الملك ونهاية المينورسو.. الحزم في تدبير المرحلة واليقظة في مواجهة المجهول
محمد براو، خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
مدير مجلة التدبير والرقابة على المال العام
مقدمة
لم يكن ترؤس الملك محمد السادس جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، لمتابعة تدبير مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة بالصحراء (المينورسو)، مجرد اجتماع مؤسساتي لتوزيع الاختصاصات أو مواكبة إجراءات انسحاب بعثة أممية انتهت ولايتها. بل حملت هذه الخطوة دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز بعدها التدبيري المباشر، وتعكس طبيعة المقاربة التي اختار المغرب اعتمادها في التعامل مع مرحلة جديدة من مسار قضية وحدته الترابية.
فإذا كان انتهاء ولاية المينورسو، بعد عجز مجلس الأمن عن التوصل إلى توافق بشأن تجديدها، قد فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مستقبل الترتيبات الأممية والوضع الميداني، فإن التحرك الملكي جاء ليؤكد أن المغرب لا يتعامل مع هذا التطور باعتباره مجرد تحول إجرائي، وإنما باعتباره مرحلة تستوجب وضوحاً في الرؤية، وحزماً في التنفيذ، ويقظة في متابعة مختلف الاحتمالات والتطورات.
واللافت في مضمون البلاغ الصادر عن الديوان الملكي أن الملك لم يكتف بالتأكيد على الثوابت الوطنية المرتبطة بالوحدة الترابية والسيادة الوطنية، بل انتقل إلى تحديد الأولويات العملية التي ينبغي أن تؤطر تدبير المرحلة المقبلة، واضعاً سلامة التراب الوطني وأمن المملكة وطمأنينة المواطنين، ولا سيما سكان الأقاليم الجنوبية، في صدارة الاهتمامات.
من تدبير وجود المينورسو إلى تدبير مرحلة ما بعد انتهائها
لعل أبرز ما يستوقف المتابع في التوجيهات الملكية هو الانتقال من منطق التعامل مع بعثة أممية قائمة إلى منطق الاستعداد لتدبير مرحلة ما بعد وجودها. فالمينورسو، بصرف النظر عن طبيعة المهام التي اضطلعت بها والانتقادات التي وجهت إلى أدائها، كانت تشكل جزءاً من الإطار المؤسساتي الذي جرى في ظله تدبير الوضع الميداني على مدى عقود. وبالتالي، فإن انتهاء مهامها يطرح أسئلة عملية تتعلق بآليات التنسيق، ومراقبة التطورات الميدانية، وضمان استمرار الاستقرار، فضلاً عن طبيعة الترتيبات التي ستواكب انسحابها.
ومن هنا تكتسب التعليمات الملكية المتعلقة بالتفعيل الحازم واليقظ للأولويات الوطنية أهمية خاصة. فالمقصود ليس فقط التأكيد على أن السيادة المغربية ثابتة ولا تقبل المساومة، وإنما أيضاً ضمان أن تظل مؤسسات الدولة مستعدة للتعامل مع مختلف التطورات، كل في نطاق اختصاصه ومسؤوليته. وهذا ما يفسر طبيعة الحضور المؤسساتي الرفيع في جلسة العمل، بمشاركة رئيسة الحكومة ووزير الداخلية والمفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، إلى جانب مستشار الملك. فتركيبة الاجتماع تعكس تعدد أبعاد المرحلة، وتؤكد أن تدبيرها لا يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل يشمل أيضاً الأبعاد الأمنية والإدارية والتنموية.
الحزم واليقظة.. رسالتان في اتجاهات متعددة
إن اختيار عبارتي الحزم واليقظة في التوجيهات الملكية ليس أمراً عابراً. فالحزم يرتبط بضرورة تنفيذ الأولويات الوطنية دون تردد أو ارتباك، واليقظة تعني عدم التعامل مع انتهاء مهام المينورسو باعتباره نهاية تلقائية للتحديات المرتبطة بالنزاع. فالتحولات التي يعرفها الملف لا تلغي احتمال ظهور تعقيدات جديدة، سواء على المستوى الميداني أو الدبلوماسي أو داخل المؤسسات الأممية. كما أن غياب البعثة لا يعني بالضرورة اختفاء كل الإشكالات التي كانت تواكب وجودها، بل قد يطرح تحديات مختلفة تتطلب آليات جديدة للتعامل معها. ومن هذا المنطلق، تبدو الرسالة الملكية موجهة إلى مختلف المؤسسات المعنية، ومفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب أعلى درجات التنسيق والجاهزية، مع تجنب أي فراغ في تدبير الملفات المرتبطة بالأقاليم الجنوبية.
كما أن التشديد على طمأنينة السكان يحمل دلالة أساسية، مفادها أن تدبير التحولات المرتبطة بالنزاع ينبغي ألا ينفصل عن حماية المصالح اليومية للمواطنين، وضمان استمرار الخدمات والمشاريع التنموية، وصون الإحساس بالأمن والاستقرار. فالأقاليم الجنوبية ليست مجرد مجال جغرافي مرتبط بنزاع إقليمي، وإنما فضاء يعيش فيه مواطنون لهم حقوق وانتظارات ومصالح تنموية واجتماعية يتعين أن تظل في صدارة السياسات العمومية.
مكتب التنسيق مع المينورسو.. انتقال من الخطاب إلى الترتيبات العملية
ومن أهم القرارات التي تضمنتها التوجيهات الملكية إسناد مهمة التنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة إلى مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية. وتكمن أهمية هذا الإجراء في أنه يترجم الموقف السياسي إلى آلية مؤسساتية واضحة، تتولى متابعة الجوانب العملية المرتبطة بانتهاء مهام البعثة، وتيسير الإجراءات ذات الصلة، وضمان مرور عملية الانسحاب في ظروف منظمة وسلسة.
وهنا تبرز إحدى السمات الأساسية للمقاربة المغربية: عدم تحويل انتهاء ولاية المينورسو إلى مناسبة للتصعيد أو القطيعة مع الأمم المتحدة، بل التعامل معه باعتباره تحولاً مؤسساتياً يستوجب احترام المساطر والالتزامات الدولية، مع الحرص الكامل على صيانة السيادة الوطنية. وبذلك يميز المغرب بين انتهاء مهام بعثة أممية وبين علاقته بمنظمة الأمم المتحدة، فالأمر الأول يتعلق بولاية محددة وبسياق سياسي وميداني متغير، أما الثاني فيندرج ضمن التزام أوسع بالتعاون متعدد الأطراف والمساهمة في جهود حفظ السلام وتسوية النزاعات.
وقف إطلاق النار.. التزام ثابت رغم تغير الإطار المؤسساتي
ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها تأكيد الملك استمرار التزام المملكة بوقف إطلاق النار، مع التشديد على أن هذا الالتزام إرادي ولن يتغير بانتهاء ولاية المينورسو. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تفصل بين مسألتين قد يقع الخلط بينهما: انتهاء ولاية البعثة الأممية من جهة، واستمرار الالتزام المغربي بوقف إطلاق النار من جهة ثانية.
فالمغرب، وفق الموقف الذي عبر عنه البلاغ الملكي، لا يعتبر انتهاء مهام البعثة مبرراً للتخلي عن التزاماته، ولا يجعل من غياب آلية أممية معينة سبباً لتغيير سلوكه في ما يتعلق بالحفاظ على الاستقرار. لكن هذا الالتزام لا يلغي ضرورة اليقظة إزاء التطورات الميدانية، ولا يعفي الأطراف الأخرى من مسؤولياتها. بل إن الإشارة الملكية إلى محدودية قدرة البعثة، في مناسبات عديدة، على مراقبة احترام وقف إطلاق النار وترتيب الآثار على خرقه، تفتح النقاش حول فعالية الآليات التي ستواكب المرحلة المقبلة، وحول الحاجة إلى ترتيبات أكثر وضوحاً ونجاعة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات التي تفرضها نهاية المينورسو: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار في ظل غياب الآلية الأممية التي ظلت مرتبطة به مؤسساتياً؟ وهو سؤال لا تكفي الإجابة عنه بالتأكيد على الالتزامات السياسية، بل يستدعي تصوراً عملياً لمواجهة مختلف الاحتمالات.
استثمار الزخم الدبلوماسي دون الوقوع في وهم الحسم النهائي
ولا يمكن قراءة التوجيهات الملكية بمعزل عن التحولات التي عرفتها القضية الوطنية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق بتعاظم الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على صحرائه، وترسيخ مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للحل السياسي. فالمغرب يدخل هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد دبلوماسي مهم، وإلى مرجعية سياسية تعزز موقع مقترح الحكم الذاتي في مسار البحث عن تسوية للنزاع.
غير أن هذا التطور، على أهميته، لا ينبغي أن يقود إلى الاعتقاد بأن انتهاء مهام المينورسو يعني أن النزاع قد انتهى بصورة نهائية، أو أن جميع الترتيبات المرتبطة بالتسوية أصبحت محسومة. ذلك أن التحولات التي عرفها الملف تمثل انتقالاً مهماً في مرجعيته السياسية، لكنها لا تعني بالضرورة اكتمال التسوية أو اختفاء التحديات المرتبطة بتنفيذها. فالقرار 2797 وما أعقبه من تطورات كشفا عن وجود تقاطع دولي مهم بشأن مركزية مبادرة الحكم الذاتي، لكنهما أظهرا أيضاً استمرار الخلاف حول أدوات مواكبة العملية السياسية ومستقبل الآليات الأممية. لذلك فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن ينحصر في الاحتفاء بانتهاء ولاية المينورسو، وإنما في تحويل التحولات الدبلوماسية المتراكمة إلى واقع سياسي ومؤسساتي مستقر، يضمن صيانة السيادة الوطنية ويفتح الطريق أمام تسوية نهائية للنزاع.
ختاما: هل هي نهاية مهمة أم بداية مرحلة أكثر حساسية؟
إن رد الفعل الملكي على انتهاء مهام المينورسو يكشف عن مقاربة تقوم على الجمع بين الثبات في الموقف والمرونة في تدبير الوسائل، وبين التشبث بالسيادة الوطنية واحترام الالتزامات الدولية، وبين مواصلة المشروع التنموي والاستعداد لمختلف التطورات السياسية والميدانية.
فالملك لم يقدم نهاية المينورسو باعتبارها إعلاناً عن انتهاء النزاع، ولم يتعامل معها باعتبارها مناسبة لإحداث قطيعة مع الأمم المتحدة، وإنما وضعها في سياق مرحلة جديدة يتعين تدبيرها بمنطق الدولة ومؤسساتها، وبما تقتضيه حماية المصالح الوطنية. وإذا كانت نهاية المينورسو قد أزالت إحدى الآليات التي ظلت حاضرة في تدبير هذا النزاع لعقود، فإنها تطرح في المقابل سؤالاً أكبر يتعلق بكيفية الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة تهيئة شروط تسويته النهائية.
ولعل الرسالة الأبرز في الاجتماع الملكي هي أن المغرب، وهو يستحضر المكاسب الدبلوماسية التي تحققت، لا يخلط بين التقدم في مسار القضية الوطنية وبين الوصول إلى خط النهاية. فالحسم السياسي لا يتحقق بمجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، وإنما يتطلب استكمال المسار التفاوضي، وتثبيت المرجعية السياسية، وضمان الاستقرار، وتحويل مبادرة الحكم الذاتي إلى تسوية عملية قابلة للتنفيذ.
إنها، باختصار، مرحلة لا يكفي فيها امتلاك عناصر القوة الدبلوماسية، بل يتعين أيضاً حسن تدبير التحولات واستباق تداعياتها. وهذا ما تعكسه التوجيهات الملكية: حزم في حماية الثوابت، ويقظة في مواجهة الاحتمالات، واستمرار في البناء التنموي والدبلوماسي إلى حين بلوغ تسوية نهائية للنزاع.





