* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
في كلية الحقوق بمراكش درسنا في مستوى السلك الثالث من الدراسات العليا أي ما بعد الإجازة وفق النظام القديم ضمن شعبة العلوم الإدارية التي تحمل اليوم تسمية «ماستر علم الإدارة».
كنّا حينها سبعة طلبة فقط. ومن بين المواد التي درسناها مادة تتعلق بتقييم المؤسسات وقياس مدى انسجام وجودها الفعلي مع الغايات التي أُنشئت من أجلها.
لم تكن المسألة مجرد دراسة تقنية لبنية المؤسسة أو طريقة اشتغالها؛ كان السؤال الأعمق هو: هل ما تزال المؤسسة وفية للغرض الذي منح وجودها معناه الأول؟
كانت تلك التجربة الأكاديمية قصيرة العمر في صيغتها آنذاك. فقد كنا الفوج الأول والأخير من هذا المسلك قبل أن يُغلق بعد سنة واحدة من إحداثه مع الأسف الشديد. وتزامنت تلك التجربة مع مرحلة كان فيها الصراع على أشده بين معسكر الحداثة ذي التوجه الفرنكفوني وبين التيار الذي كان يُصنَّف آنذاك ضمن المعسكر «العروبي».
وكان النقاش حول اللغة في التعليم والإدارة والسياسة يتجاوز أحيانًا حدود الاختيار التقني ليتحول إلى سؤال أوسع حول هوية الدولة واتجاهها الثقافي والمؤسسي.
وفي تلك المرحلة كان السيد رشيد بلمختار وزيرًا للتربية الوطنية. وقد ارتبط اسمه في النقاش العمومي آنذاك بمواقف لغوية أثارت جدلًا واسعًا بسبب استعمال الفرنسية في مناسبات رسمية ومواقف أخرى من الحديث بالعربية وفق ما تداولته بعض الهيئات والفاعلين في النقاش اللغوي.
كما شهدت فترة استوزاره نقاشًا حادًا حول لغة تدريس بعض المواد العلمية في التعليم العمومي ومقترحات الانتقال من العربية إلى الفرنسية في تدريس الرياضيات والفيزياء في التعليم الثانوي. وقد اعتبر الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بعض هذه المواقف مساسًا بمكانة اللغة العربية وبالنصوص القانونية التي تقر رسميتها.
أما نحن الطلبة السبعة فكانت لنا معه حكاية أخرى أقرب إلى الكوميديا الأكاديمية منها إلى سجالات اللغة والسياسة. فقد كان من المفترض أن تكون الدورة الأولى مناسبة لقطف ثمرة سنة كاملة من الدراسة والاجتهاد. لكن المفاجأة كانت أن نجاحنا جميعًا في الدورة الأولى لم يكن مقبولًا في نظر الوزير؛ إذ اقترح أن ينجح نصف الطلبة في الدورة الأولى والنصف الآخر في الدورة الثانية. وكأن النجاح الأكاديمي نفسه ينبغي أن يخضع لقاعدة التناوب المؤسسي!
ضحكنا يومها من المفارقة وربما لم ندرك أن هذه الحادثة الصغيرة ستبقى في الذاكرة بوصفها درسًا عمليًا آخر في علاقة المؤسسة بالقرار.
فالمؤسسة لا تُقاس فقط بما تنص عليه القواعد ولا بما تقوله الوثائق وإنما أيضًا بكيفية اتخاذ القرار وبمدى اتساقه مع الغاية التي أُنشئت المؤسسة من أجل تحقيقها.
ومن هنا بدأ السؤال يأخذ عندي معنى يتجاوز قاعة الدرس: ماذا يحدث حين تصبح الوسيلة أقوى من الغاية؟ وماذا يحدث حين تبدأ المؤسسة في إنتاج قواعدها الخاصة لإدارة وجودها بدل أن تظل موجهة نحو الهدف الذي أُنشئت من أجله؟
ربما لهذا السبب بقيت تلك المادة حاضرة في ذهني رغم أن المسلك نفسه لم يعمّر طويلًا. فقد أُغلق المسلك وبقي السؤال. وانتهت التجربة الأكاديمية وبقيت أداة التقويم. وبعد سنوات طويلة وجدت أن الأسئلة التي كنا نطرحها على المؤسسات تصلح لأن تُطرح اليوم على الأحزاب والتنظيمات بل وعلى الدولة ومؤسساتها أيضًا.
كان التقويم المؤسسي ينطلق من سبعة أسئلة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تكشف الكثير من البنية الداخلية للمؤسسة: لماذا أُنشئت؟ ما الغاية التي أرادت تحقيقها؟ ما الاستراتيجية التي اعتمدتها لتنزيل أهدافها والاقتراب من غاياتها؟ وهل ما تزال هذه الاستراتيجية صالحة أمام التحولات التي يعرفها محيط المؤسسة؟ وما المهارات والكفاءات التي توظفها في تسويق خطابها ومنتجاتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية؟ وهل تمتلك نظمًا واضحة تحدد آليات الاشتغال وتضبط العلاقة بين الوظائف والأدوار والمكانة السياسية والتاريخية؟ وهل تتناسب القيادة مع طبيعة المؤسسة وأهدافها وطريقة عملها؟ ثم هل يخدم هيكلها التنظيمي ومقرها وظيفتها أم أصبح الهيكل نفسه جزءًا من غاية الاستمرار؟
لم تكن هذه الأسئلة مجرد عناصر تقنية في عملية التقويم. كانت في جوهرها محاولة للإجابة عن سؤال واحد أكثر عمقًا: هل ما تزال المؤسسة تعمل من أجل الغاية التي أُنشئت من أجلها أم أصبحت تعمل من أجل استمرارها فقط؟ فحين يخلص الرصيد السياسي أو الاجتماعي أو الرمزي للمؤسسة قد تدخل في نوع من التدوير الداخلي الذي يجعل الحفاظ على وجودها يبدو إنجازًا في ذاته. عندها يصبح استمرار المؤسسة بديلًا عن تجدد مبرر وجودها.
وتبدو أهمية هذا السؤال أكبر حين ننتقل من المؤسسة التجارية إلى الحزب السياسي. فالحزب لا يُنشأ لمجرد امتلاك مقر أو تنظيم اجتماعات أو المشاركة في الانتخابات أو إنتاج البيانات. وراء وجوده غاية سياسية وأيديولوجية وتصور للمجتمع والدولة ومشروع لتدبير الشأن العام. وقد تتغير الوسائل والاستراتيجيات والقيادات والظروف لكن المفترض أن تظل هناك صلة حية بين المؤسسة السياسية وبين الغاية التي أعطتها مشروعيتها الأولى.
غير أن الزمن قد يفعل بالمؤسسات شيئًا أكثر تعقيدًا من مجرد تغيير أهدافها. فقد يحتفظ الحزب باسمه وهيكله وقيادته وشعاراته وذاكرته التنظيمية بينما تتراجع الغاية التي تأسس من أجلها شيئًا فشيئًا. لا تختفي بالضرورة من الوثائق الرسمية ولا تُعلن المؤسسة التخلي عنها. لكنها تفقد حضورها في الفعل اليومي. تتحول من غاية محركة إلى ذاكرة رمزية. ويبقى منها ما يكفي لاستحضار الشرعية التاريخية ولا يكفي بالضرورة لتوجيه السلوك الراهن.
وهنا تبدأ الظاهرة التي يمكن تسميتها «انقلاب الغاية». وهي اللحظة التي تنتقل فيها المؤسسة من كونها وسيلة لتحقيق غاية تأسيسية إلى اعتبار استمرارها الذاتي غاية في حد ذاته. عندها يصبح الحزب مشغولًا بإدارة الحزب أكثر من انشغاله بالمشروع الذي أُنشئ من أجله. وتصبح المؤسسة منشغلة بإدارة المؤسسة أكثر من انشغالها برسالتها. ويصبح الحفاظ على الهيكل واستمرار القيادة وتدبير الموارد وتنظيم الاجتماعات وإعادة إنتاج المواقع جزءًا مركزيًا من النشاط المؤسسي.
المشكلة ليست في وجود هذه الوظائف؛ فهي ضرورية لأي مؤسسة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسائل إلى غايات. يصبح الاجتماع مهمًا لأنه اجتماع المؤسسة لا لأنه يقربها من هدفها. ويصبح النشاط الانتخابي مهمًا لأنه يحافظ على حضور الحزب لا لأنه يترجم مشروعه السياسي. ويصبح المقر دليلًا على وجود التنظيم بدل أن يكون أداة لخدمة وظيفته. وتصبح الاستمرارية التنظيمية معيارًا للنجاح حتى عندما لا يكون واضحًا ما الذي تتقدم المؤسسة نحوه.
ومن هنا تظهر مفارقة التدوير المؤسسي. قد تكون المؤسسة شديدة الحركة من الداخل لكنها ساكنة تجاه غايتها. وقد تنتج كمًا كبيرًا من الأنشطة والقرارات واللقاءات والانتقالات التنظيمية لكنها لا تقطع بالضرورة مسافة معتبرة في اتجاه الهدف الذي أُنشئت من أجله. إنها لا تتوقف عن العمل لكنها قد تتوقف عن التقدم. تدور العجلة بكفاءة وربما بسرعة لكن السؤال الذي يظل معلقًا هو: إلى أين؟
وعندما نُسقط هذا المنظور على الفعل السياسي الحزبي في المغرب ولا سيما خلال الحملات الانتخابية يصبح من المشروع أن نعيد طرح الأسئلة السبعة نفسها بصورة أكثر حدة:
هل ما يزال الحزب يتحرك وفق الغايات التي بررت تأسيسه؟ وهل استراتيجيته الانتخابية امتداد لمشروع سياسي واضح أم تحولت الانتخابات إلى غاية قائمة بذاتها؟ وهل يمتلك الكفاءات والأدوات والمهارات الحقيقية للتسويق السياسي أم يكتفي بإعادة إنتاج الخطاب والصور والشعارات؟ وهل توجد داخل الحزب نظم مؤسسية تضبط الاشتغال أم أن جزءًا مهمًا من الفعل يقوم على الأشخاص والولاءات والظرفية؟ وهل تتناسب القيادة مع طبيعة المرحلة ومع التحولات الاجتماعية الجديدة؟ وهل ما تزال الاستراتيجية التي يشتغل عليها الحزب صالحة أم تجاوزها الزمن؟ وما الذي أصبح متجاوزًا منها وما الذي ما يزال صالحًا للبقاء؟ ثم هل يعكس الهيكل التنظيمي والمقر الحزبي مؤسسة سياسية حديثة أم مجرد بنية مادية تحفظ شكل التنظيم؛ مثل هيكل سليمان في غياب سليمان؟
هذه الأسئلة لا تستهدف حزبًا بعينه بقدر ما تكشف اختبارًا مؤسسيًا عامًا. فالحزب الذي لا يستطيع أن يربط بين غايته التأسيسية واستراتيجيته وأدواته وقيادته وهيكله يكون معرضًا لأن يتحول تدريجيًا من مؤسسة سياسية ذات وظيفة مجتمعية إلى مؤسسة تدير وجودها السياسي. وفي هذه الحالة يصبح النشاط الانتخابي جزءًا من عملية التدوير أكثر مما يصبح وسيلة لتحقيق تحول سياسي أو اجتماعي محدد.
وهنا لا يكفي أن نسأل: هل الحزب نشط؟ فالنشاط وحده لا يدل على الفاعلية. ولا يكفي أن نسأل: هل له حضور سياسي وانتخابي؟ فالحضور لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع. ولا يكفي أن نسأل: هل يحتفظ الحزب بهيكله التنظيمي؟ فبقاء الهيكل لا يعني بقاء الغاية. السؤال الأعمق هو: ما المسافة التي تفصل المؤسسة اليوم عن الغاية التي أُنشئت من أجلها؟
ذلك أن هناك فرقًا جوهريًا بين الحركة المؤسسية والحركة الغائية. قد تتحرك المؤسسة كثيرًا دون أن تتقدم. وقد تنفق موارد كبيرة دون أن تنتج أثرًا يتناسب مع حجم نشاطها. وقد تنجح في المحافظة على وجودها التنظيمي بينما تفشل في تحقيق الوظيفة التي منحت ذلك الوجود معناه. ومن هنا لا يصبح معيار الحيوية المؤسسية هو مقدار ما تنتجه المؤسسة من حركة وإنما مقدار ما تقطعه من مسافة نحو غايتها.
ولذلك فإن أخطر لحظة في حياة المؤسسة ليست بالضرورة لحظة فشلها. قد تكون اللحظة التي تنجح فيها في الاستمرار بعد أن تفقد غايتها. فالفشل الصريح يفرض المراجعة أما الاستمرار الآلي فيسمح للأزمة بأن تختبئ داخل الروتين. تظل المؤسسة قائمة وتشتغل وتدير مواردها وتنتج أنشطتها وتحافظ على صورتها العامة بينما يصبح الرابط بينها وبين سبب وجودها الأول أكثر هشاشة مع مرور الوقت.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة المؤسسة من حين إلى آخر إلى لحظة التأسيس. ليس لاستعادة الماضي بوصفه حنينًا وإنما لاختبار الحاضر بمقياس الغاية الأولى: ماذا بقي من الفكرة التي أُنشئت المؤسسة من أجلها؟ ماذا تحقق منها؟ ما الذي تغير في البيئة المحيطة؟ وهل تغيرت الوسائل لأن الغاية تغيرت أم لأن المؤسسة فقدت القدرة على الوصول إليها؟ وما الذي ما يزال يُمارس اليوم فقط لأن المؤسسة اعتادت ممارسته؟
في بعض الأحيان لا تحتاج المؤسسة إلى إعادة هيكلة بقدر ما تحتاج إلى استعادة البوصلة. فالمؤسسة التي تنسى غايتها لا تصبح بالضرورة مؤسسة بلا نشاط؛ إنها تصبح أخطر من ذلك: مؤسسة نشطة بلا اتجاه. وحين يتحول الحفاظ على المؤسسة إلى الغاية العليا تكون الوسيلة قد ابتلعت الغاية. عندها لا تعود المؤسسة أداة لتحقيق شيء يتجاوزها وإنما تصبح نظامًا لإعادة إنتاج نفسها.
وهنا تبلغ مفارقة التدوير المؤسسي ذروتها: المؤسسة تستمر لأنها تدور وتدور لأنها تريد أن تستمر. وفي هذه اللحظة يصبح السؤال عن المؤسسة أقل ارتباطًا بما تفعله وأكثر ارتباطًا بما إذا كان ما تفعله يقربها فعلًا من السبب الذي جعل وجودها ضروريًا في البداية.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





