بقلم: الدكتور سعيد بن الشيخ
تطرقت في الجزء الثاني من هذا الموضوع إلى كون الكنفيدرالية الإسلامية الإيطالية واتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا، كان لهما دور كبير في مساعدة المراكز الإسلامية على النشأة، نتج ذلك عن العلاقة التي تربط الكنفيدرالية بالمملكة المغربية، والاتحاد لقطر الخيرية.
غير أن مصادر التمويل لم تشملهما فقط، فقد كان لرواد المراكز كمصلين جانب بالغ من الأهمية، فكلما كانت هناك مناسبة إلا واستغلت لجمع التبرعات قصد تأدية أقساط الكراء، أو إتمام مشروع الشراء (مثل شهر رمضان، الجمعة والعيدين). لم يستثن منه حتى النساء اللواتي قدمن حليهن لأجل ذلك منافسين بذلك الرجال.
يشهد الجميع بأن المغاربة بالمهجر كان لهم دائما السبق في التنافس حول تقديم المساعدات المالية والعينية لشراء المراكز الإسلامية أو تأمين أقساط كرائها، دون أن ننفي مساهمات باقي الجاليات المسلمة طبعا. غير ان بعض المراكز إن لم نقل جلها تعاني من اختلالات في التسيير، وبحكم ان العمل بأي مجلس إداري لأي مركز يعتبر تطوعيا مجانيا إلا في حالات نادرة، فهو لا يشترط أي مستوى تقافي ولا أي خبرة في مجال التسيير ولا أي شيء، وهذا يعرقل إلى حد كبير الاشعاع الثقافي الذي يمكن لأي مركز ثقافي إسلامي ان يقوم به لأجل الدعوة إلى الله والمحافظة على الهوية الثقافية للبلد الأم للجالية المسلمة في المهجر.
زد على ذلك ان إعداد التقارير الإدارية والمالية يحتاج إلى مجهودات جمة والحالة هذه، ولو افترضنا جدلا ان المعنيون بالأمر وضعوا منهجا للرقابة والفحص والتدقيق على هذه المراكز لكان أحسن وكانت النتيجة أفضل.
تشتغل معظم المراكز في ظل هذه الظروف بدون برامج على المستويات القريب، المتوسط والبعيد، كل ما هنالك عشوائية تحتاج إلى تطوير، أضف إلى ذلك احتكار البعض للتسيير لسنين أو مدى الدهر، وبدل أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية في الترشح للانتخابات لتسيير هذه المراكز وخاصة قبل الانتخابات، فإن البعض ينقصه فقط أن يقول للمصلين كما قال فرعون لشعبه مضللا إياهم (أنا ربكم الأعلى) مما يزيد من تكريس الأزمة والاحتكار والهيمنة والتهميش للبعض.
وإلى حدود كتابة هذه السطور نلاحظ أن مسألة تسوية الصفوف والنظام التي تشهده الصلاة داخل المساجد والمراكز – على الأقل تلك التي زرتها في حياتي – لم تنعكس كسلوك خارجي لتنظيم أحذية وسيارات المصلين التي تعرقل المداخل والطرقات إلا ما رحم ربي، كما أن الأقوال والأفعال تعكس صورة أخرى عما يعانيه المسلمون من انفصال.
وبالرغم من كل ذلك، فقد كان لوباء جائحة كورونا دور كبير في توضيح وتبيان الصورة الخيرية للمسلمين بهذا البلد الرائع المضياف إيطاليا، فقد ساهمت مجموعة من المراكز في تقديم المساعدات المالية والعينية للسلطات الإيطالية، كما أن هذه الأخيرة أبدت ليونة غير مسبوقة بإعطاء أماكن في مناطق شتى للمسلمين خاصة بدفن الجثامين.
ساهم هذا الأمر بطبيعة الحال في تخفيف المعاناة التي كان من الممكن أن تحصل لولا أن السلطات الإيطالية لم تسمح بدفن الجثامين في مقابرها أو لم تعط للمسلمين أماكن خاصة بهم.
إن دولة إيطاليا في حقيقة الأمر بفعل سياستها المرنة وقوانينها وكذا سياسييها لهم الفضل الكبير في المساهمة بوجود هذا النوع الرائع من التعاون بينها وبين الجالية المسلمة، يبقى على المسلمين الجلوس على طاولة المفاوضات لتوحيد الصف ونبذ الخلاف الذي يحصل بين الفينة والأخرى خاصة في تحديد دخول شهر رمضان او عيد الفطر أو الجلوس مع السلطات الإيطالية للحوار فيما يفيد الجالية المسلمة.
فإلى متى يبقى البعض محتكرا تسيير المراكز أمام أعين الجمع العام الذي يعتبر الهيئة العليا في السلم الإداري فيها، والذي له الحق في تغيير أي قانون أساسي كيفما كان؟ ومتى نغير سلوكنا خارج المراكز والمساجد وتنعكس صلاتنا أفعالا تمشي على الأرض؟ ومتى يكون لهذه المراكز خططا وبرامجا ومشاريعا تساهم في إيجاد بدائل لتمويل نفقاتها بعيدا عن جيوب المصلين؟ متى نحب للآخرين ما نحب لأنفسنا؟ متى نتقن أعمالنا؟ متى وإلى متى نصبح إخوانا متحابين في الله فعلا كمسلمين بدل الحقد والحسد والانتقام الذي ينخر قلوب البعض؟
ليس ذلك على الله ببعيد، وفي انتظار ان يتحقق الحلم السلام عليكم.





