من لِسانُ حال اْجْمَاعه في تَمْغَرْبِيتْ الذي ينطق حِكمةً؛ عيطة (العَلْوَه) بين تاريخ وجغرافيا المصطلح وسوسيولوجيا المتخيل..
*الدكتور عبدالله شنفار
أين توجد العَلْوَه؟ هل هي امرأة جميلة وفاتنة وساحرة و”مجذوبة” وجذابة كما يتخيل لبعض الناس؟ هل هي امرأة أم رجل أم مكان؟ ومن هو هذا العَزْرِي لفحَلْ؛ الرجل الشهم؛ الذي يتغنى به لِسانُ حال اْجْمَاعه في تَمْغَرْبِيتْ الذي ينطق حِكمةً في حال العَلْوَه؟ من هم ضُمَّانْ وجْوَادْ العَلْوَة وضامني الخير والبركة بأرضها؟ وكم يبلغ عددهم؟ إلى أين ذهب النِّيَّة؟ لكن إلى أين ذهبت بركة المكان وبركة الضريح و (السيد)؟ وهل لازال هناك ضُمَّانْ وجْوَادْ المكان؟
هل كانت بالفعل بركة في الماضي لهذه الأمكنة؟ هل فعلًا ذهبت بذهاب أصحاب وضُمَّانْ وجْوَادْ المكان؟ أين ذهبت بركة الفقيه؟ ما معنى بلاد السيبة؟ وما معنى بلاد المخزن؟ وما معنى زطاط أو الزطاطة في بلاد السيبة؟ ما معنى بني ملاّل وعلاقتها ببني هلال؟
“العَلْوَه ومَّاليها والصلاح اللي فيــــها.” هل ذلك العصر الذي عاش فيه أجدادنا؛ وتغنوا فيه بالعلوة كان عصر وفرة أم عصر ندرة؟ هل لايزال هناك من يحظي ويحرس العَلْوَه؟
هل لازال المجتمع المغربي ينتج الصُّلاحْ والأولياء في الفضاء الاجتماعي المعاصر؟
العَلْوَه؛ هو عنوان لأغنية جميلة يتغنى بها الجميع. ومن خلال جغرافيا المتخيل؛ وسفر عبر الزمان والنبش في سوسيولوجيا البادية والقرية والأرياف المغربية؛ وبعيدًا عن صخب وازدحام المدن؛ نجد هناك إحدى المناطق المغربية الخصبة التي تحتضن “العلوة زينة البلدان؛ التي خرجو منها شلاَّ قومان.”
وكلمة العَلْوَه في الجهاز المعرفي والمفاهيمي؛ جاءت من العُلُو، أي المرتفع من الأرض، وهي ليست شيئًا آخر سوى هضاب الشاوية العليا نواحي مدن: سطات وبرشيد والكارة وبنسليمان والنواصر؛ والمحمدية، (فضالة) ومديونة، مستقر قبائل وبطون بني هلال أو اتحادية قبائل الشاوية بصفة عامة؛ الممتدة حتى سهول تادلة وسايس والجنوب الشرقي؛ حيث امتداد النفوذ الترابي لدولة بني مرين في ذلك العهد.
تقع العلوة على الحدود الجنوبية لمنطقة الشاوية، يحدها شمالًا؛ قبيلة لمذاكرة، وقبيلة أولاد حريز، ومن الجنوب قبيلة بني مسكين، ومن الجنوب الشرقي، قبيلة بني عمير، وغربًا قبيلة أولاد سي بن داود، ومن الشمال الغربي قبائل زعير، ومن الشرق قبائل ورديغة.
هذا؛ ومن خلال الإطلاع على بعض المعطيات والوقائع والاحداث التاريخية التي رواها مؤرخون وغيرهم-على الرغم من تعرضها لعمليات الحجب والحذف والبتر والتدليس والتصرف فيها بالزيادة والنقصان؛ إما من أجل رفع المعنويات للتغني بأمجاد الماضي؛ أو حالات الانكسار والتراجع- والتي يرجع الفضل فيها إلى قبيلة بني هلال في نشر الإسلام واللغة العربية في منطقة زناتة؛ حيث أسسوا بها دول بني يفرن ومغرواة وبني مرين؛ بعدما طهروا المنطقة من البرغواطيين الذين أشركوا بالله وكفروا برسول الله؛ والقضاء على دولة برغواطة الذين ادعوا النبوة، وتحرير واتباع نسخة مما زعموه قرآناً خاص بهم وعبادات لا علاقة لها بالدين الإسلامي في شيء -والعياذ بالله-.
كما استوطن منطقة الشاوية، بالإضافة إلى بني هلال خلال القرن الرابع والخامس الهجري؛ قبائل عربية أخرى؛ مثل قبائل بني سليم، و بني معقل، وبني رياح، وجُشَم، بمختلف بطونها وشُعَبها وأفخاذها.
وللعلوة ما يسمى بالضمان أو لَجْوَادْ؛ وعددهم أربعة ضُمَّانْ؛ يعتبرون حراسها وضامني الخير والبركة والسلم بأراضيها، وهم: سيدي حجاج، وسيدي امحمد البهلول، وبويا الجيلالي، وسيدي بلقاسم.
وحينما نتحدث عن الضُّمَّانْ أو الحُرَّاس؛ فإن الخيال يسافر بنا إلى شيء خارق للعادة؛ حيث الأمان وغياب الخوف؛ لأن هناك ضمانات وهناك أنت وطمأنينة وسكينة؛ وهناك زْطَاطَه أو عملية خفر على الطريق المحروسة بأمان واطمئنان في بلاد الله الآمنة التي كُتِبَ العِزُّ على أبوابها وليدخلوا إليها بسلام آمنين مطمئنين.
وهنا يستحضر الذهن سوسيولوجيا المكان: سطات أو زَطَّات التي جاءت من الزطاطة أو الخفر (Escorte) وتأمين القوافل والسفر والرحلات من قطاع الطرق في بلاد ما سمي: ” بلاد السيبة” حيث غياب سلطة المخزن في ذلك الزمان؛ من خلال تحقيق الأمن الذاتي للأفراد والجماعات وتأمين مرور القوافل التجارية وعابري السبيل.
يقول لسان حال العلوة ناصحًا من يزور أو يمر عبر المكان:
“واهيا الغادي العلـوة.. تعالى نوصيك بعـدا.. إلى لحــكَتي سلم.. في العلوة لا تتكلـم.. العلــــوة كَاع سيوف.. هز عيــــنيك وشوف..
لا جدال في بلاد العلوة إدن ولا نقاش؛ إنه الاستسلام وطلب السلم والتسليم لتنجو بنفسك من الشر والاحتماء بعالم الخير في بلاد المخزن.
جغرافيا المكان تحيل إلى المقدس والثابت والمتغير والمتحول عبر الزمان؛ حيث استمرارية الموسم والفلكلور الشعبي والفنطازيا والتبوريدة وسربة الخيل ولمقدم وقراءة الفاتحة قبل ركوب صهوة الجواد، وما يصاحبها من طقوس واعتناء بتربية الخيل والجياد والكرم الحاتمي في أهلها، والحفاظ على استمرارية الموروث الثقافي.
يقول لسان حال وجواد العَلْوَه:
لعار أمول التوتة.. لمواسم فيك منعوتة.. إلى لحقتي الباب توضأ وتأدب.. وزُر جميع لقبب..”
فالعلوة؛ هي ذلك المتخيل؛ جزء من حضارة وثقافة شعب.
العلوة تمثلات وتخيلات اجتماعية تسلب العقل عبر “السْواكن” و”كْناوة” و”الحَالْ” و”الغَيْوان” و”الجدبة” و”العيْطة”..
في إعراب (لَوْلَا): هي حرف امتناع لوجود (المانع)؛ نجد هناك ثلاثة أسرار شِدَادًا جعلها الله مِهَادًا وأَوْتَادًا لهذا البلد الأمين؛ خفية؛ ولا ترى إلا بنور الله؛ فَكَانَتْ أَبْوَابًا سِرَاجًا وَهَّاجًا؛ وهي:
1- بركة الحزب الراتب أو التلاوة الجماعية للقرآن الكريم في المساجد.
2- بركة المكان الربَّانِية؛ وأولياء الله الصالحين في هذا البلد؛ (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فَمِنْهُم مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ. وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.)؛ لا هم بالمَلكِيّين أكثر من الملك؛ ولا هم بالوطنِيّين أكثر من الوطن؛ فقط يحبون ملكهم؛ ويضحون من أجل وطنهم.
3- وإمارة المؤمنين؛
وبالتالي لا يَسَعُنا إلاّ أن نكون تحت ذِمّة الدولة ورحمة المؤسسة الملكية؛ وليس على ذِمّة أحد.
فالبعض ينظر إلى علاقته بالناس على أساس إذلالهم؛ وذلك بسبب تضخم جنون العظمة وارتفاع جرعة (الأنا) لديهم؛ والزيادة في منسوب العقدة الشيْطانِيّة لديهم؛ (أنا خيْرٌ مِنْه)؛ وروح الاستعلاء والاستقواء البشري التي تسكنهم.
فأنا على يقين؛ (لَوْلَا) وهي حرف امتناع لوجود (المانع)؛ وجود تلك الأسرار الثلاثة؛ لو أتيحت الفرصة للبعض؛ في أية لحظة؛ لن يترددوا في حبس وقطع مادة الأكسجين عن الناس.
في المعنى الأنطولوجي ل: العَلْوَه يحيل إلى شعور وإحساس ووجود فعلي؛ نتغنى بها ونرقص من خلالها؛ ونمرح ونسعد؛ ولكن لا ندركها أو نشاهدها أو نلمسها؛ إنه المتخيل والوهم وسفر في الزمان والخيال.
*مفكر وراصد اجتماعي وكاتب وباحث من المغرب





