زاوية «سيدي بلال» تحديد مساحة المشترك من القيم لبناء علاقات متعددة الأبعاد..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور شنفار عبدالله
الكاتب والمفكر المغربي

 

في طريقي لزيارة (لبلاد) مسقط رأسي فم زكيد؛ إلى الجنوب من ورزازات على بعد حوالي 120 كلم في اتجاه إقليم طاطا؛ عبر الطريق الجهوية 108 و111؛ أمر على زاوية سيدي بلال؛ مقام الأب الروحي بلال الحبشي ومحج للمريدين. وهو دوار عبارة عن واحة من النخيل جميلة جدًا؛ تحس بسحر وربانية وروحانية ونوستالجيا المكان؛ ولا يمكن إلا أن تتمهل وتخفف السير للاستمتاع بتلك المناظر الطبيعية.
في عصرنا الحاضر؛ الكثير من الناس يختزل (بلال الحبشي) في الآذان للصلاة فقط؛ ولكن سيدي بلال؛ كفكرة تتجاوز تلك النظرة الضيقة؛ لتشمل محنة أجناس بشرية؛ عانت من العبودية والظلم والقهر والاستبداد والعنف والتهميش؛ بكل ألوانه.

لكن حينما نسافر قليلًا في التاريخ؛ تحضرنا بعض الاسئلة: من أين أتوا (كناوة)؟ ماذا يقصد بنداء سيدي بلال؟

بالبحث والهبش في تاريخ المغرب؛ والبحث عن مسارات الطرق الصوفية؛ نجد أن (الأمريكان) قد كتبوا في أنثروبولوجيا (Anthropology)‏ أو دراسة علم الإنسان؛ لشعوب مقهورة عبر التاريخ؛ ففي أمريكا، حيث حتى وقت قريب؛ وإلى الآن؛ كانت العبودية شائعة بشكل كبير جدًا. مما دفع الكاتبة الأمريكية (هاريت توبمان Harriet Tubman) والناشطة في مناهضة العنصرية؛ إلى تكوين مجموعة سرية لإنقاذ العبيد وتخليصهم من براثن الرِّق والعبودية. وقد أستطاعت تحرير أزيد من 700 شخص ممن كانوا ضحية الاستعباد والرق بسرية تامة. فيما بعد سألوها: ما هي أصعب خطوة واجهتك في تلك المهمة الإنسانية النبيلة؟ فقالت: «أن أقنع شخصاً أنه حُرٌّ؛ وليس عبداً..!»

وفي هذا الصدد يمكن استحضار إحدى الطرائف؛ حيث يحكى أن عبداً كان فاز على خصمه في مبارزة؛ وكانت المكافأة مقابل حريته؛ مع حصوله على مبلغ كبير من المال. هذا؛ وبعد فوزه؛ ولمَّا سألوه: ماذا سيفعل بكل هذا المال؟ أجابهم بأنه: سيشتري سيِّدًا يعامله برفق..!”

ولكن نحن -مع الأسف الشديد- نحصر أنفسنا في عناوين جد ضيقة، ونختصر القضية بصورة تشكل مشهدًا فولكلوريًا ضيقًا. ونختزلها في صورة نمطية في لون وغرابة البشرة والزي المزركش. ولم نقم برحلة، للنظر بعمق في معاناة الناس الذين أتوا من غانا على عهد الدولة السعدية؛ لنرى كيف كانوا يستغيثون ليرحموا من العذاب الذي عاشوه، فأنتجوا شعارا ووجدانًا ومحنة.» على حد تعبير المكفر المغربي الدكتور محمد خمسي.
وسيدي بلال؛ هذا الرجل الذي عرفناه من خلال فلم (الرسالة- رسالة الإسلام) بصوته الشجي في الآذان للصلاة؛ حي على الصلاة والفلاح؛ هي مجرد إشارة لسيدنا بلال -رضي الله عنه- هذا الشخص الذي يرمز إلى حالة العبودية والعتق بعد ذلك بمجيء عالم المُخلص من العبودية والاستعباد؛ ألا وهو مشروع الإسلام.

وليان حالهم يقول: ألا نستحق أن نتعامل مثل بلال الحبشي؟ فقد كانوا ينادونه رمزيًا ليخرجهم من تلك المحنة المقيتة.
-مع الاسف الشديد- نحن لا نعرف بعضنا البعض؛ فبالأحرى نعرف شعوب العالم. فقد عرفنا الآخر؛ ونحن لازلنا نجهله! وهذا إشكال كبير. فالآخر درس، ويدرس الشعوب والأمم الأخرى؛ من أجل تحديد ما هي مساحة المشترك من القيم مع الآخر؛ وكيف يستطيع أن يبني هندسة مرنة ومتحركة لبناء علاقات متعددة الأبعاد.

ففي وقت نجد أن الآخر الذي لازلنا نبحث عنه، ونحاول أن نمارس عليه اعتباط التعالي والانتقاص؛ والاستصغار؛ تحت عنوان: (خير أمة أخرجت للناس)؛ التي نوظفها بشكل عدواني تجاه شعوب العالم؛ قد وفر لنا، -جزاه الله خيرًا- ما يقارب: 31 مجلدًا في الأنطولوجيا التي تهم كناوة؛ لأن تلك المحنة التي عاشها العبيد؛ تتقاطع مع محنة الأفارقة السود في أميركا. وقد قاموا بجهد كبير في هذا الميدان.
«كناوة» أو «لغناوة» في المغرب هم سلالة ينحدرون من العبيد الذين استقدموا إبَّان العصر الذهبي للإمبراطورية المغربية أواخر القرن السادس عشر الميلادي؛ من أفريقيا السوداء الغربية وجنوب الساحل الصحراء التي كانت تسمى آنذاك بالسودان الغربي؛ وبصفة خاصة من إمبراطورية (غانا) -دولة (مالي) في العصر الحالي.

وتعود تسمية «كناوة» إلى تحريف لحق بالإسم الأصلي الذي كان هو: (كينيا) أو (غينيا)، أو عبيد (غينيا) كما كانوا دائمًا يُسمون؛ قبل اندماجكم وذوبانهم الكامل في المجتمع المغربي.
هذا؛ ونجد «الطريقة لكناوية» متواجدة في العديد من المدن الكبرى والقرى المغربية؛ خاصة في مدن: الصويرة، ومراكش، وفاس، ومكناس، والرباط، وزاگورة، وورزازات، وطاطا (…) وتحظى مدينة الصويرة بمقام المدينة الروحية للطائفة لگناوية بالمغرب.
وباستحضار التاريخ؛ فقد كان الميناء البحري لمدينة الصويرة منذ القرن (17)؛ مركزًا تجاريًا كبيرًا على ساحل المحيط الأطلسي؛ ونقطة تبادل تجاري مع (تومبكتو)؛ عاصمة أفريقيا السوداء المسلمة. ومنها كان العبيد يجلبون بالقوة أو يفدون على المغرب؛ بإلإضافة إلى تجارة الذهب والملح والقمح والقماش…

وتعتبر زاوية «سيدي بلال» المتواجدة غرب مدينة الصويرة هي المرجع الأعلى، ومقام الأب الروحي للطريقة لگناوية. وداخل الضريح حيث توجد الزاوية التي تحتضن في العشرين من حلول كل شهر شعبان؛ الموسم السنوي للطائفة لگناوية وعلى إيقاع الموسيقى الروحية القوية للمجموعات المنتسبة إلى الطائفة، تخرج نخبة من الأتباع في جولات بين المدن لجمع الهبات والصدقات الموجهة للزاوية؛ بلباسها الفلكلوري المميز ذي الألوان المزركشة الزاهية، خصوصًا اللون الأحمر والأخضر والأزرق والأبيض منها.

تجاوزت الموسيقى الروحية، وشهرة «كناوة» الحدود المغربية؛ لتعانق العالمية منذ شرع في تنظيم مهرجان سنوي لـ «كناوة وموسيقى العالم» بمدينة الصويرة الذي ينظم في غضون شهر يونيو من كل سنة. والسر في ذلك يكمن في أنها ليست مجرد موسيقى عادية؛ بل هي موسيقى ذات إيقاعات قوية، وذات حمولة مثقلة بالأساطير والمعتقدات الموغلة في القدم؛ ومشحونة بالإرث والتلاقي الحضاري الإفريقي، والأمازيغي، والعربي، والمتوسطي، والإسلامي الأندلسي.

* والخلاصة:
لازلنا لا نعرف بعضنا البعض ونجهل محيطنا؛ ولازلنا نجهل شعوب العالم؛ في ظل محدودية العقل؛ والقابلية للعبودية والاستعباد والرِّق؛ وفي ظل محدودية القدرات الفكرية؛ ومختلف صور العجز المتعدد الأبعاد؛ يتعذر السفر بعيدًا إلى فضاءات مفتوحة لصنع المعجزات في تحديد مساحة المشترك من القيم لبناء علاقات متعددة الأبعاد..

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...