عن حصيلة تنمية لا بشرية في المغرب

 

 

 

 

 

عائشة البصري
كاتبة وإعلامية مغربية، ناطقة سابقة باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور.

 

اتصف حكم سلاطين وملوك المغرب عبر التاريخ بمواجهة تحديات متفاوتة فرضها الوضع الداخلي والسياق الخارجي. في الحقبة المعاصرة، ناضل الملك محمد الخامس ضد تمزيق المغرب بين الاستعمارين الفرنسي والإسباني والوصاية الدولية على طنجة، لكنه تسرَّع بقبوله استقلالاً جزئياً رفضته مقاومة جيش التحرير، وما زالت البلاد تعاني من آثاره. اضطلع الحسن الثاني من بعده بمهمّة الانتقال من “الدولة المخزنية” التقليدية إلى إرساء “الدولة الأمة” الحديثة، ونجح في إنقاذ النظام الملكي من عدّة محاولات انقلابية. ونجح في استرجاع الصحراء الغربية من الاستعمار الإسباني والانتصار عسكرياً على جبهة بوليساريو الانفصالية.

ومنذ 27 سنة، يواصل الملك محمد السادس مسيرة التسوية الدبلوماسية لملف الصحراء التي حققت تقدّماً في حشد الدعم لمشروع الحكم الذاتي، رغم انطواء هذا المشروع على مخاطر عديدة غير مطروحة للنقاش العام. وفي ظل الاستقرار السياسي، تميز حكم العاهل المغربي منذ البداية بتركيزه على مشروع “التنمية البشرية” الذي يحيل إلى مفهوم برز في التسعينيات ليضع الإنسان في قلب التنمية. بدلاً من النظر إلى النمو الاقتصادي غاية في حد ذاته، تعتبره التنمية البشرية مجرّد وسيلة لتحسين حياة الفرد من خلال الارتقاء بالصحة، والتعليم، ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية.

أشرف العاهل المغربي شخصياً على إطلاق مشاريع عديدة ومتنوعة داخل المغرب وخارجه، خُصصت لها ميزانيات ضخمة، انطلاقاً من “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” سنة 2005، مروراً بمخطط المغرب الأخضر الفلاحي والمغرب الأزرق السياحي، ومشاريع الموانئ الكبرى والبيئة التحتية والتصنيع. بحلول 2017، أقرّ الملك بفشل النموذج التنموي وحاول تقويم عدم قدرة الأخير على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

واقع التنمية يشوبه خلل بنيوي نتيجة ازدواجية دور الدولة

في تقييم حصيلة مشروع التنمية البشرية أخيراً، بعد أزيد من عقدين على إطلاقه وتقويمه، احتفى الخطاب الملكي قبل أسابيع بنمو اقتصادي بلغ 4.9%، وبتوطيد مكانة المغرب الرائدة في أفريقيا قطباً للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، خصوصاً في مجال صناعات السيارات والطيران، والصناعات الغذائية، والطاقات المتجدّدة وغيرها. تقييم إيجابي بالمجمل لا يختلف كثيراً عن السنوات السابقة، باستثناء إقراره السنة الماضية بوجود تفاوتات بين المناطق ومعاناة سكان العالم القروي الفقر والهشاشة ونقص البنيات التحتية والمرافق الأساسية، وعبَّر عن رفضه مغرباً “يسير بسرعتين”.

واقع التنمية يشوبه خلل بنيوي نتيجة ازدواجية دور الدولة وتضاربه بين مَسَارَيْن ينطلقان في اتجاهين متعاكسين: مسار النمو الاقتصادي الذي تدفع به وتموله السياسات الحكومية النيوليبرالية، ومسار تراجع التنمية البشرية الذي تدفع به الدولة نفسها، نظراً إلى تخليها التدريجي عن دور الرعاية الاجتماعية، بفعل تفكيكها المستمر صندوق المقاصة الداعم للسلع الأساسية، وتحويلها الصحة والتعليم وغيرها من خدمات أساسية إلى سلع استثمارية، لا طاقة للسواد الأعظم من المواطنين على شرائها، وعدم التزامها بوعود “الدولة الاجتماعية” لم يتحقق جلّها.

مسار النمو الاقتصادي تعكسه بالفعل نسبة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قدرها البنك الدولي بـ4.9% السنة الماضية، إلى جانب انخفاض التضخم إلى 0.8%، وتراجع عجز الموازنة إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في أقوى أداء للاقتصاد المغربي خلال ازيد من عقد، في ضوء ارتفاع الاستثمارات في البنية التحتية المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030، ما جعل وكالة ستاندرد آند بورز ترفع التصنيف الائتماني السيادي للمغرب إلى درجة استثمارية، في مؤشّرات تعكس تحسناً على صعيدي الاستقرار الاقتصادي والمالية العامة.

لكن هذا النمو الاقتصادي يتسم بالهشاشة نظراً لعدم تملّك القطاع الصناعي الكامل لقاعدة صناعية وتكنولوجية مستقلة عن المستثمرين الأجانب، ونظراً لازدياد اعتماد تمويله على المديونية الخارجية التي بلغت 70% من الناتج المحلي الإجمالي. وحذّر صندوق النقد الدولي من أن الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالبنية التحتية لمونديال 2030 قد ترفع الدين العام بنحو 8% من الناتج المحلي بحلول 2030، خصوصاً إذا ارتفعت تكاليف المشاريع أو لم تحقق العائدات المتوقعة، ما قد ينقل أعباء تمويلها إلى المواطن.

مفارقة جوهرية بين خطاب التنمية البشرية وسياسات تنموية تُسخِّر جلّ الموارد العمومية، المادية والبشرية، لتنمية نيوليبرالية

أفرز مسار النمو الاقتصادي أيضاً في السنوات الأخيرة نخبة المليارديرات إلى جانب الأعيان التقليديين؛ نخبة مرتبطة ارتباطا عضويا بالسلطة وبمؤسّسات الدولة، تستفيد من تنفيذ توصيات المؤسّسات المالية الدولية المعادية للتنمية البشرية، ومن تحالفها مع الشركات متعددة الجنسية، خصوصاً من خلال خصخصة المؤسسات العمومية وتحرير القطاعات الاستراتيجية. فحسب تقرير الثروة لعام 2026 الصادر عن مجموعة نايت فرانك، ازداد عدد المغاربة الذين يمتلكون أصولا تزيد قيمتها عن 30 مليون دولار من 305 عام 2021 إلى 432 العام الجاري، أي بما يناهز 42% خلال السنوات الخمس الأخيرة. تقارير تجيب بوضوح عن سؤال كان قد طرحه العاهل المغربي عام 2014 حول تطور الثروة في المغرب: “أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟”.

تعكس تقارير منظومة الأمم المتحدة المفارقة التي يشهدها وضع البلاد بين مسار تقدم النمو الاقتصادي ومسار تراجع التنمية البشرية. فبحسب تقرير مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، يُصنف المغرب في المرتبة 120 من أصل 193 دولة، أي في مصاف الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة. لكن تقرير مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد الصادر عن المنظمة ذاتها يقدر نسبة المغاربة التي تعاني من الحرمان الشديد في السنة نفسها بـ45.7%، من بينهم 25.6% يعانون من الفقر المرتبط بالصحة، و42.1% يعانون من فقر التعليم، فيما يعاني 32.3% من الفقر المرتبط بمستوى المعيشة.

وتفيد بيانات المندوبية السامية للتخطيط بارتفاع بطالة الشباب إلى 13% سنة 2025، ونحو 22% للفئة بين 25 و34 سنة؛ أرقام تبدو محافظة وقد لا تعكس واقع البطالة. ولا يختلف الوضع كثيراً لدى الطبقة الشغيلة التي غالباً ما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور فيها نحو 365 دولاراً شهرياً؛ مبلغ يستحيل معه التمتع بأبسط مقومات العيش الكريم، خصوصاً في كبرى المدن التي ارتفعت فيها كلفة المعيشة إلى مستويات قياسية.

يزداد المشهد المغربي تعقيداً جراء عدم مشاركة 62% من المغاربة المسجلين في اللوائح الانتخابية في الانتخابات التشريعية

حصيلة أزيد من عقدين من نموذج التنمية البشرية تُظهر مفارقة جوهرية بين خطاب التنمية البشرية وسياسات تنموية تُسخِّر جلّ الموارد العمومية، المادية والبشرية، لتنمية نيوليبرالية. وبهذا يصبح الإنسان المغربي (يفترض أنه غاية التنمية ووسيلتها)، ضحية تنمية لابشرية صُمّمت أساساً لنموذج نيوليبرالي تُقاس نجاحاته بنسبة النمو وبحجم الاستثمار والصادرات والبنية التحتية، ولا تُقاس كلفته الاجتماعية بالبطالة والفقر والهشاشة واللامساواة وتآكل القدرة الشرائية.

كارثة التنمية اللََّابشرية التي تنهجها الدولة لخَّصها مشهد اندفاع آلاف المغاربة وغيرهم من الحالمين بالعبور إلى “فردوس” أوروبا عبر سبتة المحتلّة؛ أحداث لا تترك مجالاً للشك بأن المغرب قد تحول إلى وطن جاذب للمستثمرين الأجانب وطارد لفئة كبيرة من المواطنين أصبح بعضهم يفضل الانتحار في عرض البحر والتشرّد في البلاد الأوروبية على المكوث في بلد ينمو بنسبة تناهز 5%.

ويزداد المشهد تعقيداً جراء عدم مشاركة 62% من المغاربة المسجلين في اللوائح الانتخابية في الانتخابات التشريعية، الأربعاء الماضي، لتصبح بذلك الأغلبية الصامتة خارج اللعبة السياسية، بينما تعيد الأقلية المصوِّتة انتخاب أحزاب الأوليغارشية الحاكمة التي ساهمت في إفقار المواطنين بعيداً عن أي مساءلة ناهيك عن المحاسبة!

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics