أوصاف شخص في غير محلها؛ كالهِرِّ يُحَاكِي انتفاخًا صَوْلة الثعلب!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

في العام 2005؛ حضرت حفل تكريمي؛ هو في الحقيقة؛ -حفل تأبيني- لأحدهم الذي أحيل على التقاعد؛ حيث يكثر الوصف والتملق والمدح وتقديم الهدايا التي يتم اختيارها بدقة متناهية تليق بمستوى وبمقام المحتفى به؛ مثل تقديم لوحة لشيخ ابيضت لحيته ويحمل قرآناً وسبحة؛ في إشارة إليه لكي يتوب ويتقرب إلى الله ليغفر له ذنوبه ويتجاوز عن رصيد خطاياه التي راكمها خلال مشواره العملي؛ وذلك في إطار المجاملات بطبيعة الحال؛ حيث قيل فيه ما لم يقله قيس في ليلاه الفائقة الجمال!
والحقيقة أنه لو كانت هناك الشجاعة وتحلى بعض الحضور بالجرأة؛ لقيل في حقه ما لم يقله مالك في الرُّوجْ أو ماحْية! في إطار مبدأ؛ اذكروا الفاجر بما فيه؛ لكي يحذره الناس.
ولازلت أتذكر جملة من ضمن ما جاء في حقه من مدح، حيث قيل: “أن فلان قد راكم تجارب كبيرة وكثيرة خلال مشواره في العمل!”

في العام 2020؛ أي بعد مرور حوالي 15 سنة؛ التقيته من باب الصدفة؛ وقد أطلق لحيته متخفيًا وراءها يرتدي نظارات سوداء اللون ومعطف (تشي كي ڤارا) وكان هو من بادر لتحيتي والسلام علي، فبادلته التحية والسلام؛ ودردشة لم تكن طويلة؛ ومن ضمن ما سألته عنه من أمور حاله وأحواله؛ وعن سبق إصرار؛ مستحضرًا ما وصفوه به من تراكم تجاربي وعملي؛ حينما قلت له: هل كتبت مذكرات حول مسار مشوارك العملي ليستفيد الناس مما راكمته من تجارب!؟
لم يخيب أملي أو ظني فيه؛ ولم أتفاجأ من جوابه؛ لأنني كنت أعرف مستواه وما كان يتميز به من كفاءة! وبالتالي فاقد الشيء؛ لن ولا يعطيه أبدًا..

فقد كان باختصار وإجمالًا احدى النسخ الرديئة التي عرفتها الإدارة!
أجابني بخبث ومكر الحاقد على الأوضاع وكأنه يمني النفس للاستمرار في العمل: يا ريت! متذرعاً بترسانة من الأسباب والعوامل والظروف التي حالت ومنعته دون ذلك؛ في الشطر الثالث مما تبقى من حياته؛ طالقاً العنان لمخيلته بشتى الانتقادات للتدبير الإداري بعد مغادرته؛ تبخيساً وتشكيكًا وتحقيرًا لمن جاؤوا بعده؛ مختزلًا كل مجهودات الأفراد والمؤسسات؛ التي أنجزت بعده بكونه هو من خطط لها ورسمها بنفسه؛ كالشخص المخلص؛ حيث كان “وحده مضوي لبلاد” وكيف أصبح حال الإدارة المزري؛ على حد وصفه ووو… كيف كانت الأمور على عهده وعصره الذهبي..!
وأضاف أنه مرة مرة يقدم خدمات لبعض المسؤولين واستشارات حول بعض الأشخاص كان يكرههم؛ كوشايات كيدية وكاذبة؛ لأنه لا يريد سوى الخير للبلاد والعباد على حد مكره وحقده؛ في الثلث الخاوي والخالي مما تبقى من عمره!
هذا الوضع يحيل إلى صراع الأجيال وموقع الإطار الشاب داخل الإدارة العمومية؛ كتشخيص آخر لأعطاب الإدارة المغربية حيث لا يمكن إنكار ثقل التاريخ على العقليات الإدارية في المغرب.

فقد خرج الاستعمار من المغرب وترك فراغًا إداريًا كبيرًا من جراء ذهاب المؤطر الإداري الأجنبي، تم سده بأي شكل من الأشكال. فبدأ قطار التنمية متعثرا، يتحرك تارة ويتوقف تارة أخرى. وذلك لكون الأطر التي تولت الإدارة والإشراف على الأمور لم تكن مؤهلة تاريخيا للقيادة والدفع بهذا القطار، حيث تم ملأ المناصب الفارغة بالأشخاص كيفما كان المستوى والشهادة المحصل عليها.

بعد عقود متتالية عرفت الأمور تطورات مهمة، فاستطاع العديد من الأفراد ولوج الجامعات والحصول على مستويات عليا في التحصيل والدراسة. وبالتالي ولوج الإدارة، فبدأ الصراع بين جيل قديم تقليدي في ثقافته وطرق وأساليب عمله، وحتى في قدرته على العطاء، والذي رغم ذلك يتشبث بأقدميته ويستعملها كورقة ضغط، لا يلبت أن يشهرها كلما حاولت توجيهه أو ترشيده إلى مسايرة التطور، وهكذا يفتح المجال للعديد من المرافعات غير ما مرة، عن الكيفية التي درسوا بها، وكونهم درسوا وتعلموا على أيدي أجانب، و “أنتم”، فقط، على أيدي مغاربة ويذهبون أبعد من ذلك في كون الشواهد المحصل عليها قديمًا، لو افترضنا مثلا الشهادة الابتدائية القديمة “Brevet”، يخيل إليهم أنها تعادل دكتوراه الدولة الحالية، ولما لا؛ فقد تفوقها بقليل!

وبين جيل حديث متشبع بالثقافة والأساليب الحديثة، والذي على الرغم من انعدام التجربة لديه، ونزوعه أحيانًا نحو الاندفاع، اندفاع العنصر الشاب، وتناقضاته أحيانًا أخرى؛ حيث سيادة التقليد المجتمعي للناس، إلا أنه مع ذلك يبقى قادرًا على التكيف بسرعة ومرونة كبيرتين، وإمكانية التجاوز نحو خلق فضاء متطور وطرق عمل مغايرة.
وبمجيء هذا العدو القادر يحصل ويقع ضرب من السلوك يتجه نحو إحاطته بهالة من القداسة والترحيب والمدح والتملق، فيشكل مخيالاً إداريًا يغالط هذا المسؤول الشاب الجديد مما يؤدي إلى عدم تفاعله مع الواقع.
وهذا السلوك ناتج عن تصور القدامى والسابقين لهذا الإطار الشاب، القادر على زعزعة مصالحها.
وهكذا نسمع في عالم الإدارة كيف أن المسؤول الجديد قام بثورة في الإدارة والذي لا يلبث بعد مدة أن:
إما يكيف سلوكه ويتفاعل مع “جماعات الضغط” هذه أو “جماعات المنتفعين” وبالتالي عوض أن يعطي، يقف عند حدود التوفيق بين مصالح هؤلاء ومتطلبات الصالح العام؛

أو يقف موقف المتصالح في ظل ظروف عمل تتسم بطابع العنف فيتضرر الصالح العام وتتم تلبية مصالح جماعات الضغط)
أو أن يلجأ إلى تطبيق القانون بصرامة، وهنا يوصف تصرفه من لدن هؤلاء بالعصى الغليظة أو القبضة الحديدية، كأن يلجأ إلى اتباع سياسة أو خيار أو بديل آخر في العمل، فيخالف بذلك سابقيه، مما يروق الأقلية ويغضب الأكثرية والعكس صحيح، فيتعرض بالتالي للانتقاد أو أن يتصف القرار من لدن آخرين بالرشيد.
هذا الوضع يمكن مقاربته من خلال ما اسماه ابن خلدون بدوران الطبقات، حيث تزاحم العديد من الشرعيات، ويظهر ذلك من خلال اللجوء إلى الخبرات والدراسات الأجنبية والاعتماد على ما تقدمه من تقارير حول الأوضاع الاقتصادية، الاجتماعية والتقنية في المغرب، وبالتالي عدم الثقة في الأطر المغربية، وعدم استشارتها، والتدرع أحيانًا بالسر المهني والإداري لإبعادها من المشاركة في التنمية الإدارية.

متطلبات التنمية في الدول الحديثة تبقى مرتبطة بتكوين جسم من العاملين المثقفين والمتخصصين، يتمتعون باستقلالية ولاستقرار كبير، وتبقى الوظيفة العمومية كإطار منظم لمبدأ تقسيم العمل هذا.
وهكذا يتخلى الرئيس عن مهامه إلى مرؤوسيه الخبيرين بأدق الأمور والأشياء، حيث تتركز السلطة في المجتمعات الحديثة في يد هياكل تقنية، تجمع مجموعة من المتخصصين، يتوفر كل منهم على جزء من المعلومات الضرورية لإنجاز النشاط الإداري، مما يؤدي إلى تقليص سلطة اتخاذ القرار من لدن السلطة السياسية، وذلك بحكم تواجدها وتوزيعها الجغرافي، حيث تتولى مهمة التحضير والتنفيذ والإعلام. وبحكم دورها كاستراتيجية في تنفيذ وتحضير القرار تسود علاقات تسلط وإقصاء بين العقليات. وهنا نميز بين عقلية الرئيس وعقلية المرؤوس.

فوضعية الرئيس تأخذ شكلا هرميا في التسلسل الإداري أي من الوزير كرئيس أعلى وعلى المرفق، تدريجيا إلى الرئيس الأدنى في السلم في إطار علاقة جدلية.
لو افترضنا في إطار هذا التسلسل أن هناك حكومة منبثقة عن البرلمان أفرزتها أغلبية أو اكتناف معين، أو لنفرض حتى البرلمان نفسه في إطار لجان تقصي الحقائق، من يستطيع أن يقرر ويتحكم أكثر، الوزير، العنصر المنتخب أم الموظف السامي او التقني؟ وحتى لو افترضنا سلطة التقرير من لدن الوزير كرئيس أعلى في السلم على مرفقه، فإن أبسط صورة للتواطؤ والاتحاد في تعطيل العمل سيشكل لا محالة جبهة ضده، لن يستطيع إلا أن يقف معها إما موقف العاجز أو المتكيف.
وهكذا يتم العمل الإداري في عالم مغلق ومنطو على نفسه. فالعقلية الكبرى في أعلى السلم تتحكم في الصغرى في أدنى السلم، يغديها أسلوب السلطوية والإقصاء، وبالتالي هناك تغييب للعمل الجماعي، مما يولد عدم الرضى والاقتناع بأهمية العمل، الذي يتولد من خلال المشاركة في اتخاذ القرار. فتقييم السير الداخلي للإدارة بخصوص المسؤولين الكبار تراتبيًا، يعطي 47,4% كونهم سلطويون.

فغياب المشاركة والحوار والتشاور يؤدي في أقل الأحيان إلى النشوز فيفقد التسلسل الإداري معناه على حد تعبير دانييل لوشاك، مما يؤدي إلى التساؤل حول مدى الانسجام والتعاون والتنسيق بين مختلف هذه العقليات؟أما وضعية المرؤوس، وهنا حيث السلسلة يطالها التفكك وعدم الانسجام، فيكتفي باليومي أو الروتيني وليس له أي فضاء للخلق والإبداع، وحتى إذا توفرت لديه هذه القدرة فإنها تصادر أمام وجود عقلية متحجرة.
وهكذا وحتى يضمن الحفاظ على منصبه، هو الآخر يكيف سلوكه وسلوك رئيسه من خلال التملق أو الاستعطاف، وبالتالي يستطيع التأثير على رئيسه من خلال إحاطته بهالة من المدح والأبهة، كسلوك يترجى من ورائه امتيازا معينا، كالترقية أو التغاضي عن بعض سلوكاته، كالتغيب والكسل في العمل أو الارتشاء، أو التظاهر بكونه اليد اليمنى للرئيس إلى غير ذلك من صور التملق والاحتيال.

وهذه العقليات غالبا ما تقتصر بمناسبة تسليمها للسلط عن استفسار سابقتها عن مواطن الاغتناء في المرفق، أو عن الأشخاص الثوريين أو الزبناء، ولم تسأل، ولن تسأل أبدا عن مواطن الضعف في المرفق، والصعوبات ووجهة النظر في الحلول المقترحة بحكم التجربة السابقة على الأقل، كإرادة ورغبة في الإصلاح والتغيير.
ونتيجة هذا التواتر في السلوك والعقليات أصبحت الإدارة تشمل عدة أصناف من العقليات على الشكل التالي:

إطار كفء: يبقى عدوا قادرا على زعزعة مصالح وتغيير عقليات،
إطار غير كفء، لكن هناك من يدعمه، يبقى أمامه كل الاحتمالات في الاستفادة من امتيازات الإدارة.
إطار كفء بالإضافة إلى تواجد من يدعمه، يتوفر على كامل الحظوظ في الترقية والامتيازات التي تمنحها الإدارة.
إطار غير كفء وليس هناك من يدعمه، يبقى مهمشا عبر العلاقات السائدة، وسيط التملق والمحاباة، رهن إشارة الكل، أو مع عدم كفاءته، ورغم ذلك يقاوم من أجل البقاء والحفاظ على منصبه.
في خضم هذه العلاقات السائدة لهذه الفسيفساء من العقليات الإدارية، عوض أن يسود جو التعاون والتنسيق فيما بينها يفتح المجال للتسلط والإقصاء وابعاد العديد من الفعاليات والكوادر الإدارية وعدم الاستفادة من خبراتها وطاقاتها وإمكاناتها في العطاء والتنمية الإدارية.

فهناك إذن وضعية بسيكولوجية، حيث إن العديد يعيش وضعية مزرية مع عقلية الزملاء في العمل، النفاق، الحسد، الوشاية، التملق، الغيرة، الخداع وما إلى ذلك، داخل منطق الحماقة في المكاتب حيث يحس أن بإمكانه أن يعمل أكثر ويعطي أحسن، وحتى من رئيسه، لأنه يقع على عاتقه فعلا كل العمل الإداري، أما رئيسه فيبقى هو المستفيد من مواهبه، إنها سرقات موصوفة للعمل الذهني.
وبتوالي القهر والإقصاء الممنهج بين العقليات تسود لغة الصمت، “وتلك أخطر مؤامرة تعيق الأمم والشعوب عن التطور وبناء تاريخها الحضاري ومجدها ويزداد هذا الأمر صعوبة إذا علمنا أن جل المسؤولين الإداريين الساميين ببلادنا لم يتجاوزوا عتبة الصمت” على حد تعبير “هيدجر”.

لكن ماهي العوامل التي تؤدي إلى لغة الصمت والخوف وإغماض العينين؟
هناك الخوف من فقدان المنصب، في ظل الوضع الحالي للقضائي يجعل كلا من الرئيس والمرؤوس على قدم المساواة.
ليس هناك بديل عن التوظيف كوسيلة ارتزاق.
وحتى لو افترضنا وجود عناصر تسبح ضد التيار يبقى وضعها غير مضمون، تحت ضغط الانتقادات التي تتهمهم بالفوضى، وأن الوضع هو دائما هكذا لتأتي جهة معينة اليوم او غدا وتعمل على تغييره!
أو لربما عقلية توسط لها في ولوج الوظيفة أو تولي المنصب، وبالتالي لا تستطيع الخروج من جوف النقيض أو تشكل الابن العاق لمن توسط لها.

وأمام هذا الوضع الشاد يتولد الشعور بالخوف فيؤدي إلى الصمت والنسيان والتخلي وترك “حليمة تتمادى في عاداتها”.
وهكذا فمشكل الإدارة المغربية في المقام الأول هو مشكل عقليات وأشخاص مشخصين، أي مشكل له ارتباط بالطابع الإنساني للإدارة والحلول بطبيعتها لن تكون إلا حلولا إنسانية واجتماعية ونفسية بالأساس، وذلك بالتأثير على عدة متغيرات، كالكفاءة والحيوية والاختيار والحوافز وتوجيه سلوك وعقليات الأفراد، لكن أيضا في إطار الديمقراطية التي تبقى مشروطة بنوع من العزم وقليل من الصرامة لمعرفة مدى تأثير ذلك على النشاط والعمل الإداريين في أفق القضاء على علاقات أكثر خطورة من هذه والتي تتجلى في العلاقات الفجائية أو الفوجوية بين زملاء نفس الدفعة أو الفوج.

ومما جاء تاريخ الأندلس الذي تعرض للكثير من الحذف والحجب والتصرف فيه بالزيادة والنقصان؛ يحكى ان محمد بن عمار المهري الأندلسي الشلبي؛
والمهري نسبة إلى (مهرة) وهي قبيلة عربية من قضاعة،و(الشلبي) نسبة إلى مدينة (شلب) بالأندلس، وهي موطن ابن عمار؛ الذي استوزره المعتمد بن عباد ولقبه بذي الوزارتين، أي وزارة السيف والقلم، وكان يأنس إليه ويستمتع بأدبه وشعره. فكلفه المعتمد بالاستيلاء على مدينة (مرسيا) فاستولى عليها مستعينًا ب (الفونسو) ملك قشتالة؛ مقابل مال وفير تعهد المعتمد بدفعه إليه، كما استعان بعبدالرحمن بن رشيق، أمير حصن (بلج).
ولما استولى ابن عمار على مرسيا واستخلصها من أميرها عبدالرحمن بن طاهر؛ ولاه المعتمد عليها فاستقل بها، وشق عصا الطاعة وأخذ يهجو المعتمد وزوجته، ولم يلبث أن تغلب عليه ابن رشيق وأخرجه من (مرسيا).
هذا البارع في فنون البيان؛ كان شاعرًا مبدعًا، جيد السبك، في معانيه وصور فنه الوصفي؛ فمن هجائه للمعتمد قوله:

مما يزهدني في أرض أندلس.
أسماء معتمد فيها ومعتضد.
ألقاب مملكة في غير موضعها.
كالهر يُحاكي انتفاخًا صولة الأسد!

*باحث ومفكر 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...