الإسلام وكبار السّن

إيطاليا تلغراف

 د. ربيع العايدي *

إن الإسلام يهتم بالإنسان جسدا وروحا وحياته تشكل بالنسبة للتشريع الإسلامي أمرا مهما وخطا احمرا ، بعيدا عن لونه أو دينه أو عمره .
ولقد أكد القرآن الكريم والأحاديث النبوية في مواضع كثيرة أهمية النفس البشرية وحرمة التعدي عليها أو إنهاء حياتها ، قال تعالى ” ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” سورة المائدة ٣٢.
وقال عليه السلام : ( لا تُقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سنّ القتل ) رواه أحمد في مسنده .
كما أن فقهاء الشريعة عدّوا ” حفظ النفس” من مقاصد الشريعة التي جاءت النصوص القرآنية والروايات الحديثية للمحافظة عليها ، وأوجبوا استخدام جميع الآليات والوسائل للمحافظة عليها من أي ضرر محتمل يصل إليها .
وعليه لا يحق لأحد كائنا من كان ان ينهي حياة إنسان آخر ، صغيرا أوكبيرا، سليما أو مريضا ، فإن حياة الإنسان وتقديسها تشكل النواة الاولى التي يهتم بها الإسلام، فحياة الصغير ليست أولى بالمحافظة عليها من الكبير .
وتأتي هذه الفلسفة في ظل ان الإسلام لا ينظر إلى الإنسان كآلة تنتهي صلاحيتها عندما يمر عليها مدة من الزمن ،بل يرى الإسلام ان الإنسان كلما كبر سنّه زادت قيمته المعنوية بكافة أشكالها.
ولما كان الإسلام يملك قيمة ومبدأ عظيما “”وهو الإيمان بالله تعالى”” وان الإنسان يتعامل مع أخيه الإنسان لا بشرط المنفعة الدنيوية فحسب ،بل هناك منفعة وأجر اخروي، جعلته يُحسن في تعامله مع جميع الناس ، فما بالنا إذا كان هؤلاء الناس أصحاب فضل علينا مسبق مثل الوالدين، وتربطنا بهم روابط فطرية لا يمكن للانسان ان يتنصل منها، لذا فهو يبادر بإيمانه وفطرته للاحسان لوالديه .
وإذا استقرأنا بعض الأسباب التي دعت بعض الناس للاستخفاف بحياة كبار السن ، يمكن أن يرجع ذلك إلى :
أولا : انشغال أسرهم عنهم .
ثانيا : ضعف الوازع الإنساني والأخلاقي .
ثالثا: سيطرة النزعة المادية عليهم .
رابعا: الثقافة المتداولة في المجتمع تلعب دورا مهما في إنتاج مثل هذا الفكر .
فينطلق هؤلاء من فلسفة تُقدم كل ما هو مادي ؟ وترى أن الاعتبار أولا وآخرا للمال، وقيمة الإنسان في مدى انتاجيته فحسب!! حتى اذا وصل إلى مرحلة عمرية أقعده عن الإنتاج، صار في مهب الريح في اول أزمة تعصف بالبلاد ، فيقدم الشباب في العلاج والاهتمام والعناية على كبار السن في الأزمات .
إن الإسلام ومن خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية أولى اهتماما عظيما للحلقات الضعيفة في المجتمع كالأطفال فعمل على بناء الأسرة وتكافلها من الداخل ، وكذا الأيتام فقد نص على الأجر الكبير لرعايتهم ، وتنمية أموالهم ، وأما الفقراء والمساكين فإنه جعل لهم سهما في مال الأغنياء .
واليوم عندما نتحدث عن حلقة ضعيفة أخرى في المجتمع وهم كبار السن وفي ظل معركة الإنسان ضد فايروس كورونا ، ونرى اصواتا في تنادي و تمارس سلوكيات تتنافى مع إنسانيتنا وأخلاقيات المجتمعات في المحافظة على حقوق الإنسان وعلى رأسها “حقه في الحياة” .
كبار السن قدموا لمجتمعاتهم الكثير من الجهد والبناء في شبابهم فوجب على المجتمع ان يرعاهم في كبرهم ، والله تعالى يقول: ( وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان )
نعم إن الإسلام رفض اعتبار كبار السن رديفا “لانتهاء الصلاحية” ، فهم سبب أصيل في كل حاضر يعيشه الإنسان وفي كل رغد ينعم به الأفراد من هنا كان التوجيه النبوي : ( ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) وجعل الإسلام من أقرب القربات الإحسان إلى الوالدين والى كبار السن بالعموم ، وتوجيه نبوي آخر صريح يقول عليه السلام 🙁 ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا ) توازن في التعامل مع جميع أصناف المجتمع تدور بين” الرحمة والحقوق” ، نظرية يطالب العالم اليوم ان يعيد قراءتها مرات ومرات ، تبدأ بالرحمة على الصغير ، حتى عندما يكبر هذا الصغير يعيد الرحمة إلى الكبير ، نعم هي دائرة لا تنتهي من الرحمة والحقوق يكمل أحدهما الآخر ، إن الرحمة والحق ثنائية لا يستغني عنها مجتمع ، فالرحمة حق انساني لابد ان ينعم به الضعفاء الذين لا يخلو منهم مجتمع ، حتى إذا تمكن من العطاء الزمناه بالحق والرحمة في المجتمع ، فالضعيف الذي نقابله بالرحمة اذا صار محلا للعطاء قابل مجتمعه بالرحمة ، وإلا قابل المجتمع بالانتقام والفوضى .
فكبار السن قابلوا المجتمع بالرحمة والعطاء ، لابد أن يجدوا هذه الرحمة في حال ضعفهم ، تعود إليهم زيادة رعاية واهتمام .
إننا لا ننكر بأن الثقافة تلعب دورا مهما في بث روح الأمل لاستقبال الحياة والإنتاج مهما بلغ الإنسان من العمر .
إن التقدم بالعمر لا يجوز أن يكون مبررا للانسحاب من الحياة .
وفي الختام :
لا بد لمؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان ان تعمل على زيادة الإجراءات واتخاذ سبل الوقاية القصوى لحماية كبار السن والمحافظة عليهم مهما كلّف الامر . إن المجتمعات لا يمكنها أن تستمر بالجانب المادي وحده دون الدور القيادي للأخلاق ، وان أكبر امتحان يواجه العالم اليوم احسانه إلى كبار السن .

كتبه : د. ربيع العايدي / مفكر إسلامي. *
متخصص في الفلسفة والشريعة الإسلامية .
المملكة الأردنية الهاشمية .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا