بقلم.. الدكتور حسن مرهج*
تناولنا في الجزء الأول من هذا البحث، أهمية الحياة السياسية في سوريا، وضرورة السير قُدماً في العملية الانتخابية، التي تُشكل في ماهيتها عناوين عريضة لمستقبل سوريا السياسي، فضلاً عن اهمية تعزيز حرية الرأي والتعبير بما يتوافق ومتطلبات المرحلة القادمة، لكن ضمن سقف الدولة السورية ومؤسساتها، وبما يؤمن قاعدة سياسية ووعي مجتمعي، لمواجهة جزئيات الحرب القادمة على سوريا، والتي لن تخرج من إطار محاولات العبث في المجالين السياسي والإعلامي.
في الجزء الثاني، سيتم التركيز على آفاق التغيير التي يطلبها السوريين، وضرورة إحداث فواعل من قبل الدولة السورية، يكون من شأنها تأطير العملية الانتخابية القادمة بأطر الوطنية ومتطلبات التغير الحقيقي. في هذا الإطار هناك سؤال يتكرر بكثرة لدى غالبية السوريين، يتمحور حول الفائدة من عملية الانتخاب ونصف المقاعد النيابية مقرر سلفاً، ضمن ذلك من الواضح أن هذا السؤال مشروع إذا ما وضع في إطاره الوطني السوري، لكن عندما تأتي تساؤلات من الخارج ويتم الترويج لها في الداخل السوري، حينها تكون هذه التساؤلات غير مشروعة ويُراد بها تشويه المشهد السوري.
الانتخابات التشريعية القادمة في سوريا تحمل أهمية استثنائية وفق معطيين:
الأول- نعود قليلاً إلى الوراء وتحديداً إلى مرحلة تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم في سوريا، وما حمله خطاب القسم من وعود بانفتاح سياسي، حُقق أغلبها، وما تبقى من خطة إصلاحية يقودها الاسد تعثرت جراء الحرب التي شُنت على سوريا، ويُلاحظ غالبية السوريين وعلى مختلف توجهاتهم، أن الحياة السياسية في سوريا لم تؤطر خلال سنوات الحرب، بل على العكس أُقرت الكثير من القوانين وسُنت المراسيم لتأمين سقفاً غير محدود، لممارسة العمل السياسي، فمثلا قانون الاحزاب في سوريا، كان نقلة نوعية ومؤثرة في تفاصيل العمل السياسي في سوريا، إذ لم يعد حزب البعث العربي الاشتراكي وحده في العمل السياسي، بل برزت إلى الساحة العديد من الأحزاب الوطنية وحملت معها مشاريع وطنية، ما يعني تشكيل ساحة للتنافس على استحواذ اكبر كتلة برلمانية وفق قوة القاعدة الشعبية.
من هنا، يُمكننا القول أن الانتخابات التشريعية القادمة، لن تكون وفق صورة روتينية عادية، بل ستحمل في مسارها انعطافات سياسية هامة، تُثمر نتائج مؤثرة في البنية السياسية السورية، وبصرف النظر عن أي تطورات اقليمية مفاجئة، أو محاولات تعطيل سير هذه العملية الانتخابية القادمة، إلا أن مسار الاصلاح والانفتاح الديمقراطي الذي بدأه الاسد، ماضٍ دونما تأخير.
وبالتالي، هناك اشارات واضحة الدلالة اسست لصيرورة جديدة في تفاصيل العمل السياسي في سوريا؛ هي اشارات يحدوها امل بانفتاح سياسي يحترم الرأي الأخر وفق ما يريده الأسد، الذي طالما نوه وأكد على ضرورة رفع الصوت عالياً في متطلبات العملية السياسية في سوريا، مع الاعتراف بحق كافة التيارات الفكرية والسياسية على اختلاف منابتها ومشاربها، في الوجود والمساهمة في بناء هذا الوطن. وهذا جوهر الانتخابات التشريعية القادمة.
الثاني- صحيح أن الانتخابات القادمة تتم والمشهد السياسي العربي الراهن يحتقن باحتمالات مأساوية على الصعيدين الفلسطيني والعراقي تُهدد نتائجها حاضر المنطقة ومستقبلها. لكن الصحيح أيضاً أن تغييراً نوعياً طرأ على المناخ السياسي السوري، لجهة تقدم خطوات الإصلاح الديمقراطي، بما يعيد النظر بطابع ودور المؤسسات التشريعية والسياسية. وبالتالي نلمس جديداً على مجرى الانتخابات القادمة أو على جوهر النتائج المحتملة، من المؤكد أنها تتميز عن سابقاتها، الأمر الذي أكده بوضوح “منقطع النظير” الرئيس السوري بشار الأسد حين وصف سير العملية الانتخابية بهندسة جديدة لسوريا القوية.
مما سبق نستشف في ضوء هذه الرؤية السياسية، واستناداً إلى مقولات الفكر العتيق لأغلب الأحزاب السورية، أن واقع المؤسسة التشريعية في سوريا هو مسألة سياسية، وأن دورها كمؤسسة تشريعية تُعنى بمفاصل الحياة السورية، وسيكون دور هذه المؤسسة مُنظماً لسورية وسياساتها القادمة، سواء على صعيد الداخل أو الخارج، كما أن مجلس الشعب القادم وتحديداً في هذا التوقيت، سيكون له دور لخدمة سياسة الشعب ومتطلباته، وتعزيز استقرار سوريا وسيادتها، بعيداً عن الشعارات البراقة التي يحاول البعض الاستثمار فيها خدمة لأعداء سوريا.
في الجزء الثالث والأخير، سنتحدث صراحة عن مصلحة الشعب السوري من الانتخابات التشريعية القادمة، وضرورة تفعيل مسارها بما يتناسب والمرحلة القادمة، والتي سيكون عنوانها الواضح والصريح مكافحة الفساد.
إعلامي كاتب صحفي خبير في شؤون الشرق الأوسط*





