بقلم الشيخ الدكتور بدري المداني
الظرفية العالمية تشهد التغيرات السريعة المتعاقبة والمستوجبة للمواكبة بعين تحليلية جديدة والنسق الإنساني يعيش الصراعات في كلّ مناحي الحياة ويتطلّب فهما حديثا وتبقى الضرورة ملزمة لتحقيق أسباب التعايش وخاصة في الجانب الفكري الديني الذي به يتحقق استقرار الدول ودفع مسار التنمية العالمي وبه تقاوم كلّ مظاهر التعصّب والتطرّف والإرهاب،وخاصة في مرحلة ما بعد الكورونا وهي مرحلة دقيقة تعتمل بداخلها عديد القلاقل وأوضاع مخاضية ولاّدة للمبادرات وكان لها قصب السبق في مراحل تاريخية ماضية ولا مانع اليوم من أن تجدها حبلى بأجنّة تحمل مشروعا عالميا ديدنه تجميع مختلف الديانات حول القضايا المشتركة لعلّ أبرزها الجوائح والإرهاب بكلّ خسائره ومخاطره وغير ذلك من القضايا ويمكن أن نقدّم هذه العناوين الكبرى بتفريعاتها التي تتحد في اليقين بأنّ الرسالات السماوية جميعها براء من مختلف مظاهر التناحر والتطرّف والإرهاب وأنّها تدعو إلى التعايش :
العنوان الأوّل : تذكير بالمبادئ الكونية التي جاءت بها مختلف الديانات السماوية والتي كرّستها الدساتير والقوانين الداعيّة ل :
1- تحقيق وصون الكرامة الإنسانية التي أقرتها جميع الديانات السماوية وأكدت عليها المواثيق الدولية.
2- توطيد وضمان حرية الاعتقاد والضمير للفرد والمجموعة في إطار روح الدستور ومبادئه.
3- ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع الديني والثقافي والحضاري.
4- تفعيل مبادئ العيش المشترك من خلال المناهج التربوية والخطاب الديني والإعلامي والنأي به عن كل توظيف.
5- تأصيل قاعدة التعارف بين جميع الناس بمختلف أديانهم وثقافاتهم.
العنوان الثاني : تثبيت القيم المشتركة تعزيزا للوحدة الوطنية :
1- تعريف بالرسالات السماوية كداعية إلى الحب والسلام لا إلى تغذية الخلافات والصراعات.
2- تقنين التشريعات وتفعيل النصوص القانونيّة الجاري بها العمل ضد العنف والتعصّب والكراهية.
3- تكوين المجالس العليا للأديان في كلّ قطر .
4- توظيف التقنيات الحديثة من وسائل التواصل الاجتماعي والاستفادة من المعلومة لخدمة العيش المشترك تحت سقف التسامح والسلام.
والعنوان الثالث : تثمين التعايش بين الأديان في العالم والاتحاد من أجل دفع مسار التنمية :
1- توفير مناخات عمل مشتركة وطنية ودولية للتصدي لظاهرة التطرف والإرهاب.
2- تقوية التعايش الديني ليكون سندا للتنمية والاستثمار ودعما للسياحة الدينية والثقافية.
3- تشييد جسور التعايش على المشترك الثقافي والاجتماعي والحضاري لتجاوز الخلافات العارضة دفعا للتنمية.
4- تشريك الأقليات الدينية في صياغة الرؤى الاقتصادية والثقافية في الوطن الواحد.
وقد يتحامل البعض ممن لا يستشعرون أهميّة التعايش و ضرورة اتساع رقعة التعامل الانساني وتقبّل الآخر – ما احترم القيم الإنسانية – وممن سجنوا داخل أفكار دينية متصلّبة على هذا النداء باعتباره قد يوحي لهم بقضية “التطبيع مع العدو الصهيوني” ..وهو لعمري تحامل في غير محلّه فما ندعو له دائما هو الحوار والتعايش بين الأديان لا غير في أبعادها الإنسانية وتظلّ ممارسات الكيان الصهيوني مرفوضة ومستهجنة وتظلّ القضية الفلسطينية قضية أمّ لا محيد عنها
ولا بد من التنديد والمقاومة و فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني .
وحتّى لا تبقى هذه الدعوات تنظيرا طوباويا نحتاج لتواصل الحوار تجتمع فيه روح القواسم المشتركة في الديانات الثلاثة تنضبط وفقها العلاقات المجتمعية ويتحقق التطبيق الفعلي والعملي بصورة واضحة لبنود هذا التعايش ويكون هذا التشاور فضاء يتّسع للجميع وجسرا يضمن الفهم الأفضل والمتبادل لتسهيل الحوار بين الأديان وبين الثقافات رغبة في تحسين التعاون وإحترام التعددية والعدل والسلام وإعادة تأكيد الأهداف والمبادئ الواردة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، خاصة الحق فى حرية الفكر والمعتقد والدين تعزيزا للمشترك الإنساني والحد من التصورات الخاطئة بين أتباع الأديان .
مع اشتراط أن يكون هذا الحوار مستقلا بعيدا عن أي تأثير سياسي أو إقتصادي وأن يتكوّن من شخصيات تمثل الديانات الكبرى ويضمّ أعضاء من مؤسسات دينية وثقافية وإعلامية وعلمية ومنظمات لها صلة بمضامين هذا المشروع الرائد .
ومن اليقينيات أن هذا الحوار سيكون الضامن لتفعيل الحوار بين الأديان وسيبني أواصر التفاهم والتعايش السلمي بين الشعوب إيقافا لنزيف الصراعات والتطاحن وتصدّيا لموجات الإرهاب العاتية ، وهي مسألة ملحّة بالنسبة للإنسانية اليوم كما في المستقبل. في مرحلة ما بعد الكورونا .





