الاشاعات التي طالت الدولة السورية ورموزها إنطلاقاً من مواقع روسية، ما حقيقية هذه الإشاعات؟، ولماذا في هذا التوقيت تحديداً؟.
بقلم .. الدكتور حسن مرهج*
في عمق المشهد الحالي بجانبيه السياسي والصحي والبعيد عن الشق العسكري، تكثر دائماً الاشاعات التي تنطلق من غايات وأهداف سياسية، لبِنتها الأولى إحداث شرخ في طبيعة العلاقات التي تجمع الدول، مُستغلين بذلك حالة الهدوء الاجتماعي والحجر جراء تفشي وباء كورونا، وإنشغال الجميع بمتابعة المواقع الاخبارية ومنصات التواصل الإجتماعي.
في الآونة الأخيرة برزت ظاهرة سياسية تُعرف بـ ” أكذب أكذب حتى يصدقك الجميع “، والمفارقة أن هذه الظاهرة انطلقت من روسيا الحليف الاستراتيجي للدولة السورية، فالمواقع الاستراتيجية ذات الصيت الواسع في روسيا، دأبت على بث أخبار ومقالات تستهدف سوريا قيادة وجيشاً وشعباً، وقد تمحورت جُلّ هذه الاخبار والمقالات حول شخصية الرئيس الأسد وحالة السخط الشعبي جراء السياسات الاقتصادية في فترة الحرب ولاحقاً مرحلة كورونا، لتتلقف باقي المواقع الدولية هذه الاخبار، وتقوم بنشرها بطريقة ممجوجة فظة تحت عنوان الانقلاب الروسي ضد سوريا.
بداية ومن منطلق جيواستراتيجي عميق، فإن العلاقة الروسية السورية لم تُبنى على منطق المصالح ودرجة المنافع والمكاسب أو الامتيازات، بل بُنيت وفق معادلات الأخلاق السياسية في التعاطي مع الحلفاء الاستراتيجيين، كما أن روسيا ووفق توجهاتها سواء خلال القرن الماضي أو الحالي، فإنها ترى في سوريا الشريك الأوحد في عموم الشرق الأوسط، إذ لا توجد دولة واحدة في هذا المشرق تربطها علاقات عميقة وقوية مع روسيا سوى الدولة السورية، وفي جانب أخر، فإن نظرية المياه الدافئة المحددة للاستراتيجية الروسية تنطلق من مياه المتوسط وتحديداً السواحل السورية. من هنا وبالمنطق السياسي فإن روسيا هي من تحتاج سوريا وليس العكس، وفي هذا الاطار قد يثور البعض ويتهمنا بالابتعاد عن الصواب، والتحدث وفق غايات شخصية، لكن المنطق والمتابع للتطورات يُدرك تماما صوابية كلامنا وتحليلنا، كما يُدرك بأن روسيا انطلاقتها للعالمية حتى باتت قطباً موازٍ للولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً، كانت من البوابة السورية، وبصرف النظر عن التدخل الروسي في الحرب السوري وقلب الموازين العسكرية، إلا أن الدولة السورية ساهمت في عودة الدب الروسي إلى قلب الشرق الأوسط، والقضاء على القطب الأمريكي.
عطفاً على ما سبق، الكرملين يُعلن موقفه من نشر مزاعم كاذبة عن سورية بعد اختراق متطرفين أتراك موقعاً روسياً، فقد أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميترى بيسكوف أن موقف الكرملين “سلبي” تجاه المعلومات الكاذبة التي تم نشرها حول سورية ومواضيع أخرى بعد تعرض موقع وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية مرتين لهجمات إلكترونية من متطرفين تابعين للنظام التركي.
ورداً على سؤال عن موقف الكرملين تجاه نشر مزاعم كاذبة عن الوضع في سورية على صفحات جريدة (نوفايا غازيتا) قال بيسكوف للصحفيين في موسكو: “عموماً نعتبر ذلك وبشكل خاص في هذه الأوقات ممارسة سلبية سيئة وبالطبع عندما يدور الحديث عن نشر أنباء كاذبة فعلياً لا يساعد بأي شكل من الأشكال على رفع سمعتها بل على العكس يدني سمعتها ويحط من مكانتها”.
في الأثناء أعلن موقع وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية تعرضه مجدداً لهجوم قرصنة إلكتروني من قبل “مجرمين” تابعين للنظام التركي حاولوا مرة أخرى نشر مقالات تتعارض مع السياسة التحريرية للوكالة حول مواضيع ذات صلة بسورية وذلك بعد وصولهم إلى الموقع وتمكنهم من اختراقه في الـ 13 من الشهر الجاري ونشر معلومات ومقالات ضد الحكومة السورية تهدف إلى تشويه سمعة العلاقات الروسية السورية قبل أن يتم حذف المقالات من قبل قسم تكنولوجيا المعلومات في مكتب التحرير.
التكذيب الروسي لم ولن ينطلق من منطق العواطف، بل انطلق من حقائق موضوعية عميقة، تتمحور حول عمق العلاقة مع دمشق، وارتباطاتها الاستراتيجية، وبالتالي مرة أخرى يفشل المراهنون على إحداث خرق أو شرخ في بنية المعادلة السورية الروسية.
في المحصلة، سوريا كانت ولا زالت صاحبة التأثير الأقوى والأكثر تفاعلاً مع مجريات الشرق الأوسط، والدولة السورية بعد كل المُنجزات التي حُققت سياسياً وعسكرياً باتت قطب الشرق الأوسط، وكل المسارات الاقليمية والدولية تمر من دمشق، شاء من شاء وأبى من أبى.
إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط*





