أوتاد المنظومة التعليمية في المغرب..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور عَبْدُ اللَّهِ شنفار

 

 

 

ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مثلًا بالجسد في التكامل والتضامن، والتراحم، والتآزر والتعايش؛ من خلال قوله: “تَرَى المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى عُضْوًا منه؛ تَداعَى له سائِرُ جَسَدِهِ بالسَّهَرِ والحُمَّى.”

كذلك منظومة التعليم؛ فهي كالجسد الواحد؛ وتشبه الطاولة التي تقف على أربعة أرجل؛ والتي تدخل في علاقة جدلية واعتمادًا متبادلًا؛ وكل خللٍ في إحدى الأرجل؛ أو الأركان؛ يحدث خللًا وارتباكًا وزعزعة وتصدعًا؛ في استواء الطاولة وثباتها.
في ظل هذه المعادلة؛ توجد أربعة أبعادٍ؛ أو أربعة أسسٍ أو ركائز؛ أو نسميها أوتاداً رئيسية؛ للمنظومة التعليمية؛ يمكن إجمالها فيما يلي:

1_) المعلم؛ والمدرس؛ والأستاذ؛ والمربي؛ والموجه؛ والمؤطر؛ والمكون؛ والمشرف.
2_) التنشئة؛ والمتعلم؛ والتلميذ؛ والمتلقي؛ والطالب؛ والمتدرب؛ والباحث.
3_) العلوم؛ والمناهج الفكرية والمواد العلمية والمضمون؛ والمحتوى؛ والكتاب المدرسي؛ والاختبارات والامتحانات ومختلف التقييمات.
4_) الأدوات المستعملة؛ والمؤسسة؛ والمرفق حيث يتم نشاط العملية التربوية؛ والقسم؛ والمختبر؛ والسبورة؛ والأجهزة الإلكترونية؛ والطباشير؛ والأقلام والأوراق؛ ومختلف الأجهزة والآليات والمعدات التربوية واللوجستية.

التعليم هو المعركة الكبرى التي تدار فيها جميع المعارك المتعلقة بالقضايا المجتمعية؛ معركة ليست سهلة، ولا أعتقد أن كل شيء في المغرب هو (رايْبْ)؛ بمعنى مهدم ومخرب، بل لدينا ما ننطلق منه ونبني عليه؛ دون مسح الطاولة بالكامل؛ ولكن ينقصنا معالجة نوعين من المعايير في هذه المعادلة:

– المعيار الأول: هو أن التعليم في الجيل الحاضر والجيل الذي كان قبله في الغالب التحق به أناس يؤمنون به؛ من خلال مختلف الانتكاسات التي كانت موجودة آنذاك.
أما المعيار الثاني: فهو أنه الآن قد التحق بالتعليم أناس بسبب ظروف العيش التي دفعتهم إليه. وهذه مشكلة ومعضلة كبيرة؛ لمَّا توظف إنسانًا في مجال ليس مجال تخصصه!
فالبشر مهما كانت أخطاؤهم؛ فهي قابلة للحساب؛ ولكن إذا أدخلتهم في نسق منظومة التعليم؛ فإن التكلفة ستكون عالية ومرتفعة جدًا؛ وباهضة الثمن.

وبالتالي فإن الدول تكون حريصة على أنها توظف في التعليم من له الحد الأدنى من حب هذا العمل. فمن الأمور التي وقعت عندنا في التعليم؛ أننا تعاملنا معه بمثابة وظيفة كباقي الوظائف الأخرى. فماذا سيقع إن وقع عطل في جهاز الحاسوب مثلًا؟ فأقصى ما سيقع هو أننا سنستبدله بآخر أو نقوم بإصلاحه أو تغيير وإصلاح القطعة التي فيها خلل ما. ولكن أن تعد وتبني تلميذًا، وتربيه نفسيًا واجتماعيًا وعقليًا وحتى بدنيًا؛ فإن الخطأ يصبح كبيرًا جدًا وقاتلًا وحتميًا؛ ويمكن أن ينسحب على أجيال بكاملها.

إذن المشكل الأول يكمن في الموارد البشرية.
“فلا بد أن ننظر إلى التعليم كاستثمار؛ ولا يجب أن نتعامل معه بمنطق الربح والخسارة؛ لأنه كله ربح.
معناه؛ خذوا تلميذًا ذهب إلى المدرسة ودرس فنجح. آنذاك لن نفكر في زيادة عدد عناصر الشرطة؛ ولا في عدد القضاة؛ ولا في بناء مزيد من مؤسسات السجون.
فحينما تشرع دولة في بناء مؤسسات السجون أكثر مما تقوم ببناء المدارس والمؤسسات التعليمية؛ فإنه مؤشر خطير..!”(*)
ونضرب مثلًا: عندنا طلبة نالوا 7/20 و6/20 في مادة الرياضيات؛ هم الآن أساتذة التعليم الثانوي؛ ونجحوا. وهناك من نال صفرًا (00/20) وهو أستاذ الآن أيضًا، وهذه مصيبة أكبر؛ بل هناك أشخاص نجحوا؛ وحصلوا على شهادة الإجازة؛ التي لا تشهد في شيء على محتواها؛ ومنهم من نال علامة: 18/20 في مجال تخصص التواصل؛ ومع ذلك لا يتواصل في أي شيء. وحتى تلك العلامة 18/ 20؛ تجعلك تستغرب كيف يتلعثم في أول جملة؛ ولما يتكلم بطريقة ما لا يستطيع.

وهذا نسق؛ فحتى في الجامعة عندنا أساتذة لم يحبوا مهنتهم طيلة مشوار حياتهم، وظلوا حتى التقاعد وهم كارهون لما يقومون به! فهل هناك اعتقال؛ وهل هناك عذاب أشد من هذا؟ اثنين وثلاثين سنة وهو يقوم بعمل وفعل وصنعة؛ وهو كاره لها..!

عند مجتمعات وشعوب وأمم آمنت بقيمة التعليم؛ تجد الشخص يستقيل؛ لأنه لا يجب أن يقوم بعمل لا يجد فيه راحة ومتعة؛ وحيث لا يعطي فيه شيئًا. في حين عندما تجد شخصًا؛ لمدة تفوق 32 سنة؛ وقد قضى عمره مع الطباشير؛ ويعمل في تدريس الرياضيات؛ وهو كارهًا للمادة! وهذا أمر لا يعقل.
وهذا الخلل الأول؛ أما الخلل الثاني؛ فهو أننا نتعامل مع التعليم بمنطق الاقتصاد؛ بمعنى الربح والإستثمار في التعليم؛ مع أنه لا يوجد أحد يستطيع تقدير كلفة الربح التي يمكن أن يعطيك التعليم.
فالمجتمعات المسكونة بجرعة زائدة من فكر المؤامرة؛ وتضخم الأنا؛ وكلها يلغي بلغاه؛ تجدها غير قادرة على التمييز بين الثابت (Constante) والمتحول والمتغير (variante)؛ في الأحداث والأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ داخل المجتمعات على المستويين الإقليمي والدولي؛ مما يؤدي إلى فشل استراتيجي ذريع.

في الجيوبوليتيك؛ لا توجد دولة في العالم؛ إلا ولها خصوم يحاولون تدميرها وتشتيتها من الداخل والتحكم فيها وفي خيراتها ومُقدراتها الوطنية وسياساتها؛ من خلال الاشتغال على الشارع أو استغلال بعض القضايا الاجتماعية؛ كسيادة الظلم وانعدام العدل والتضييق على الحريات أو الاعتقالات التعسفية أو الإقصاء والتهميش والتمايز الاجتماعي (…) الى غير ذلك.

وهذا لا ينفع معه الاندفاع العاطفي؛ وكمية السب والشتم والشجب والإدانة والاستنكار؛ فمواجهة المؤامرة يكون بتكوين فريق قادر على الاحتشاد والتحدي، وليس انتهاج أسلوب العشوائية والارتجالية؛ وعدم النهوض بالتعليم.

يتطلب الأمر فريقًا قويًا يشبه فريق اللعب في لعبة كرة القدم؛ من حيث الخطة التكتيكية واستراتيجية اللعب من أجل تحقيق الفوز وضمان البقاء في المراتب الأولى؛ كتقوية خط الدفاع. وفنية خط الهجوم. وتحصين خط الوسط. ودعم مركزي الظهير الأيمن والأيسر. والذكاء والدهاء والفكر الاستراتيجي لدى الحارس والساهر على المرمى.
المجتمعات المسكونة بفكر المؤامرة؛ نجدها، وتحت تكرار حكاية مؤامرات وتآمر الآخرين؛ ربما يولد لديها اعتقاد أن القارئ والمستمع والمشاهد؛ لا يعلم..! أو أن هناك الجديد الذي لا يعلمه أو لم يشاهده أو يسمع عنه.

فكثرة البكاء والنواح والإيمان بفكر المؤامرة، وكثرة السب والشتم للأعداء؛ لا يضعفهم في شيء.
ومدح الذات والمبالغة في النفخ فيها؛ لا يغير من المعادلة في شيء.
فالكثير من المجتمعات والشعوب والأمم؛ لا يسمع لها صوت يذكر؛ وتعمل في صمت؛ ولكنها تملأ الدنيا حضارةً.
شعوب وأمم عرفت كيف تحول ضعفها إلى قوة؛ عبر التخطيط المحكم والفعل والعمل وعقلنة وترشيد اختياراتها المالية والبشرية وتنمية وسائل إنتاجها ومواردها المادية.

في نظرية المؤامرة (théorie of conspiration) نجد:
1)- البعض مسكون بفكر المؤامرة؛ بل يستطيع تخيلها والتنبؤ بها وكشفها؛ حتى قبل وقوعها؛
ولكن عندما يتعرض للمؤامرة؛ تجده يُردد ويقول: “والله كنت على علم مسبق بها وكنت أتوقعها.”..!
ولكن ماذا فعلت لتفادي وقوعها أو الوقوع في شباكها؛ أي (المؤامرة)؛ وما كان يُحاك ضدك!؟
وما هو الحل والحالة هاته؛ حينما تعرضت للمؤامرة!؟
2)- تعد الاحتمالات اليقينية؛ من مساوئ التفكير الإجرائي وغياب التفكير الاستراتيجي؛ حيث اللجوء إلى الاستدلال ب: لم نَكُنْ نتوقَّع..! ولمَّا تسأله: هو ما الذي لم تَكُنْ تتوقَّعه!؟
فحينما تكون الأحداث والوقائع واضحة وضوح الشمس في النهار؛ فيشيح عنها النظر ويغض عنها الطرف؛ ويغوص في سباتٍ عميق من التفكير الإجرائي؛ ويرى أن الواقع هو الأولى؛ ويأتي في الأخير ويقول: “لم يكن يتوقع”!
لم يكن يتوقع حجم المؤامرة العالمية! والكراهية الدولية! وحجم التخطيط العالمي؛ وارتفاع الأسعار! ودرجة الخبث والحقد لدى الآخرين..!
ونضرب مثالًا لذلك: كلنا نتابع النشرة الجوية لمعرفة أحوال الطقس المتوقعة غدًا؛ ولكن مع ذلك تقع لدينا إعاقة في التنزيل وتصريف الاستفادة منها في حياتنا..!

فحينما نسمع بتوقع تساقط كميات الثلوج والأمطار بالمنطقة الفلانية؛ ومع ذلك نصر على السفر إليها أو عبرها دون برمجة مسبقة؛ ونصبح عالقين؛ فنقول: “قدَّرَ اللهُ؛ وما شاءَ فعلْ؛ مع أنه كان على علم بذلك.” هناك خلل ما يوجد في طريقة تفكرينا.

مجتمعات وشعوب وأمم؛ مسكونة بفكر المؤامرة؛ تكون دائمًا غير قادرة على التقاط الإشارات؛ وغير قادرة على الاستنبات والاستنتاج والاعتبار من الابتلاءات والمصائب.
مجتمعات مسكونة بروح المؤامرة وتضخم الشك وجرعة زائدة من الخوف؛ ليس لها القدرة على تكوين صورة متكاملة حول تدفق الأحداث والوقائع والأفكار على جميع المستويات؛ سواء التحولات الداخلية؛ أو المتغيرات العالمية.

*راصد اجتماعي ومفكر وكاتب وباحث مغربي
_____
(*)- مقتطف من محاضرة جد قيمة؛ ألقاها المفكر الاستراتيجي والراصد الاجتماعي المغربي؛ الدكتور محمد خمسي؛ بفضاء الأطر بمدينة فاس؛ العام 2016؛ تحت عنوان: (المشروع المجتمعي ومنظومة التربية والتعليم).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...