مظاهرات أمريكا وسؤال الديمقراطية.

إيطاليا تلغراف

 

 

ذ. سعيد الغماز*

موت مواطن أمريكي يتسبب في موجة عارمة من الاحتجاجات شملت معظم الولايات الأمريكية. تحدثت جل الكتابات والتحاليل عن هذا الحدث من زاوية كيفية اشتغال الشرطة الأمريكية ولون بشرة الضحية وأصوله الإفريقية وقوة التظاهرات وما صاحبها من غضب شديد وعنف وأعمال النهب والتخريب. لكن هذا الحدث أبرز لنا أمورا كنا نعتقد أنها لا يمكن أن تقع في نظام ديمقراطي راكم رصيدا كبيرا في حرية التعبير والحريات الفردية وحقوق الانسان وغيرها من المبادئ التي التصقت تاريخيا بالمنظومة الديمقراطية. واقع يجعلنا نطرح أكثر من سؤال عن الديمقراطية ودورها في بناء المجتمع الحداثي القائم على أسس العدل والمساواة.

يقول المفكر المغربي محمد طلابي “الديمقراطية هي أعظم ما أنتجته الحضارة الغربية”، لكن المطالب التي ترفعها مظاهرات أمريكا من قبيل الحق في الحياة والمساواة والعدالة، في بلد كان إلى وقت قريب عنوانا للديمقراطية ومبادئها السامية من عدل ومساواة وحرية، تجعلنا نقف على أعطاب هذه الديمقراطية التي ليست من المثالية التي كنا نراها فيها.

بعد سقوط جدار برلين وتراجع الفكرة الاشتراكية، برزت وتعاظمت الفكرة الليبرالية وعمادها الأساسي النظام الديمقراطي، واحتلت موقعا متقدما في الفكر الإنساني. الديمقراطية السياسية والليبرالية الاقتصادية هي المقومات الأساسية التي تقوم عليها القوة العظمى عالميا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الواقع جعل الفيلسوف السياسي الأمريكي الياباني الأصل فوكوياما يُبدع في نظريته “نهاية التاريخ” ويعتبر أن مراحل التحول والانتقال التي عرفها تاريخ المجتمعات وأنماط الإنتاج والأنظمة الإنتاجية ستتوقف بعد سقوط جدار برلين عند النموذج الليبرالي والنظام الديمقراطي وفق ما هو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك تتوقف حركة التاريخ ويتوقف معها الانتاج البشري الذي لن يستطيع إبداع ما هو أسمى من الديمقراطية والليبرالية. لكن أحداث 11 شتنبر 2001 وما أفرزته من هشاشة في الاختيارات وتقلص هيبة الدولة الأمريكية على الصعيد العالمي، جعلت فوكوياما يعود لنقد أطروحته حول نهاية العالم بإصدار كتاب جديد “ما بعد نهاية الانسان”. وسيرا على منهجية فوكوياما، يحق لنا أن نقف على أعطاب النظام الديمقراطي الأمريكي ونُميز كما فعل هذا الأخير بين النظام الديمقراطي كخيار مثالي وبين الممارسة الديمقراطية التي قد تشوبها الأعطاب والنواقص.

الممارسة الديمقراطية في أمريكا ترتكز على أعطاب كبيرة نتيجة القوة المتعاظمة لسلطة المال التي كان من نتائجها الأساسية القدرة على التحكم في إعلام أصبح قادرا على صناعة الرأي العام. هذه القدرة على التحكم في الرأي العام فتحت المجال واسعا للوبيات السوق الليبرالي في التحكم في هذا الرأي العام وترجيح كفة مرشح على مرشح آخر وفق حسابات الربح والخسارة وليس الاختيار الحر للكتلة الناخبة. هذا الواقع جعل المنظومة الديمقراطية التي جاءت بمبادئ الحرية وحقوق الانسان تعاني هي بذاتها من فقدانها لحريتها وحقوقها أمام سلطة المال واللوبيات.

إنها المفارقة التي تفرض التمييز، كما ذهب إلى ذلك فوكوياما، بين الديمقراطية كأفكار ومبادئ والممارسة الديمقراطية التي تختلف من بلد لبلد. بهذا التمييز نستطيع أن نفهم المظاهرات المطالبة بالعدالة والحرية والمساوات والحقوق ونبذ العنصرية في نظام أمريكي كنا نجعله إلى وقت قريب الأب الروحي للديمقراطية في العالم. وإذا استحضرنا نظرية فوكوياما حول المبدأين التوأم “الحرية والمساواة” الذين يعتبرهما الفيلسوف السياسي أساس الديمقراطية الحديثة، فإننا سنكون أمام معضلة فارقة بين الديمقراطية/التصور وبين الديمقراطية/الممارسة. لقد أصبحنا في حاجة ماسة لإعادة التوازن بين سلطة القانون من جهة وسلط المال واللوبيات والإعلام من جهة أخرى، من أجل ممارسة ديمقراطية تتمثل القيم والمبادئ التي أتت بها المنظومة الديمقراطية.

في الأخير نقول إذا كان العالم يشهد صراعا بين قوتين عظيمتين هما أمريكا والصين، فإن هذا الصراع يقابله في السياسة مفهومان يتجليان في “ديمقراطية سلطة المال” تمثله أمريكا و”دولة الحق والقانون قبل الديمقراطية” تمثله الصين. واقع قد يجعل نظرية فوكوياما تتحول من نهاية التاريخ إلى نهاية الديمقراطية في حال ظل النظام العالمي مقسم بين أمريكا والصين.

باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا