سيناريوهات ما بعد كورونا.. بين الواقع والأمنيات.

إيطاليا تلغراف

 

بقلم.. الدكتور حسن مرهج*

لم تعد الحروب والتجاذبات السياسية الاقليمية والدولية، بوابة يُمكن من خلالها الولوج إلى عمق النظامين الاقليمي والدولي، وبناء فرضيات استراتيجية قد تخطأ أو تُصيب طبقاً للوقائع والمعطيات المستجدة، إذ بات المُعرف الاساسي لجُملة المسارات إقليمياً ودولياً، عتبة كورونا وما بعدها، فالواقع الذي فرضه كوفيد19، لم تستطع الحروب وما تُحدثه من شرخ واصطفافات أن تفرضه. ضمن هذا الاطار من الواضح أن المعادلات لجديدة ستُبنى على أسس كورونا، وما هندسه هذا الفايروس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولا نُبالغ إن قلنا كافة مناحي الحياة.

دأبت في الآونة الأخيرة جُل مراكز الابحاث العالمية، لدراسة تداعيات فايروس كورونا، بعضها ذهب بعيداً في السيناريوهات، والبعض كان منطقياً في طرحه، وهنا لا نجلب مقاربات طرحها مُنظري السياسات الدولية كـ هنري كسنجر أو ديفيد أيك، إذ أن جُلّ طروحاتهم تُجافي الحقيقة، لأنها تنطلق من أهواء شخصية، ولا نريد التعمق فيها، فالمنطق السياسي يفترض مواكبة الوقائع واسقاطها على المُحددات السياسية إقليمياً ودولياً.

مركز أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، عرضت دراسة من أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل العالم مع تفشي وباء كورونا، مُعتبراً أنه ينبغي البحث في الآثار المستقبلية المحتملة للأزمة، لفهم الآثار بعيدة المدى للقرارات التي تتخذ في الحاضر، لتشخيص التهديدات والفرص، وتصميم الواقع المرغوب به. حيث أن أزمة كورونا بدأت في نهاية عقد تميز بمنافسة استراتيجية متعاظمة بين القوى العظمى، وهزة إقليمية متواصلة في الشرق الأوسط، وعولمة شوشت الحدود المادية، وثورة معلومات غيرت أنظمة العالم.

فالمركز خَلُص وفق تحليلاته إلى أربع سيناريوهات :

السيناريو الأول: توقف مؤقت وعودة للميول السابقة، بمعنى أن الولايات المتحدة ستركز في ما تبقى من السنة الحالية على حملة الانتخابات الرئاسية، وسيواصل الرئيس دونالد ترامب اتهام الصين بالمسؤولية عن الأزمة، وقد يتخذ قرارا بإعادة القوات الأمريكية من العراق وسورية وأفغانستان، لتحسين فرصته بالفوز في الانتخابات. في حين ستقدم الصين المعلومات والمساعدات في موضوع كورونا، لـ أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وستحاول زيادة نفوذها في هذه المناطق عبر استثمارات استراتيجية، فيما ستستغل روسيا الفرصة في الشرق الأوسط وساحات أخرى، بينما ستحاول أوروبا التغلب على النتائج الخطيرة للأزمة.

أم في الشرق الأوسط، فقد توقع لمركز أن أزمة كورونا ستفاقم المشاكل الأساسية، وستنجو الأنظمة من الأزمة، مع احتمال أن تستأنف الأزمة مظاهر الاحتجاج الشعبية، وبحيث تسعى كل مراكز القوى في المنطقة إلى الامتناع عن التصعيد، ولكن هذا يمكن أن يستأنف في السنة القادمة في سورية ولبنان وغزة، بسبب الهجمات الإسرائيلية، كما أن إيران ستعود للميول السابقة، التي ميزتها سواء في السياق الإقليمي أو النووي.

السيناريو الثاني: نظام عالمي بقيادة الصين وتغيير في أنماط الحياة، فقد رأى المركز أن الصين ومنذ الآن تخوض حملة تأثير واسعة النطاق، كي تعرض نفسها كمتصدرة عالمية لمكافحة كورونا.

في هذا السيناريو يمكنها أن تستغل الضعف الأميركي لتحقيق موقع قيادة يؤدي، على المدى الزمني الأبعد الى نظام غير ليبرالي يقوم على أساس الدول القومية السيادية القوية والمنفصلة، لكل واحدة منها هوية مميزة. وفي الشرق الأوسط، يحتمل أن يؤدي مثل هذا السيناريو لفوارق واضحة في شكل مواجهة الدول لتفشي الفيروس، فإيران ومصر والأردن والعراق ودول الخليج، ستستخدم أجهزة الأمن لديها وستنجح بمساعدة صينية كبيرة، في تصدي أفضل للوباء.

وفي مناطق الحرب في اليمن وليبيا وسورية، يمكن أن تنشأ أزمة إنسانية واسعة النطاق، وسيكون أسهل على الأسرة الدولية تجاهل خطوات إيران في المجال النووي، وذلك عقب السيطرة التي ستكون للصين وروسيا، وتبني الفكرة المبدئية لنظام غير ليبرالي، حول سيادة الدول والامتناع عن التدخل في شؤونها.

السيناريو الثالث: التفكك وتضعضع النظام القائم وفوضى ومواجهات عنيفة؛ في هذا السيناريو، قد لا يتم التحكم بتفشي كورونا حتى تطوير لقاح بعد عام ونصف إلى عامين. وفي هذه الحالة، فإن الاقتصادات الكبرى في العالم ستكون بعيدة عن المستوى الذي سُجّل عشية الأزمة، ومشكوك أن تصل إليه قبل منتصف العقد. وفي هذه الظروف، فإن كل اللاعبين الدوليين سيخرجون من الأزمة متضررين، وسيتطور النظام العالمي إلى الفوضى، وستفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية، وستصدر داخلها أصوات تشكك بجدوى الإطار الفيدرالي والحاجة له. كما يحتمل حدوث أزمة غذاء عالمية، وموجات عنف على خلفية قومية، ومواجهات عنيفة، حتى في وسط أوروبا، وشل أجهزة التعاون الدولية مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الصحة العالمية. ويمكن لمثل هذا السيناريو، أن يؤدي في الشرق الأوسط الى موجة جديدة من الهزة الإقليمية، وخاصة أزمة إنسانية واسعة، مع انهيار المنظومات السلطوية، ويمكن أن تستأنف الحرب في سورية بأشكال مختلفة، وأن يسيطر حزب الله على لبنان، اضافة لحصول مواجهات عنيفة بين النظام في إيران والجمهور. وقد تنشأ على خلفية هذه الهزة منظمات جهادية مثل “داعش” تسيطر على مناطق واسعة في العراق وسورية وسيناء وليبيا واليمن والسعودية.

السيناريو الرابع: إعادة البناء وجهد دولي بقيادة واشنطن للحفاظ على النظام الليبرالي، في هذا السيناريو، ستتواصل في العالم الإجراءات الوقائية ضد كورونا، حتى نهاية 2020 على الأقل، في ظل تقارير تقول إن الصين تخفي عدد المصابين والموتى الهائل، ما سيؤدي الى استقالة الرئيس الصيني ومقربيه، بالتوازي مع قرار عدة دول بالتحرر من الصين باعتبارها مركزا للإنتاج العالمي. هذا السيناريو، سيبرز أهمية موقع القيادة الأميركية في النظام العالمي، التي كانت تخلت عنه عمليا في عهد ترامب. بالتالي، فإن انتخابات 2020 ستكون فرصة لنشوء قيادة أمريكية جديدة للفكرة الديمقراطية الليبرالية، يمكن أن تعمل إلى جانب زعامات وزعماء آخرين برزوا على خلفية الأزمة الحالية في الدول الغربية. وفي ظل هذا الوضع، ستقدم المساعدة للدول في الشرق الأوسط، وستجرى مفاوضات على اتفاق نووي محسن مع إيران، ويحتمل أن يؤدي ذلك لعقد مؤتمر دولي ومسيرة تسوية، مثل تلك التي قادتها واشنطن في التسعينيات، كما يمكن أن تستأنف مطالبة الأنظمة في الشرق الأوسط وغيره باتخاذ خطوات باتجاه التحول الديمقراطي.

بصرف النظر عن ما سبق، فإن فايروس كورونا سيؤسس لمرحلة جديدة قوامها شيء من كل شيء، إذ لن يتم التركيز على أي جوانب سياسية أو عسكرية أو قتصادية بعينها، بل ستُعاد التحديات السابقة وكذا الهواجس التي كانت سائدة قبل كورونا، لكن بنمط جديد ووفق آليات جديدة، وستعود المنافسة الصينية الأمريكية إلى سابق عهدها، في مجالات الاقتصاد والثورات التكنولوجية، وكذا روسيا وحالة الكباش البارد إقليمياً ودولياً، ولعل النقلة الحقيقة في المنطقة ستتم بُعيد الانتخابات الأمريكية، وما سيتم بعدها. ونعتقد أخيراً أن بعد انتهاء فيروس كورونا ستُعالج المسائل كافة وفق مقتضيات الامر الواقع الذي تُحدده أبجديات المصالح الامريكية في المنطقة، والاستراتيجيات المضادة لها من قبل روسيا وإيران والصين وعموم محور المقاومة.

إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا