الفكر الصِّفْري

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* ذ.أحمد براو

 

 

إذا أردنا ان نشرح معنى الفكر الصِّفري فهو ببساطة “أربحُ ويخسر غيري” و”أعيش ويموت الآخرون” هذا هو الفكر المقيت المضلل الذي ساد في العصور الظلامية يعتمد على الأنانية والحسد والتسلط وضيق الفكر والتوجس من المخالف باعتباره خصم وجودي إستحلالي.

التفكير الصفري ليس مضللا فحسب، بل له تأثير جد سلبي على كل إنسان مؤمن به وعلى المجتمع ككل، فقد اكتشف علماء النفس أن هذا النوع من التفكير هو مصدر رئيسي للحسد فالفقير يحسد الغني والجاهل يحسد المتعلم والفاشل يحسد المتفوق، وأي شخص يعتقد ان الطريقة الوحيدة ليصبح غنيا أو متعلما أو متفوقا هي أن تكون على حساب غيره هو حسدهم وتمنى زوال هذه النعم عنهم بحيث يبلغ تحقيقها هو مكانهم.

يظهر جليا هذا الفكر عند التطرق لموضوع الأغنياء والفقراء بحيث تتجه أغلب النظريات وللأسف حتى عند بعض المثقفين أن الأغنياء هم سبب تفشي الفقر وأن السبيل الأوحد للخروج من دائرة العوز والحرمان هو القضاء على الأثرياء وأهل البذخ الذين يلتهمون حقوقهم ويتنعمون بأرزاقهم، فينشأ هذا الشعور شدة الحنق والكراهية ممكن أن يصل إلى تمنى إيذائهم من أجل زوال النعمة عنهم وأخذها مكانهم، بالمقابل نجد الأغنياء ينزعجون من مجرد رؤية هؤلاء البؤساء المحتاجين الذين ينغّصون عنهم عيشهم ويتمنوا زوالهم وعدم رؤيتهم أبدا لأنهم يعتبرون التهديد الوحيد لنقصان وخسارة أموالهم وأملاكهم.

وعلى قاعدة هذه العقلية الصِّفرية تأسست النظرية الإشتراكية التي جلبت الكثير من المعاناة للبشرية على مدار العقود الماضية وانتقلت إلى صراع إديولوجي بين الأمم ضد من انحاز إلى الفكر الرأسمالي الليبرالي، للأسف تحكمت هاتين العقليتين على معظم الحركات والإتجاهات والأحزاب والإديولوجيات وتركت تأثيرا عميقا وسطحيا في آن واحد، وظلت آثارها السلبية حتى بعد انهيار المنظومة الإشتراكية، وصِفرية التفكير سادت بقوة في الحرب الباردة عندما كان “ماهو جيد لروسيا ومن يدور في فلكها سيئا لأمريكا ومن يدور فلكها والعكس بالعكس”. وباتت مقولة أنت لست معي إذن فأنت ضدي، ومقولة “إما أكون كما أريد أو عساي ألا أكون”، أفكار سائدة في العقود الأخيرة قي اصطفاف غير مسبوق بين الخصوم.
فيما الأمور تحتاج إلى الحل الوسط، بين ما نريده وما يريده منا الآخرين، لأن معادلة الربح والخسارة مختلة ولا مجال لمعادلة “رابح-رابح” وسيرجح بهما ميزان الخسران للجميع “خاسر-خاسر”، وبسبب الفكر الصِّفري ستفقد الكثير من الأشياء والعلاقات، لأنه لا يمكن أن تجد كل ما يعجبك وطبيعة الحياة؛ أنها مليئة بالأشياء الي لا تعجب، وبالتالي فمجابهتها بالفكر الصّفري يؤدي إلى التصادم والعداوة المقيتة والعنف، لأن المعتقدات والأفكار الصِفرية كحاجز نفسي، تعمل على نفي النوازع الأخلاقية من العقول وتجعل أهلها يشعرون بأنفسهم منجذبين لحياة الجريمة، بحيث تمتلئ السجون في جميع أنحاء العالم بالأشخاص الذين ظنوا أنهم بإمكانهم تحقيق أهدافهم فقط على حساب الآخرين وأقرب مثال على ذلك هو مثال السرقة: فاللص الذي يعبّر بفعلته هذه على مدى إيمانه بالنظرية الصفرية، الإعتقاد أن عملية النهب فقط هي التي تتيح له أن يربح بينما يخسر الآخر. وكذلك هناك مثل في مجال التنافس الرياضي ككرة المضرب أو التنس التي لا مجال فيها للتكافؤ فلابد من وجود شوط كسر التعادل أو ما يسمي “بالتاي بريك”.

وهذا الصراع الصفري في العالم العربي بلغ أوجه بداية العشرية الماضية والضبط سنة 2011 عندما قامت الشعوب العربية للمطالبة بحياة كريمة بدون قمع واستبداد وفساد الأنظمة القائمة، فتعاملت معها بمنهج تصفيري إما نحن أو الفوضى، خصوصا في ليبيا وفي سوريا “إما الأسد أو نهدّ البلد” وفي مصر “إحنا شعب وإنتو شعب” فيما استغلت الدولة العميقة وحلفائها من المنتفعين في الداخل والخارج من ثغرات الثوار بحيث سادت بينهم كذلك أفكار وشعارات صفرية من قبيل”الشعب يريد إسقاط النظام” هنا استردت القوى المضادة للثورات قواها واستغلت هذه الخطيئة من الجماهير التي عبرت بعقلية صفرية عن عزمها اجتثات مخلفات النظام القمعي المستبدة وإبادته عن بكرة أبيه، واستبقت الأنظمة المتغولة في الحكم هذه الأخطار الناتجة عن شعارات الثوار، التي كادت أن تجرها للمحاكمات وغياهب السجون وضياع مصالحها، بحيث عملت على وأد كل الثورات وإخمادها بل وإبادة كل ما يهدد وجود الدولة العميقة وصيرورتها وبقائها.

وما شاهدناه من عمليات القتل والخطف والترويع والتدمير والتهجير إلا نموذج لهذا الفكر الصفري، وعادة أهل هذه الثقافة أنهم لا يتركون أبوابا مفتوحة للآخرين حتى يفكروا في المخرج من الأزمات ولا يعطون الفرصة لمن يحاول أن يجد الحلول الوسط بل يعملون على استخدام كل الوسائل حتى لا تكون هناك احتمالات لوجود معارضين أصلا، على أن يحاوروهم أو يعارضوهم. وأصبحت السجون هي المكان الذي يحوي كل من يعبر عن رأيه و القمع هو مصير كل من خرج للميادين للمجاهرة بالتعبير و للمطالبة بالتغيير.

فمتى يدرك أهل هذه الثقافة أن هذه الحياة لم تخلق ليعيش فيها الإنسان في صراع واقتتال صفري دائم وأزلي، ومتى يعرفون أن هناك فرق بين مبدأ التنافس والتدافع الشريف في سبيل الأفكار والدفاع عنها وعن الحقوق والمقدرات المستحقة لجميع الشعوب، وليس التناحر والتطهير والإبادة التي تجعل من عدمية الآخر سبب لوجودهم وبقائهم.

أما السبيل لمجابهة هذه الثقافة الصفرية على المستوى الفردي فهو استتباب الخير الكامن في التعاليم التي توجه الإنسان لقبول التعايش والإختلاف والرضا بالقضاء والقدر، وفي الحديث الشريف بلسما لمن ينتابه هذا الشعور الصفري الذي ينشئ صفات ذميمة كالسخط والحقد والحسد، قال عليه الصلاة والسلام : “انظروا إلى من هو أسفل منكم، لا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم.” هذا وأن الحاسد هو أول المتضررين بلفح نار حسده وأنها تأكل مذكيها ومشعلها، وأحسن ماقيل في ذلك: “ما أعدل الحسد بدأ بصاحبه فقتله”.

*باحث مغربي في علوم التربية والثقافة َالمجتمع بجامعة كالابريا جنوب إيطاليا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا