عائشة البصري
كاتبة وإعلامية مغربية، ناطقة سابقة باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور.
في أجواء ذكّرت بالحرب الباردة التي خيمت على مسار نزاع الصحراء الغربية في السبعينيات، شهد مجلس الأمن تراشقاً بـ”الفيتو” بين واشنطن وموسكو في جلسة يوم الـ30 من الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) لتجديد بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو). أجهضت موسكو مشروع قرار أميركي، وردّت واشنطن بإسقاط المشروع الروسي، ثم تدخلت الرباط لتسدل الستار على فصل دام 35 سنة، وتعلن بداية مرحلة حسم نزاع إقليمي أطالت الأمم المتحدة أمده.
تضمن مشروع القرار الأميركي الذي حظي بدعم 11 دولة، بما فيها ثلاث دائمة العضوية، أربع خطوات كبيرة وغير مسبوقة من أجل تسوية النزاع استناداً إلى أحكام قرار مجلس الأمن 2797: اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً وحيداً للمفاوضات بين أطراف النزاع الأربعة؛ حذف كلمة “الاستفتاء” من اسم بعثة المينورسو، تمهيداً لإعادة هيكلتها، وتجاوزاً لخيار استفتاء تعطّل تنظيمه منذ حوالى ثلاثة عقود؛ توسيع تمثيلية الصحراويين لتشمل المشاورات عدة أطياف داخل الصحراء وخارجها؛ وتحديد سقف زمني لا يتجاوز ستة أشهر لإحصاء اللاجئين بمخيمات تندوف في الجزائر.
اكتفى مشروع القرار المضاد التي تقدمت به موسكو سويعاتٍ قبل تصويت المجلس، بطلب تجديد تقني لولاية البعثة لسنة إضافية، وقوبل بـ”فيتو” أميركي ودعم جد محدود اقتصر على الصين والصومال، بينما امتنعت 11 دولة عن التصويت. بحسب وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، كانت الرباط على علم مسبق بـ”الفيتو” الروسي، وكان لديها متسع من الوقت لتفاديه من خلال تعديل مشروع القرار الأميركي، لكنها وجدت فيه فرصة إحداث نقلة في مسار النزاع، فرصة “الانتقال من منطق التدبير إلى منطق التغيير”، فقرّرت الترحيب بفشل المجلس في تجديد مهام البعثة التي شرعت الأمم المتحدة في ترتيب خروجها من الصحراء.
بحكم اضطلاعه بقضايا الأمن والسلم الدوليين يمنح ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن كامل الصلاحية للبتّ مستقبلاً في أي تطور في الصحراء قد يرى فيه تهديداً للأمن والسلم في المنطقة
انسحاب “المينورسو” يعني نهاية كلّ أعمال المجلس المتعلقة بهذه البعثة، بما في ذلك اجتماعاته الدورية، وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة، وإحاطات مبعوثه الشخصي، ورفع المغرب تقارير دورية، وتنسيق عمل البعثة وانتظار قرارات المجلس وغيرها من إجراءات الاستنزاف الدبلوماسي. لكن هذا التطور، على أهميته، لا يعني أن مجلس الأمن لن يبتّ في موضوع الصحراء بعد خروج البعثة، فبحكم اضطلاعه بقضايا الأمن والسلم الدوليين يمنحه ميثاق الأمم المتحدة كامل الصلاحية للبتّ مستقبلاً في أي تطور في الصحراء قد يرى فيه تهديداً للأمن والسلم في المنطقة، خصوصاً في ضوء خطر اندلاع نزاع حول أراضٍ صحراوية تُعرَف إعلامياً بـ”المنطقة العازلة”.
منذ بداية تنفيذ اتفاقية وقف إطلاق النار عام 1991، برز نزاع بين المغرب وجبهة بوليساريو بشأن أراضٍ تُقدَّر بحوالى 20% من إجمالي مساحة الصحراء، تفصل بين الجدار الرملي المغربي والحدود مع الجزائر وموريتانيا. يعتبر المغرب المنطقة جزءاً من سيادته على الأقاليم الصحراوية، ويؤكد، في مراسلاته الرسمية مع الأمين العام للأمم المتحدة، أن القصد من عدم سيطرة المغرب عليها في نهاية الثمانينيات كان تفادي توتر قد يؤدّي إلى التصعيد بين المغرب والجزائر. في المقابل، تعتبر “بوليساريو” المنطقة “أراضي محرّرة” عملت طوال العقود الماضية على تعمير بعض مناطقها ونقل بعض مقراتها إليها. يحتج المغرب منذ 3 سبتمبر/ أيلول 1991 ويحذّر الأمم المتحدة من محاولة الجبهة “تكريس وجود مجال إقليمي في المنطقة”. يرجّح انسحاب “المينورسو” احتمال اندلاع نزاع بين الطرفين لبسط السيطرة عليها، خصوصاً وقد أعلنت الجبهة انسحابها الأحادي من اتفاقية إطلاق النار منذ 2020، بينما ما زالت الرباط تؤكّد التزامها باحترامه.
خروج “المينورسو” يعني أيضاً حصر تداول الملف في المُربّع الأول الذي انطلق منه، في الجمعية العامة واللجنتين التابعتين لها: لجنة الـ24، واللجنة الرابعة تحديداً. منذ 1963، يخوض المغرب معركة دبلوماسية بنَفَس طويل داخل لجنة الـ24 المعنية برصد وضع الأراضي غير المتمتعة بالحكم الذاتي التي تشمل إقليم “الصحراء الغربية”. وعلى مدى سبعة عقود، يترافع داخل اللجنة الرابعة من أجل إثبات سيادته على الصحراء، أي منذ صباح يوم الاثنين 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1957 حين طالب ممثل المغرب، عبد اللطيف الفيلالي، في الاجتماع 670 للجنة الرابعة في نيويورك، بإنهاء الاستعمار الإسباني لإقليم “إفني” وإقليم “الساقية الحمراء ووادي الذهب” (الصحراء الإسبانية) وإعادتهما إلى السيادة المغربية. اللجنتان تتداولان قضية الصحراء كل سنة وترفعان إلى الجمعية العامة تقارير وتوصيات، في شكل مشاريع قرارات، من أجل إنهاء الاستعمار الاسباني للصحراء، الذي انتهى على الأرض مع انسحاب إسبانيا من الأراضي في مطلع 1976. وفي الجمعية العامة، تستمر جلسات حوار الطرشان، وتتسع الهوة بين الأطراف سنة تلو أخرى، ويزيد تعارض مواقفهم بين تمسك “بوليساريو” والجزائر بتقرير المصير (رغم أنه لم يرد في قرارات الجمعية العامة لتحديد الاستفتاء آلية لتقرير المصير ضد الاستعمار) استناداً إلى فتوى محكمة العدل الدولية سنة 1975 بعدم وجود سيادة ترابية للمغرب في الصحراء قد تؤثّر بتطبيق تقرير المصير. في المقابل، يشدّد المغرب على أن تقرير المصير حسب معايير تحقيق الحكم الذاتي بحسب القرار 1541 للجمعية العامة لا تنطبق على أراضي الصحراء التي تشكل امتداداً جغرافياً وإثنياً وثقافياً وتاريخياً للمغرب الذي تجمعها به روابط بيعة كتابية، وفقاً لما أقرّته فتوى محكمة العدل الدولية نفسها.
“‘نعم’ و’لا’ هو موقف ‘المجتمع الدولي’ إزاء كل قضية عادلة تتشابك حولها مصالح الدول قائدة “المجتمع الدولي” المزعوم
تفاحة الشقاق في نزاع الصحراء زرعتها هذه المحكمة الأممية التي طلبت منها الجمعية العامة عام 1974 استشارة قانونية للإجابة عن سؤالين: هل كانت الصحراء الغربية أرضاً بلا مالك وقت الاستعمار الإسباني لها؟ وإذا لم تكن كذلك، فما الروابط القانونية التي كانت تجمعها بالمغرب والكيان الموريتاني؟ أجابت المحكمة عن السؤال الأول بالنفي، وفي معرض جوابها عن السؤال الثاني، أقرّت بأن المغرب قدّم ظهائر بيعة قبائل صحراوية لسلاطين المغرب ووثائق تثبت تعيينهم “القياد” و”الشيوخ” في المنطقة، وتحصيل “الضرائب القرآنية” فيها، وقيامهم بعمليات عسكرية لمقاومة الاستعمار فيها، واتفاقيات دولية أبرموها مع إسبانيا والولايات المتحدة وبريطانيا بشأن الصحراء، وخلصت إلى وجود علاقات بيعة تربط السلطان ببعض قبائل الصحراء. ثم أقحمت المحكمة رأياً إضافياً حول السيادة، يزعم أن هذه الروابط لا ترقى إلى وجود سيادة ترابية للمغرب في الصحراء خلال فترة الاستعمار الإسباني قد تؤثر بتطبيق مبدأ تقرير المصير وتعبير السكان عن إرادتهم.
في تحديدها مفهوم السيادة الترابية، استندت المحكمة إلى قضية نزاع الدنمارك والنرويج على “شرق غرينلاند” في سياق الدولة القومية الحديثة في أوروبا، وطبقتها بأثر رجعي على دولة كانت ترزح تحت الاستعمارين، الفرنسي والإسباني، اللذين شكلا، في حد ذاتهما، انتهاكاً للسيادة، وكانت بنيتها تقوم في جميع أنحاء البلاد، بما فيها الصحراء، على الرابط الديني وبيعة القبائل للسلطان الذي مارس قروناً سلطته في البلاد بواسطة “القياد” و”الشيوخ”. هكذا ألقت المحكمة بقنبلة فتوى لم تُطلب منها وغير ملزمة قانونيّاً حول أكثر المواضيع القانونية إثارة للجدل: السيادة الترابية لدولة إسلامية تحت الاستعمار الأوروبي، وأحدثت انقساماً عميقاً بين أطراف النزاع.
شكّلت نهاية “المينورسو” فرصة إخراج النزاع من حلقة “نعم” و”لا” المُفرغة على الأقل على مستوى مجلس الأمن
رأي المحكمة الذي ما زالت آثاره تعرقل آفاق التسوية الأممية للنزاع أدرجه محمد عابد الجابري في ما أسماها “متاهات سياسة نعم ولا” التي تحكم مسار قضية الصحراء في الأمم المتحدة منذ البداية: “‘نعم’ و’لا’ هو موقف ‘المجتمع الدولي’ إزاء كل قضية عادلة تتشابك حولها مصالح الدول قائدة “المجتمع الدولي” المزعوم. وتصريح مجلس الأمن، قبل شهرين، حول مقترح الحكم الذاتي في الصحراء الذي قدّمه المغرب كان من هذا النوع: الثناء على المقترح المغربي في بداية التصريح، وتأكيد حق تقرير المصير في نهايته”.
عشرون سنة تفصل رأي الجابري عن وضع الصحراء اليوم. تغيّر السّياق الدولي وتغيّر موقف عديد من الدول تجاه النزاع، ولم يتغير جوهر موقف المنظمة الدولية الذي يحثّ على الشيء ونقيضه في آن واحد. فحتى القرار 2797 الذي جعل من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات أبقى على التناقض الجوهري بين سيادة الدولة وتقرير المصير، باشتراطه التوصل الى حلّ سياسي “يكفل لشعب الصحراء الغربية تقرير مصير”. لذلك، شكّلت نهاية “المينورسو” فرصة إخراج النزاع من حلقة “نعم” و”لا” المُفرغة على الأقل على مستوى مجلس الأمن، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى التي تفرض إرادتها على بقية الأعضاء عبر سلطة الفيتو والطبيعة القانونية المُلزمة لقرارات المجلس.
تنتظر المغرب معركة دبلوماسية جديدة، لكنها أقلّ حدّة نظراً إلى عدم وجود تهديد الفيتو وعدم إلزامية قرارات الجمعية العامة التي تعدّ توصياتٍ تعبر عن رأي المجتمع الدولي المتغير بطبيعته، حسب تغير العلاقات الدولية. يفتح خروج “المينورسو” الباب على احتمالات عدّة تتأرجح بين السلم والحرب، بين احتمال تصعيد عسكري في “المنطقة العازلة”، واحتمال إيجاد وساطة دولية مُبتكرة لحل النزاع، أو إحداث اختراق في الجمعية العامة ولجانها من جهة، أو حتى إدخال مشروع الحكم الذاتي في الصحراء حيّز التنفيذ استناداً إلى القرار 2797، ودعم أزيد من 130 دولة له.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





