكمن الأزمة في قلة الموارد الفكرية، بل في سوء توجيهها. حين يُستثمر الجهد في ما لا يغيّر الواقع، يصبح الانشغال ذاته بديلاً عن الفعل.
أليس من الأسهل أن نختلف حول صيغة أو هيئة، من أن نختلف حول مشروع نهضة؟
أليس أيسر أن نعيد إنتاج خلافات الماضي، من أن نواجه أسئلة الحاضر الثقيلة؟
هكذا يتحول الجدل الفقهي؛ في بعض حالاته؛ إلى مساحة آمنة للهروب من مواجهة التحديات المركبة: التخلف العلمي، الهشاشة الاقتصادية، التفكك الاجتماعي، التبعية السياسية. لا لأن الفقه عاجز، بل لأن ترتيب الأولويات مختل.
– ثالثاً: حين يصير المذهب وطنًا: قراءة في سيكولوجيا التعصب
الخلاف العلمي لا يتحول إلى أزمة إلا حين يُنزَع من سياقه المعرفي، ويُحمَّل بدلالات هووية.
التعصب؛ سواء كان مذهبيًا أو مضادًا للمذهبية؛ يقوم على آلية نفسية واضحة: التماهي مع الجماعة والارتياب من المختلف. عندها يصبح الرأي امتدادًا للذات، ويغدو نقد القول مساسًا بالشخص أو بالجماعة.
في هذا المناخ، يُستبدل سؤال “ما الدليل؟” بسؤال “من قال؟”.
ويتحول الخلاف إلى اصطفاف.
ويتحول الاصطفاف إلى صراع رمزي، وربما مادي.
واللافت أن الأئمة الذين تُرفع أسماؤهم في سياق التعصب، كانوا أكثر الناس تحذيرًا منه. كانوا يدركون أن آراءهم اجتهادات بشرية، وأنها تحتمل الصواب والخطأ. فكيف انقلب الاتباع من وعي منهجي إلى ولاء غير مشروط؟
إن أزمة التعصب ليست في المذهب، بل في تحوّله من أداة فهم إلى إطار انغلاق.
– رابعاً: فقه الأولويات: إعادة ترتيب الخريطة المعرفية
ما الذي يستحق أن يحتل مركز الخطاب الفقهي في هذا القرن؟
فقه الأولويات ليس إلغاءً للخلاف، ولا تقليلاً من شأن الفروع، بل هو إعادة ترتيب للمشهد. حين تتعرض المجتمعات لأزمات وجودية — فقر، جهل، مرض، نزاعات، تراجع حضاري — يصبح من الضروري أن يُعاد توجيه الاجتهاد نحو ما يلامس حياة الناس مباشرة.
ليس كل خلاف فقهي متساوي الأثر.
ثمة خلافات تاريخية لا حضور لها في الواقع المعاصر.
وثمة خلافات نظرية لا ينبني عليها عمل.
وثمة خلافات جزئية لا تمسّ مصير الأمة.
في المقابل، هناك نوازل مستجدة تتطلب اجتهادًا عميقًا: قضايا الاقتصاد المعاصر، أخلاقيات التقنية، أنظمة الحكم، العدالة الاجتماعية، العلاقات الدولية. فهل يُعقل أن يبقى الجهد الأكبر منصرفًا إلى ما لا ينتج حلًّا لمعضلة راهنة؟
فقه الأولويات هو؛ في جوهره؛ فقه توجيه الطاقة.
– خامساً: نحو منهجية متكاملة لتدبير الخلاف
إذا كان الاختلاف سنة بشرية لا يمكن إلغاؤها، فإن الرهان الحقيقي يكمن في حسن تدبيره.
يمكن اقتراح معالم منهجية جامعة:
تحرير محل النزاع بدقة، لكشف ما إذا كان الخلاف حقيقيًا أم لفظيًا.
التمييز بين القطعي والظني، وبين الأصول والفروع.
إحياء قاعدة مراعاة الخلاف حيث تقتضي المصلحة العامة ذلك.
ضبط الفتوى بمؤسسات علمية رصينة تحول دون الفوضى.
تعزيز ثقافة الاعتراف المتبادل بين المذاهب، ورفض التكفير والتفسيق.
والأهم من ذلك كله: إعادة الخلاف إلى حجمه الطبيعي، فلا يُحمَّل ما لا يحتمل، ولا يُضخَّم حتى يصبح معيار الولاء والبراء.
* استنتاجات عامة: في الحاجة إلى حكمة التوقف
ربما كانت الحكمة الأكثر إلحاحًا اليوم هي “حكمة التوقف”:
التوقف عن استهلاك الطاقات في ما لا يعيد للأمة عافيتها، ولا يضمن لها حضورًا فاعلًا في العالم.
ليس المطلوب إلغاء التراث، ولا تجاوز المذاهب، ولا إنشاء إطار اصطناعي يوحّد الجميع. المطلوب أن يُعاد كل عنصر إلى موضعه الصحيح:
* الاختلاف حق للمجتهدين، لكنه ليس ميدانًا مفتوحًا للصراع العام.
* المذاهب مدارس علمية، لكنها ليست هويات مغلقة.
* والأئمة قدوات، لكنهم ليسوا فوق المراجعة.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يقلق الضمير الجمعي:
هل سنجعل من الاختلاف نقطة انطلاق نحو تجديد واعٍ، أم نحوله إلى حلقة مفرغة تستهلك ما تبقى من طاقتنا؟
الإجابة لا تُكتب في الكتب وحدها، بل تُترجم في ترتيب الأولويات.
حين ندرك أن ما يجمعنا أوسع مما يفرقنا، وأن التحديات التي تواجهنا أعمق من خلافاتنا، عندها فقط يستعيد الاختلاف وظيفته الأصلية: تنويعٌ في الفهم، لا تنازعٌ في الوجود.
وعندها فقط تتحول الطاقة المهدورة في الجدل إلى قوة بناء، وتتحول الفروع من ساحات صراع إلى مساحات سعة، وتتحول الأمة من مستهلكة لطاقتها إلى صانعة لمستقبلها.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





