حين يفقد الأقصى قدرته على التعبئة والتحشيد

 

 

 

 

 

أسامة أبو ارشيد
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في واشنطن

 

إذا كنت تبحث عن وحدة قياس دقيقة للحال الفلسطيني اليوم فلا تنظر أبعد من المسجد الأقصى المبارك، إذ إنه يختزل مأساوية المشهد برمته. في عقيدة المسلمين هو أول قبلة للناس، وثاني مسجد بني بعد المسجد الحرام، وثالث الحرمين الشريفين. وبالنسبة للفلسطينيين، بالإضافة إلى هذا كله، يمثل مدماكاً وطنياً ورمزياً هاماً في تشكيل الهوية الجَمعِيَّة. وفي سياق الصراع الفلسطيني – الصهيوني، المسجد الأقصى تحديداً، واستطراداً مدينة القدس، يجسّدان التكثيف الأعلى لجوهر الصراع وسيرورته وسردياته. ومن ثمَّ، عندما تتابع الاعتداءات الإسرائيلية الراهنة عليه، والاقتحامات المتواصلة له من قبل قطعان المستوطنين، بقيادة وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو، كوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، أو وزير الدفاع ومجرم الحرب يسرائيل كاتس، من دون ردِّ فعل فلسطيني قوي، دع عنك مواقف عربية وإسلامية ذات معنى، فأعلم أن الوضع الفلسطيني ليس بخير أبداً.

قد يبرز اعتراض هنا مفاده بأن واقع الحال الكارثي في قطاع غزّة، أين تستمر إسرائيل في حرب الإبادة للعام الثالث على التوالي، أو حتى في الضفة الغربية التي تتعرّض لعمليات تطهير عرقي منهجية، بالإضافة إلى جرائم الجيش والمستوطنين المتوحشة بحق السكان، أكثر تعبيراً واختزالاً للمشهد الفلسطيني. والحقيقة أنه ليس ثمَّة تعارض أبداً بين المشاهد الثلاثة في القطاع والضفة والمسجد الأقصى، واستتباعاً القدس. كلها تعابير عن مأزق وكارثة فلسطينية. لكن، ما يجعل من تزايد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد المبارك، وتعدّد أنماطها، واتساع نطاقاتها، مؤشراً أكثر تعبيراً عن واقع الحال الفلسطيني، أن مثل هذه الاعتداءات في الماضي كان يترتب عليها انفجار شعبيٌّ في القدس والضفة وغزّة، غير أننا لا نراه اليوم.

الاعتداءات على المسجد الأقصى في الماضي كان يترتب عليها انفجار شعبيٌّ في القدس والضفة وغزّة، وهو ما لا نراه اليوم

قامت في 25 سبتمبر/ أيلول 1996 هبّة شعبية فلسطينية، في القدس والضفة الغربية وقطاع غزّة، أُطلق عليها “هبة النفق” على خلفية حفر (وافتتاح) سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما سمّى النفق الغربي أسفل المسجد الأقصى. استمرّت الهبة ستة أشهر، وارتقى فيها مائة شهيد فلسطيني، في حين أصيب أكثر من 1600 آخرون. وفي 28 سبتمبر 2000 تفجرت “انتفاضة الأقصى” ردّاً على قيام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك، أرئيل شارون، رفقة أعضاء من حزب الليكود، محميين من ألف رجل أمن إسرائيلي، بتدنيس المسجد الأقصى المبارك. كانت النتيجة انتفاضة دامت نحو أربعة أعوام ونصف العام، وارتقى فيها أكثر من أربعة آلاف شهيد، وأصيب فيها أكثر من 48 ألفاً، واعتقل خلالها أكثر من 12 ألف فلسطيني. ليس هذا فحسب، بل إن عدداً من أرفع رموز الشعب الفلسطيني دفعوا حياتهم ثمناً في تلك الانتفاضة، ومنهم الرئيس ياسر عرفات، ومؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، والأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى. وما يزال آخرون أسرى في سجون الاحتلال، مثل القائد في حركة فتح مروان البرغوثي، والأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات.

وفي 10 مايو / أيار 2021 أطلقت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة معركة “سيف القدس”، والتي جاءت على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح في القدس المحتلة. وقد استمرّت المعركة 11 يوماً ارتقى فيها أكثر من 250 شهيداً فلسطينياً، بالإضافة إلى آلاف المصابين. ثمَّ جاءت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر / تشرين الأول 2023، والتي أكدت حركة حماس أن أحد أهم مسوغاتها “مواجهة مخططات التهويد والتقسيم الزّماني والمكاني للمسجد الأقصى، وتصاعد وتيرة اقتحامات المستوطنين الاستفزازية للمسجد الأقصى”. وما زلنا نعيش ارتدادات “طوفان الأقصى”، والتي ارتقى على خلفيتها أكثر من 73 ألف شهيد فلسطيني في قطاع غزّة، فضلاً عن مئات آلاف المصابين، وتدمير القطاع بشكل شبه كامل. دع عنك ما يجري في الضفة الغربية من اعتداءات إسرائيلية وحشية متواصلة.

تراجع في قدرة الفلسطينيين المنهكين على التحشيد والتصدي للانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى

ما سبق سرد على سبيل المثال لا الحصر، ونجد فيه تعضيداً لحقيقة ساطعة: المسجد الأقصى دائماً ما كان صاعق تفجير شعبي فلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته. لكن، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، نجد تراجعاً ملحوظاً في قدرة الفلسطينيين المنهكين على التعبئة والتحشيد والتصدي للاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى. قارن بين ردات الفعل الفلسطينية أعوام 2000، 2021 و2026. عندما اقتحم شارون المسجد الأقصى عام 2000 وصرح أنه “سيبقى منطقة إسرائيلية”، كانت النتيجة انتفاضة فلسطينية باسم المسجد الأقصى نفسه. وبعد 26 عاماً بالتمام والكمال، عندما اقتحم بن غفير المسجد (28 سبتمبر الماضي) وصرح “نحن أصحاب المكان هنا”، كان ردُّ السلطة الفلسطينية تنديداً وتوسلاً لتدخل عربي وإسلامي ودولي. أمّا رد حركة حماس فلم يختلف كثيراً عنها، اللهم إلا الدعوة عبر عضو مكتبها السياسي ورئيس مكتب شؤون القدس فيها هارون ناصر “إلى حراك فاعل على جميع المستويات لمواجهة مخططات الاحتلال في القدس والمسجد الأقصى”. وهو موقف لا يتسق أبداً مع موقف حماس في عام 2021، عندما أعلن قائد جناحها العسكري حينئذ، محمد الضيف، أنَّ أمام الجيش الإسرائيلي ساعة واحدة للخروج من المسجد الأقصى وحي الشيخ جرّاح وإلَّا فستندلع الحرب. وفعلاً، ومع انتهاء المهلة المحددة بدأت المقاومة الفلسطينيّة بإطلاق الصواريخ على شكل رشقات صاروخية مكثفة على الدولة العبرية.

لا تقف مأساوية الحال الفلسطيني عند ما سبق، فالأدهى أن الفلسطينيين محرومون من قيادة تاريخية قادرة على لملمة شعثهم، وتضميد جراحاتهم، وتعبئة إمكانياتهم، وتفعيل الدعم الدولي المتنامي لهم، شعبياً ورسمياً، وصياغة استراتيجية مواجهة مع المشروع الصهيوني. للأسف، لدى الشعب الفلسطيني قيادة مشغولة بتعيين مجلس وطني فلسطيني جديد بناء على معايير الولاء، لا الكفاءة، ولا يستبعد أن تكون من ضمن الحسابات معركة وراثة الابن ياسر للأب محمود عباس. أما المسجد الأقصى، بل فلسطين كلها، فلهما ربٌّ يحميهما. هذا لسان الحال الكئيب.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...