*دكتور محمد براو
مقدمات مفاهيمية لابد منها
خرافة الرؤية “المعلبة” لتطبيقات الحكامة الجيدة الرشيدة
سؤال عملي مهم جدا ولكنه مهمل على المستوى النظري، ذلك هو السؤال التالي: هل يمكن تصور تنزيل فعلي لسياسة حكامة ذات “رشد” أو “جودة” شامل(ة) وكامل(ة) وعلى نحو متزامن ؟
فإذا كانت الحكامة من وجهة نظر تنموية (البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة) هي مجموع الآليات والمؤسسات والممارسات التي من خلالها يبلور المواطنون مصالحهم، ويمارسون حقوقهم الشرعية، ويؤدون التزاماتهم ويديرون خلافاتهم؛ وذلك في سبيل النهوض بالتنمية الشاملة المستدامة، فقد أثبتت الدراسات المقارنة المحكمة أن التنمية المستدامة ولا سيما في بعدها البشري تستلزم توفير نمط لصناعة القرار حول مجمل القواعد والسياسات الحكومية يسمح برقابة الشعب، الذي يتعين على أفراده أن يتمتعوا بحقوق متساوية في المشاركة في عملية صناعة القرار تلك بصفة مباشرة وغير مباشرة. فإذن هناك حاجة وضرورة لوجود ضمانة ديموقراطية أو على الأقل تشاورية للحكامة الجيدة اعتبارا لكون الحكامة العاجزة ديموقراطيا أو تشاوريا غير قادرة، كقاعدة عامة (لكن ترد عليها استثناءات هامة، حسبما أثبتته التجارب المقارنة)، على وقف تبديد الموارد والفساد والتعسف والارتجال. والنتيجة المحتومة هي ضياع بوصلة التنمية واختلال ميزان العدل. وعندما يختل ميزان هذا الأخير يؤذن بخراب العمران.
هاهنا تثار مسألة الكونية والخصوصية التي تثار بشأن الديموقراطية بصفة خاصة وبشأن موضوعة الحداثة بصفة عامة؛ أي بشأن أي نموذج ديموقراطي يناسب دولة معينة في سياق وطني معين؛ ولهذه المسألة على الأقل ثلاثة أبعاد: بعد سياسي وبعد مؤسسي وبعد ثقافي-تاريخي: إذ ينبغي معالجة الحالة الخاصة بالدول النامية، والمغرب مصنف ضمن هذه الدول، في ظل الأخذ بعين الاعتبار المعيقات البنيوية للتنفيذ ومن بينها وربما على رأسها معضلة التوفيق بين مطب التخلف وفخ الديون من جهة والمحافظة على قدر معقول من السيادة الوطنية من جهة أخرى؟ والجواب على السؤال أعلاه هو بالنفي القاطع والسريع. فالمديونية هي التي شرعنت تدخل مؤسسات بروتن وودز في رسم السياسات العمومية للدول المدينة، وشرعنت ما يسمى الشرطية الديموقراطية أولا وشرطية الحكامة الجيدة تاليا. فبينما ركز بعض الدائنين ابتداء على البعد السياسي الديموقراطي كالتعددية السياسية والحريات المدنية (الحكم الجيد) كشرط للمعونة؛ ركزت المؤسسات الدائنة المتعددة الأطراف تاليا، على متطلبات الجودة الإدارية للحكومة أي “الحكامة الجيدة” المتمثلة في مدى قدرة الحكومة على التدبير الفعال للسياسات العمومية جنبا الى جنب مع قدر معقول ومقبول من الديموقراطية وتكريس دولة القانون.
أربعة موجهات من أجل صوغ نموذج وطني خاص ل “حكامة ديموقراطية تنموية رشيدة “
الحاجة إلى التحلي بفضيلة “الصبر الاستراتيجي”، وإعداد العدة من أجل التعامل العقلاني الدقيق مع ثنائية الحكامة الجيدة من جهة والممارسة الديموقراطية في سياق تنموي ناشئ و”انتقالي” من جهة أخرى؛ من حيث أنهما ينطويان على تعقيدات وديناميات تكون في أحيان متفاعلة بشكل تنافري أوتنافسي، ذلك أن الحصول على الرضا السياسي ليس بالضرورة متوافقا مع ضرورة الحصول على الفعالية الاقتصادية والنجاعة التدبيرية في تنزيل السياسات العمومية. وهذا المعطى مستمد من التعريف الاتيمولوجي لكل من الديموقراطية والحكامة قياسا على الممارسة العملية لهما ضمن خصوصيات البيئة الوطنية، ذلك أن تنزيل الحكامة الديموقراطية الجيدة من أجل التنمية هي معادلة عملياتية تستدعي استحضار ثلاثة متغيرات متداخلة وهي: السياق والمضمون والمسار.
الحاجة لرسم أولويات لسياسة الحكامة، من خلال رؤية نظرية متسقة مع منهاج عملياتي، وذلك من أجل الانتقال من الشعارات التسويقية والاستهلاكية الطموحة إلى الفعالية العملية النسبية؛
الحاجة لإعادة تصويب وتكييف أهداف الحكامة وفقا لإمكانيات الدولة ونسقها القانوني-السياسي ودرجة نضج بنيات الاستقبال الإدارية والمجتمعية والثقافية؛ وكذا وفق نسقها التنموي وتبعا لتحدياتها التنموية؛
الحاجة إلى التواضع والحذر، أي إلى حكامة ديموقراطية تنموية جيدة ، “درجة كافية على نحو معقول من الجودة” ؛ وهو ما يستلزم اليقظة والحرص وقراءة التاريخ من أجل أخذ العبر، والمقارنة مع النماذج القابلة للمقارنة من أجل استمداد قصص النجاح والدروس المستفادة، أي تفادي الانجرار نحو التبني الآلي أو الأعمى للمقاربة المعيارية، ذات النفس الإسقاطي. والتي يعبر عنها المفهوم الاستعلائي: “الشرطية” Conditionnalité في علاقات التعاون الدولي شمال – جنوب (شرطية الديموقراطية؛ وشرطية الحكامة الجيدة).
من هنا نقارب الخلفية الفكرية والديداكتيكية للحكامة في منظور الملك محمد السادس،ونتلمس الطريق إلي النهج الملكي في إدارة الحكم
انطلاقا مما سبق ذكره حول الخلفية المتعددة المعاني والمدلولات المشار إليها في المقدمات المفاهيمية، واستحضارا للمحاذير والاعتبارات المتحكمة في عملية فهم واستيعاب موضوعة الحكامة والحكامة الجيدة وتعقيداتها النظرية والتطبيقية، يمكن قراءة وتلمس فلسفة المنظور الملكي للحكامة والحكامة الجيدة في سياق المسار الديموقراطي على مستوى الرؤية وعلى مستوى الخطاب وعلى مستوى الممارسة.
يتجلى ذلك في التأكيد الملكي المتواتر على ضرورة المواءمة بين المبادئ والقواعد والضوابط والالتزامات المعيارية الدولية من جهة وبين المتطلبات والسياقات الوطنية من جهة أخرى، أو بعبارة أخرى في تلمس الحاجة إلى أن يكون عرض الحكامة الديموقراطية الجيدة متوافقا مع خصوصيات الطلب المستمد من المجتمع المغربي في المقام الأول ومتسقا ومتساوقا مع حاجياته التنموية على وجه الخصوص. وانطلاقا من هذه الخلفية يمكن بالتحديد، قراءة التصور الملكي للحكامة الجيدة في علاقتها بالتمرين على الديموقراطية في السياق المغربي الخاص؛ على اعتبار أن استيعاب وتفسير وتحليل هذا التصور يستلزم استحضار الأضلاع الثلاثة لمعادلة الحكامة بوجه عام، وكنهج وأسلوب ملكيين بوجه خاص، وهذه الأضلاع هي: السياق Context والمضمون content والمسار Process.
إن الرؤية الملكية لإصلاح الدولة والمجتمع كما هي مبسوطة في الخطب الملكية والتصريحات الملكية أو تلك التي جاءت تلميحا في مختلف الإشارات والرسائل الرمزية وتلك التي تجسدت في القرارات العملية والتحركات الميدانية، تمتح أهميتها من كون الملك هو المشرف العام على المشروع الوطني للإصلاح والتنمية وعلى التوجهات والمرتكزات الاستراتيجية الناظمة للسياسات الحكومية؛ بل ومن كونه أيضا المتتبع والمدقق (في أحيان كثيرة في عين المكان) لمدى رسوخها واستدامتها. من هنا يشكل الخطاب الملكي والتحرك الميداني الملكي المعينان الموثوقان للتعرف على هندسة المشروع الإصلاحي التنموي بالمغرب وللوقوف على مختلف تطوراته وتفاوتاته. والأمر كذلك لأن المنظور الملكي يتسم إجمالا بقيمتي المصداقية والجرأة المحسوبة. وهو ما يتجلى في أربع سمات أساسية أجمع عليها الباحثون في بلاغة الخطاب وفي العلوم السياسية، وهي: الواقعية؛ والاستمرارية؛ والشمولية؛ والتكاملية.
وفي التفاصيل، يتجلى ذلك من حيث –أولا-إن المنظور الملكي للإصلاح والتنمية يتسم بالواقعية في الإقرار بالمعضلات الاجتماعية التي تعترض المشروع التنموي بالمغرب، من خلال رصد الإمكانيات التي يتوفر عليها المغرب من جهة والإفصاح عن التحديات والإكـــراهات التي تواجهه من جهة أخرى. ومن حيث – ثانيا-إن المنظور الملكي يقدم الإصلاحات المنجزة كاستمرارية لما تم تحقيقه في الماضي، بمعنى أن زمن الإصلاح مسترسل وغير منقطع. ومن حيث –ثالثا-إن الإصلاح لا يتجزأ، بل هو شمولي سواء على مستوى التصور أو على مستوى التنزيل. ومن حيث – رابعا-إنه عبارة عن مسلسل متكامل متعدد الحلقات. غايته البعيدة هي تعزيز الصرح الديمقراطي، وترسيخ دولة الحق والقانون، ومواصلة مسيرة التنمية.
وفي خلاصة إجمالية: إن منظور الملك محمد السادس للإصلاح والتنمية يستند إلى رؤية تصورية ومنهجية قوامها فكرة ناظمة جوهرية وهي فكرة “التلازم والتكامل بين المسارين الديمقراطي والتنموي”. لكن وفق سياقات ومحددات مغربية بالدرجة الأولى؛ سواء على مستوى المسألة السياسية، من خلال الحكامة السياسية (المحور الأول) ، أو على مستوى المسألة التنموية من خلال الحكامة التنموية بتجلياتها الثلاثة: الحكامة الاقتصادية (المحور الثاني)، والحكامة الاجتماعية (المحور الثالث)، والحكامة الإدارية (المحور الرابع).
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والإستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد





