ذ.محمد الحبيب الدكالي
“الإمارة الاستوائية”، هكذا وصف كاتب فرنسي الغابون في مقالة له في جريدة لوموند آحد أعدادها في مطلع التسعينات الماضية وهو جوهرة المستعمرات الفرنسية بلا شك.
يوجد شعور بالكراهية لفرنسا لدى الغابونيين باستثناء الاوساط المرتبطة بحكم عائلة بونغو، ولكن لا يوجد مؤشر على أن الانقلابيين معادون لفرنسا، فهم أصلًا جزء لا ينفصم من نظام آل بونغو، ولو صح هذا الاحتمال فسيكون هذا الحدث بمثابة ضربة قاتلة للنفوذ الفرنسي في أفريقيا.
أ
لماذا “إمارة استوائية”؟
الغابون رابع اكبر منتج للنفط في افريقيا، ومذخور بثروات باطنية كبيرة من المنغنيز والذهب واليورانيوم والكوبالت والباريوم، كما يتوفر على ثروة غابية هايلة لانتاج وتصدير الأخشاب وهي من أجود أفضل الأنواع وبعضه نادر كخشب Ébène الاسود فالغابات الاستوائية المطيرة تغطي معظم مساحات البلد. مصادر المياه والاراضي الصالحة للزراعة كبيرة جدا كذلك.
بالمقابل عدد السكان لم يتعدّ المليون فقط في بداية التسعينات حوالي مليون نسمة ويبلغ تعدادهم الآن حوالي المليونين ونيّف، مع كثافة سكانية جد منخفضة في مساحة تبلغ 270.000 كلم مربع تقريبا. كما يجب الاخذ في الاعتبار وجود جاليات وافدة كبيرة من دول الساحل وغرب أفريقيا والنسبة الاكبر منهم مسلمون.
الاقتصاد الغابوني متحكم فيه بالكامل من طرف فرنسا ويقوم أساسا على تصدير البترول والمعادن والاخشاب وهي قطاعات تسيطر عليها الشركات الفرنسية بالدرجة الاولى ومعها شركات غربية أخرى. فإنتاج النفط مثلا تستحوذ على حصة الاسد فيه شركة Elf كذلك الشان بالنسبة للثروات المعدنية وإنتاج وتصدير الاخشاب.
قطاع الصناعة محدود وضعيف جدا ولم تستثمر فيه الشركات الفرنسية شيئا يذكر. القطاع الزراعي كذلك ضعيف جدا وباستثناء بعض الزراعات الأسرية في القرى للاستهلاك الذاتي بمساحات بسيطة، يستورد البلد كل احتياجاته الغذائية من الخارج، ويمكن مشاهدة الخضروات، حتى الطماطم مثلا، والفواكه المستوردة بالطائرات من فرنسا وهولاندا وجنوب افريقيا في السوبر ماركت. ويعتبر الغابون واحدا من أغلى البلدان في العالم.
قوة فرنسا في الغابون
عسكريا، لها قاعدتان عسكرية، الاولى في العاصمة ليبرفيل، قوات عسكرية في قلب العاصمة وقد بنى عمر بونغو (الأب) بالقرب من مقرها قصرًا فخما وهو ليس ببعيد عن قصره الرسمي قرب البحر، بالضبط مقابل ميناء قديم لتصدير العبيد وقد انندثرت بعض اجزاءه، ثم قاعدة جوية في جزء من مطار العاصمة. القاعدة العسكرية الثانية في مدينة بور جانتي Port gentille وفيها ميناء تصدير النفط والمدينة خاضعة بالكامل لسيطرة القوات الفرنسية وإدارة شركة إلف.
ويشكل الوجود العسكري الفرنسي في الغابون أهم عناصر القوة العسكرية التي تتوفر عليها فرنسا في غرب أفريقيا الاستوائية وهي معدّة لتكون قادرة على التدخل العسكري في الكاميرون والكونغو (برازافيل) وافريقيا الوسطى المجاورة وكلها مستعمرات سابقة ولها فيه وجود عسكري كذلك، وقد سبق لفرنسا ان استخدمت وجودها العسكري في الغابون لدعم الحركة الانفصالية في إقليم بيافرا (جنوب نيجريا) أثناء الحرب الاهلية 1967-1970).
كما تتمثل قوة السيطرة الفرنسية في الغابون كذلك على التحكم الكامل في جميع القطاعات الوزارية، فما من وزير غابوني إلا بجانبه “مستشار” فرنسي يتحكم في كل القرارات الأهم ويشرف على كل أنشطة الوزارة، كل هذا يتم تحت إشراف السفير الفرنسي.
بالنسبة للجيش الغابوني فهو صغير أصلًا ولا يتوفر على قوة جوية والتدريب والسلاح والعتاد فرنسي.
في المجال السياسي، تحكمت فرنسا كذلك في الحياة السياسية منذ “الاستقلال”، واعتمدت على التمكين لأقلية إثنية هي قبيلة “باتيكي” Batéké في جنوب شرق البلاد، وأسست هناك مدينة “فرانسفيل” Franceville التي كانت في الاصل ثكنة عسكرية. ومن هذه القبيلة الصغيرة جاء عمر بونغو ثم ابنه من بعده اللذين حكما البلد لأكثر من خمسين عاما، ومعهما معظم المسؤولين في الدولة. وقد آثار هذا الاستئثار، بإشراف وتحكم فرنسي طبعا، استياء القبائل الاخرى واهمها قبيلة “فانغ” Fang وهي الاكبر ولها امتداد في غينيا الاستوائية وجنوب الكاميرون المجاورين، هناك حزب معارض لعائلة بونغو لكن التلاعب بنتائج الانتخابات لم تسمح له بالوصول او المشاركة في السلطة. كانت هناك دائما تعددية حزبية وانتخابات رئاسية وبرلمان من غرفتين، لكنها كانت دائما انتخابات متحكم فيها وفبركة للنتائج.
مجتمع مفكك
الغابون بلد مغلق ثقافيا والثقافة واللغة الفرنسيتين بالجرعات المحددة همآ السائدتين عبر نظام تعليمي ضعيف وموجه. لم تظهر في الغابون نخب سياسية أو تيارات سياسية بالمعنى المتعارف عليه، وهذا عائد إلى كون عدد السكان قليل نسبيا والمراكز الحضرية كذلك ومتباعدة وشبكة الطرق الداخلية ضعيفة وأغلبها طرق ترابية تصبح غير صالحة في مواسم الامطار. كما ان المستويات التعليمية في أوساط الغابونيين تبقى متدنية بشكل عام وبالتالي تبقى النخب المتعلمة محدودة التاثير ثقافيا وسياسيا في المجتمع الغابوني.
هناك عامل آخر يساهم في ضعف التأطير الثقافي والسياسي في المجتمع الغابوني وهو الطبيعة المغلقة لا مجتمعات القبلية المحلية. ومع تفشي ظاهرة استهلاك الكحول بشكل وبائي متغلغل في أوساط السكان، إذ يعرف الغابون أكبر معدلات استهلاك الكحول للفرد في العالم، إلى جانب انخفاض المستوى التعليمي العام والفساد السياسي والمالي، كل هذا أبقى البلد في حالة مزمنة من التفسخ والتفكك الاجتماعي.
من يقف وراء الانقلاب؟
تتسم ردود الافعال الفرنسية والامريكية والاوروبية وحتى الصينية حتى الان بنوع من السيولة وإن كانت تظهر رفضها للانقلاب وتطالب بالعودة إلى “النظام الدستوري” آو “النظام الطبيعي” حسب التعبير الصيني، بل تطرح نوعا من التبرير عندما تتحدث عن “عدم شفافية” الانتخابات الرئاسية” الاخيرة وهذه لغة غير معهودة.
تجدر الإشارة كذلك إلى آن جماعة الانقلاب كانت دائما جزءا لا يتجزأ من النخب المستفيدة على عهد الرئيس السابق وابنه ولصيقة به وتلقوا تكوينهم وتدريبهم على يد الفرنسيين.
في نفس الوقت يوجد للامريكيين وجود عسكري في الغابون، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتوافق مع الفرنسيين وهذا وضع غريب، ودون أن تعرف مبررات هذا الوجود في هذا البلد، وهو واحد من اثنين وخمسين بلدا أفريقيا تتواجد فيه قوات “أفريكوم” الامريكية.
وبالنظر إلى كل المعطيات السابقة وإلى ثروات الغابون المتنوعة الضخمة يوجد أكثر من احتمال:
– أن تكون فرنسا وراء الانقلاب لتغيير الوجوه في السلطة بعد استهلاك الوجوه القديمة وساءت سمعتها إلى الحضيض داخليا، وبعد أن زادت الكراهية لفرنسا في أوساط الغابونيين، وفي جميع الحالات تبقى السيطرة الفرنسية على اوضاع البلد قوية جدا وتتحكم في كل القطاعات.
– أن يكون انقلابا من داخل القصر طمعا في السلطة ليس إلا مع البقاء على الولاء لفرنسا.
– أن يكون الامريكيون قد نجحوا في اختراق الحرس الجمهوري والجيش الغابوني للحلول محل فرنسا في السيطرة على ثروات البلد. هذا السيناريو ليس مستبعدا لأن الامريكيين لم يخفوا هذا الهدف ليس في الغابون فقط بل في كل البلدان الافريقية التي استعمرتها فرنسا. لقد سبق لمادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة وكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية سبقا كذلك ومسؤولون امريكيون كبارا عدة أن عبروا صراحة عن مناهضتهم للنفوذ الفرنسي في افريقيا وحرصهم الشديد على الحلول محلها ولم تتردد امريكا في توجيه ضربات تحت الحزام لفرنسا في أكثر من موقع ومناسبة.
–في توجيه ضربات تحت الحزام لفرنسا في أكثر من موقع ومناسبة.
– في جميع الحالات، وفي اغلب البلدان الافريقية، تجري صراعات متوحشة بين الشركات العابرة للقارات الامريكية والاوروبية للسيطرة على مقدراتها مع إبقاء بلدانها في التخلف وإغراقها في الصراعات الداخلية، وما الانقلابات وتغيير الوجوه في السلطة سوى واجهات.
(يتبع؛ الاسلام في الغابون)





