ذ. محمد الحبيب الدكالي
قدر الله سبحانه لي أن أعيش في هذا البلد أربع سنوات (1989-1992) ثم زيارات أخرى لاحقا، وكانت هذه السنوات الأربع في الغابون بداية عملي في القارة على مدى اثنين وعشرين عاما. فقد تم تعيني من طرف منظمة “العون المباشر” (Direct Aid) 1 كمدير لمكتبها هناك، وكانت مهمتي تتمثل في إدارة العلاقات مع الجهات الحكومية المعنية بمقتضى اتفاقية موقعة مع وزارةالخارجية الغابونية، وتنفيذ مشروع بناء وإدارة مدرسة ثانوية بمرافقها (سكن داخلي ومطعم ومختبر ومكتبة ومواقف سيارات ومساحات خضراء) وثلاثة مساجد أحدها في المركز التعليمي في العاصمة وثانٍ في بلدة لامابريني (Lambaréné) وثالث في بلدة مويلا (Mouila) التي تبعد 500 كلم عن العاصمة. وسيكون لهذه الثانوية التي بدأ تشغيلها سنة 1992 قصة. وقد أتاحت لي هذه التجربة الاطلاع المباشر على أوضاع بلدان غرب أفريقيا الاستوائية، وعلى أوضاع حركة الإسلام والمسلمين في هذه المنطقة.
تاريخيا وجغرافيا، توقف انتشار الإسلام منذ أواخر القرن 16 على مشارف غرب الغابة الاستوائية الكبرى بسبب كثافة الغابات المطيرة، بينما استأنف انتشارة شرقيّ وجنوب شرقيّ خط الاستواء بدون توقف إلى الآن في تانزانيا ومدغشقر وشمال موزمبيق، وهذا عائد إلى دور الإمارات الإسلامية التي أسسها اليمنيون والحضارمة منذ القرن الهجري الأول، ولكون المناطق الاستوائية شرقيّ القارة هي أقل كثافة بكثير من غربيّها في القارة.
الاستعمار يخدم الإسلام رغم أنفه
عنوان صادم طبعا، ولكنها حقيقة تاريخية وجغرافية واجتماعية صلبة!! لقد كتب العلاّمة الأنثروبولوجي والمؤرخ الفذّ فانسان مونتاي Vincent Monteil رحمه الله (1913-2005) 2 في كتابه “الإسلام الأسود” (L’Islam noire) (فهو يميز بين ثلاث كتل كبرى في الأمة وهي الإسلام العربي والإسلام الأفريقي والإسلام الآسيوي فلكل واحد منها خصائصه الحضارية والثقافية والاجتماعية)، كتب ما يلي: ” الإسلام دين في حالة توسع كبير” (L’Islam est une religion en pleine expention). وهذا ما رأيته بعيني رأسي في القارة 3. لقد اضطر الاستعمار الفرنسي إلى ابتعاث موظفين من السنغال ومالي والنيجر وتشاد وغينيا (كوناكري)، ممن تم تكوينهم تكوينا متوسطا في مدرسة خاصة أسسها لهذا الغرض في مدينة سان لوي (Saint Louis) للاستعانة بهم في إداراته المحلية، ومنهم موسى تراوري (مالي) وليوبولد سيدار سنغور (السنغال) وهوفويت بوانيي (ساحل العاج) الذين أصبحوا رؤساء لهذه الدول فيما بعد. ثم ابتعث الفرنسيون بعضا من خريجي هذه المدرسة ومن الإدارات المحلية المحليين، إلى بلدان غرب أفريقيا الاستوائية. أغلب هؤلاء كانوا مسلمين وكانت هذه هي الشرارة الأولى للوجود الإسلامي هناك، والكلام هنا عن الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، التي وصل عبرها الإسلام إلى بلدان غرب أفريقيا الاستوائية. لكن تأثيرات هذا الابتعاث كان محدودا جدا لم يتعدّ إسلام الأفراد.
الشرارة القادحة الحقيقية للانتشار السريع نسبيا للإسلام ستبدأ بعد “استقلال” بلدان تلك المنطقة في الستينات والسبعينات الماضية، فقد احتاجت تلك البلدان المستقلة حديثا إلى معلمين وموظفين وعمال وحرفيين.. فالفرنسيون كانوا حريصين تماما على عدم إعطاء أية فرصة لأبناء تلك البلدان أية فرصة للتعليم إلا في حدود ضيقة للغاية، بينما كانت البلدان الأفريقية المسلمة وريثة لحضارة إسلامية عريقة لم يستطع الاستعمار الفرنسي أن يحول دون ظهور فئات متعلمة وإن كانت قليلة نسبيا.
بدأت هجرات جاليات مسلمة – من جميع بلدان الساحل وغرب أفريقيا (ساحل العاج، توغو، بنين) ومن قبائل الهوسا (Hawsa) جنوب النيجر وشمال نيجيريا وشمال الكاميرون وهي مناطق إسلامية- إلى أفريقيا الوسطى والغابون والكونغو بشقيه ورواندا وبوروندي طلبا للرزق. لقد كانت دائما هناك حركات انتقال للسكان من وبين قبائل مختلفة في بلدان الحزام الإسلامي الكبير في الاتجاهين من الشرق إلى الغرب وبالعكس، وإلى بلدان غرب أفريقيا، أتاحها انفتاح الحدود بين الممالك والإمارات الإسلامية منذ أزيد من ألف عام، ووحدة الدين والمصاهرات بين القبائل المسلمة في تلك المناطق الشاسعة التي تمتد من البحر الأحمر إلى الواجهة الأطلسية.
لقد احتاجت بلدان غرب أفريقيا الاستوائية بعد الاستقلال إلى الانتقال من حالة المجتمعات المحلية الصرفة التي بقيت على أوضاعها الثقافية والاجتماعية التقليدية المنغلقة على ذاتها بالكامل حتى غداة الاستقلال، إلى إدارة وتعليم وتجارة وخدمات مهن صغيرة..إلخ، فكانت هجرات تلك الجاليات المسلمة، ومن غير المسلمين، التي حملت معها ما أسميه “الإسلام السوسيولوجي” إلى تلك البلدان الاستوائية، وقد افردت لهذه فصلا تحت هذا العنوان في كتابي المشار إليه أدناه. لقد توسعت ظاهرة الأسلمة هناك بالمعايشة والمخالطة لأهالي تلك البلدان عبر ديناميكية اجتماعية/ثقافية ما فتأت تتوسع خلال الخمسين سنة الماضية.
كان هذا استطرادا ضروريا قبل الحديث عن الإسلام في الغابون. ومع أن هذا البلد عرف نفس ظاهرة “الإسلام السوسيولوجي”، إلا أن السياسات الفرنسية تجاه هذه الظاهرة في الغابون تميزت بأساليب مباشرة للقضاء عليها أكبر وأحدّ من مثيلاتها في البلدان الأفريقية المسلمة الأخرى، ووصلت إلى حد الخنق الحقيقي نظرا لطبيعة الأوضاع الخاصة في الغابون السكانية والاجتماعية
حالة الغابون حالة فريدة لفهم المدى الذي يمكن أن تصل إليه سياسات فرنسا للإبقاء على سيطرتها المطلقة في مستعمراتها السابقة. فالغابون هو البلد هو الوحيد من بين تلك البلدان الذي يحتاج فيه المقيم الأجنبي إلى تأشيرة خروج، فضلا عن تأشيرة الدخول وهي بالغة الصعوبة، عندما يرغب في مغادرة البلد سواء كان بصفة نهائية أو مؤقتة. هذا مؤشر يعطينا فكرة أخرى كذلك عن درجة تحكم الفرنسيين في البلد دخولا إليه أو خروجا منه، فهم حريصون تماما على ألا يستقبل البلد موجات هجرة يمكن أن تؤثر على الطابع الديموغرافي والاجتماعي والثقافي للسكان الأصليين وهم أصلا لم يتعدوا حوالي المليون في نهاية الثمانينات الماضية. وبالنظر إلى المعطيات السكانية والاجتماعية المذكورة في المقالة الأولى، بقيت فرنسا تنظر دايما بحذر شديد لحجم الجاليات الأفريقية الوافدة وهي في غالبتها مسلمة.
لكن الواقع يفرض نفسه دائما، فالبلد في حاجة إلى اليد العاملة في المهن والحرف الصغيرة، وإلى التجارة الصغيرة، وإلى المدرسين في مختلف مراحل التعليم..إلخ، وبحكم غنى البلد الكبير بالموارد الطبيعية والنسبة العالية للدخل الفردي، إسميا لأن غالبية الغابونيين يعيشون في الفقر، (8820 دولار للفرد سنة 2022 حسب البنك الدولي)، تزايدت نسب الوافدين طلبا للرزق إلى البلد، رغم القيود الصارمة، منذ أوائل الستينات من القرن الماضي لكن بوتيرة ضعيفة تزايدت نسبيا في الثمانينات.
وبشكل عام تخصص السينغاليون والتشاديون في التجارة الصغيرة، والماليون في النجارة والبناء مثلا، وهكذا.. كما وفد مئات من المدرسين من بلدان الساحل وغرب أفريقيا، ونسبة كبيرة من كل هؤلاء استقدموا عائلاتهم في إقامات طويلة. لقد وجد الغابونيون أنفسهم في خصاص كبير في كل هذه الحرف والمهن، بينما امتصت الوظائف في الإدارة والجيش والشرطة نسبا معينة من أبناء البلد.
الجاليات المسلمة الوافدة تعمل وبشكل تلقائي وبحرص شديد على الحفاظ على هويتها الإسلامية بكل السبل المتاحة عبر بناء المساجد الصغيرة (طوب + قصدير) في الأحياء التي يقطنون بها، وكتاتيب لتحفيظ القرآن، وصلاة الجمعة والاحتفاء بصوم رمضان والأعياد. وبشكل تلقائي كذلك يظهر الدور الاجتماعي لأئمة تلك المساجد في أوساط الجاليات، وينشط الدعاة من أفراد الجاليات الذين يجتهدون للتحدث بالفرنسية ومنهم من جماعة التبليغ، كما تصل بعض المطبوعات الإسلامية باللغة الفرنسية إلى البلد. هكذا ينتظم العمل الجماعي التلقائي للمسلمين الوافدين الأفارقة للحفاظ على هويتهم. ومع كونهم تجار وحرفيين صغار في غالبيتهم، إلا أن مستويات التضامن والاحترام بينهم عالية، مع تعدد بلدانهم وانتماءاتهم القبلية، ويساهمون جماعيا في تغطية تكاليف بناء المساجد الصغيرة والكتاتيب القرآنية. وبشكل عام، الأفارقة المسلمون عامة معروفون بتعظيم شعائر الله وتعلقهم الشديد بالإسلام واللغة العربية عندهم مقدسة كونها لغة القرآن الكريم.
الاندماج الاجتماعي مع الغابونيين يبقى محدودا عبر الزيجات مثلا، لكن علاقاتهم مع أبناء البلد في الأحياء التي يتواجدون فيها معهم يطبعها الود، ومع ذلك تنتشر بين الغابونيين صورة سلبية غامضة عن الإسلام والمسلمين بفعل الدعاية المعادية التي تنشرها عنهم بعض الأوساط المسيحية في البلد والإعلام الفرنسي. في نفس الوقت يشعر الغابونيون الذين يعايشون المسلمين بنوع من الإعجاب بهم عندما يلاحظون روح التضامن فيما بينهم، وطريقة استعدادهم للصلاة بالوضوء، وانتظامهم للصلاة ودور الأئمة وهم في العادة من حفظة القرآن الكريم. كما يتعجبون من صبرهم على الجوع في شهر رمضان وما يلمسونه من أجواء روحانية لديهم، ويبلغ الإعجاب ذروته في العيدين عندما يلاحظون الفرح الجماعي للمسلمين وحرصهم على النظافة ولبس أحسن ما لديهم من ثياب، رجالا ونساء وأطفالا، وبصلاة العيد التي يتجمع فيها المسلمون في مكان عام مفتوح وهم يكبرون ويهللون ثم تفرقهم في الشوارع والأزقة وهم يتعانقون ويهنئ بعضهم بعضا، كما يحرص المسلمون على إهداء بعض الطعام والحلويات البسيطة لجيرانهم من أبناء البلد.
هذا “الإسلام السوسيولوجي” يدفع بعض الغابونيين خاصة الشباب منهم للانفتاح أكثر على المسلمين للتعرف على دينهم، ومقابل عقيدة التثليث، يستجيب العقل والفطرة عندهم للتوحيد، ويصبح الأمر مشوقا ومثيرا للاهتمام أن يتعرفوا أكثر على الإسلام وشعائره وأخلاقه، فينطقون بالشهادة في مسجد ما أمام الإمام والمصلين الذين يرددون التكبير ويعانقون المسلم الجديد ويهنؤونه ويعلمونه الوضوء والصلاة وبعض قصار السور. مثل هذه الحالات تتكرر كثيرا إلى حد ما، لكن بسبب عدم وجود تأطير لهؤلاء المسلمين الجدد يجعلهم عرضة لفقد التزامهم بالصلاة مثلا، وكذلك الضعف أمام المناخ الاجتماعي والأخلاقي الذي يتسم بقدر كبير من التفسخ. قليل من المسلمين الجدد ومعظمهم من الشباب من يثبت خاصة إذا وقعت بين يديه بعض الكتب عن الإسلامية أو حاولوا الالتئام في مجموعة صغيرة للتعاون بينهم بدعم من بعض الدعاة. أتذكر حالة مؤثرة لسيدة غابونية أسلمت وحسن إسلامها مع أولادها اليافعين، عرفت بلقب “ماما سعادة”، جعلت من بيتها في حي “سيتي روز” قبلة يلتئم فيها شباب يافعين غابونيين لحفظ ما يتيسر من القرأن الكريم وتعلّم قدر من السيرة الشريفة ومبادئ الإسلام والصلاة جماعة، كانت سيدة غاية في الطيبة، لكن مثل هذه الحالات كانت قليلة جدا.
تجت المجهر
تشير عدد من المعطيات إلى أن حركة انتشار الإسلام بين الغابونيين اليوم تعرف انحسارا كبيرا بعد هبّة أولى في التسعينات الماضية نظرا للمعطيات المذكورة آنفا، وأيضا وبشكل خاص لسياسات الخنق المتبعة بطريقة منهجية، لكن هذا لا يحول دون استمرار حالات إسلام أفراد. في جميع الأحوال، بقي ويبقى موضوع حركة الإسلام محل متابعة دقيقة من طرف جهات محلية تحت إشراف السفارة الفرنسية في البلد، وفي كل البلدان المستعمرة سابقا التي توجد فيها أقليات مسلمة كبيرة كساحل العاج وتوغو وبنين والكامرون وفي البلدان المجاورة أو القريبة التي تعيش فيها أقليات مسلمة محلية ووافدة كالكونغو برازافيل والكونغو الديموقراطي ورواندا وبوروندي، وأيضا في البلدان المسلمة التي تقترب نسبة المسلمين فيها من مائة في المائة أي بلدان الساحل من تشاد إلى غينيا كوناكري.
فبعد “استقلال” كل هذه الدول التي نشأت وفق تقسيمات حدودية لم تكن موجودة قبل المرحلة الاستعمارية فقطعت أرحام القبائل تقطيعا، أسست الإدارة الفرنسية “مجالس إسلامية” (conseils islamiques)تظل موجودة وثابتة مهما تغيرت الحكومات، يعين عليها رئيس ومجلس يضم بعض أعيان المجتمع وبعض الأئمة. مهمة هذه المجالس “تنظيم” الأنشطة الدينية كتعيين أئمة في المساجد الكبيرة، وتزويد “من يهمه الأمر” بتقارير منتظمة أو طارئة عن تلك الأنشطة. بالنسبة للغابون هناك “المجلس الإسلامي الأعلى للغابون” (Haut conseil islamique du Gabon)، وتشمل مهمته الإشراف والمتابعة للأنشطة الدينية والدعوية في أوساط الجاليات المسلمة الوافدة، وبشكل خاص الغابونيين الذين اعتنقوا الإسلام ولهم أنشطة ما. أتذكر أن رئيس ذلك المجلس الذي كنت أزوره في بعض المناسبات كان يحمل في عنقه سلسلة ذهبية عليها صليب. معظم كبار المسؤولين من عائلة الرئيس السابق عمر بونغو أو المقربين منه صاروا مسلمين بالإسم من باب المجاراة ليس إلّا. وفي واقع الأمر لم يكن هناك تحجير على الأنشطة الدينية والدعوية طالما انحصرت في الجاليات الوافدة، لكن الأمر يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بالغابونيين.
لقد اتبعت السلطات الغابونية عبر “المجلس الإسلامي الأعلى للغابون” الذي كان يعمل تحت إشراف مباشر للرئيس المطاح به علي بونغو منذ عهد أبيه، سياسة الاستقطاب بالضغط والإغراء بالتوظيف لعدد من الشبان الغابونيين الذين أسلموا، للسيطرة على أنشطتهم الدعوية والتحكم فيها. وقد نجحت هذه السياسة إلى حد كبير في تحييد دورهم بشكل كامل.
ثانوية لتفريخ الأصولية والتطرف
بالعودة إلى مشروع الثانوية، فقد كان الهدف منه تأمين تعليم لائق لأبناء المسلمين الغابونيين والمسلمين الوافدين وللتلاميذ من غير المسلمين وهؤلاء الأخيرين شكّلوا 88 % من مجموع التلاميذ في السنة الدراسية الأولى (1992-1993) بينما لم تتعدّ نسبة التلاميذ الغابونيين المسلمين حوالي 6%، لكن نسبة هذه الفئة الأخيرة بدأت ترتفع بشكل واضح خلال السنوات الأربع التالية.
أتذكر أن وكيل وزارة التعليم قال لي بإعجاب، و هو يتأمل في المشروع بإعجاب: “هذه جوهرة(Mais c’est un bijoux!) ، فقد تم استيراد تجهيزات حديثة للمختبر والمكتبة من فرنسا وتجهيزات مطبخ القسم الداخلي من إيطاليا وتجهيزات الفصول الدراسية والإدارة ومهاجع القسم الداخلي من المغرب، مع مساحات خضراء واسعة و جميلة و ممرات داخلية و موقف للسيارات .
بقيت مسألة الاعتراف الرسمي بالثانوية، فنظرا لوجود مقررات للغة العربية و التربية الإسلامية لفائدة التلاميذ المسلمين، إلى جانب المقررات الرسمية لوزارة التربية الغابونية، فقد كانت الصيغة المناسبة هي الاعتراف بها كمؤسسة ذات وضع خاص على غرار المدارس الكاثوليكية والبروتستانية و يعرف هذا النظام التعليمي هناك بـ “التعليم الخاص للطوائف” (Enseignement prive confessionnel) وهو نظام منتشر عبر العالم. كانت الإحصائيات تشير في ذلك الوقت إلى أن حوالي 50 % من مجموع المؤسسات التعليمية الابتدائية و المتوسطة و الثانوية في الغابون تعود للبعثات الكنسية الكاثوليكية والبروتستانتية وأكثر من هذه النسبة من أعداد التلاميذ، وتستفيد من دعم الدولة بنسب عالية لتغطية التكاليف. و في الحقيقة هذه هي الوضعية السائدة في القطاع التعليمي في عموم البلدان الأفريقية الاستوائية التي استعمرتها فرنسا وبلجيكا، وجميع النّخب المثقفة والقيادات السياسية والمسؤولون في مؤسسات الدولة على اختلاف مستوياتها و القضاة والإعلاميين وغيرهم ممن تابعوا تعليمهم في هذه المؤسسات المسيحية التابعة للإرساليات التنصيرية.
وقبل التطرق إلى موضوع الاعتراف الرسمي بالمؤسسة، أتذكر حادثة ذات دلالات. استدعيت مرة إلى القصر الجمهوري في مناسبة رسمية، وكان إلى جواري على الطاولة سفير إسبانيا الذي تجابت معه أطراف الحديث وعرّفته على صفتي وأخبرته عن مشروع الثانوية، فقال لي: أعرف أعرف. أدركت لحظتها أن هذا المشروع كان محل اهتمام من طرف السفارات الغربية..
ذهبت إلى وزارة التربية وطلبت مقابلة وكيل الوزارة وطرحت معه موضوع الاعتراف بالمؤسسة فقال لي: يجب أن تقابل مستشار الوزير. دلّوني على مكتبه فطرقت الباب ودخلت، فكان المستشار العتيد فرنسيا. عرّفته بموضوع الزيارة واستفسرته عن الإجراءات المتعلقة بالترخيص القانوني. كان استقباله لي باردا جدا ثم سألني: هل يتعلق الأمر بمدرسة قرآنية؟ فأجبته: كلا، بل بمؤسسة خاصة طائفية. لن أنسى أبدا كيف تَمَعّر وجهه وبدت عليه الصدمة. فقال لي وهو يكتم حنقه أن عليّ أن أتابع الموضوع مع مسؤولي الوزارة.
تأكدت ساعتها أن مشروع الثانوية غير مرحب به بالمرة من طرف الفرنسيين وأدركت أن مشروعا من هذا النوع يمثل بالنسبة لهم منافسة بل تحديا للنظام التعليمي الذي يشرفون عليه و يوجهونه حسب أهدافهم ومصالحهم، وهذا موقف طبيعي على أية حال. فبالنسبة للفرنسيين لا مشكلة إذا كان الأمر يتعلق بمدرسة إسلامية صرفه تقدم خدماتها لأبناء المسلمين فقط، فهذا لن يتيح لهم الالتحاق بالجامعة والحصول على شهادات تتيح لهم الالتحاق بالجامعات ثم بالوظائف، أي التأثير في مستقبل البلد. أما أن تكون هناك ثانوية تدرّس المقررات الرسمية بالفرنسية إضافة إلى مقرر اللغة العربية والتربية الإسلامية، فهذا كابوس حقيقي، لأن البلد قليل السكان، ولا يمكن للفرنسيين أن يتحملوا ظهور جيل مسلم متعلّم، ولا شك أن ذلك المستشار كان يفكر في المستقبل وليس في الأجل المنظور.
بعد مفاوضات شاقة مع مسؤولي الوزارة، كان يحضرها ممثلون عن القطاع التعليمي الكاثوليكي و البروتستانتي كذلك (!)، تمت الموافقة على الاعتراف الرسمي بالثانوية التي بدأت نشاطها التعليمي. ما لفت الانتباه كان إقبال مسؤولين كبار على تسجيل أبناءهم و بناتهم في الثانوية، وفاق الإقبال عليها التوقعات سواء من الأحياء القريبة أو البعيدة في العاصمة. وتم افتتاح الموسم الدراسي 1992-1993 في حفل كبير حيث جاءت طائرة خاصة من الكويت تقلّ وفدا من مسؤولي “العون المباشر” و مسؤولين من منظمات إنسانية خليجية وعدد من كبار المتبرعين للعمل الخيري.
كان هناك حرص كبير من طاقم الإدارة والتدريس وكان من ضمنهم مجموعة من خريجي الجامعات المغربية وأساتذة مسلمون من الجاليات الوافدة، على تقديم أفضل الخدمات التعليمية الممكنة. وفي السنة الموالية، وبسبب حرص كثير من التلاميذ من الجنسين على حضور دروس التربية الإسلامية التي كانت اختيارية بالنسبة إليهم مع شرط موافقة أولياء أمورهم، بدأت ظاهرة اعتناق الإسلام في صفوف التلاميذ والتلميذات، و ما أن مرت سنتان حتى كان العشرات من التلاميذ خاصة في المرحلة الثانوية قد اعتنقوا الإسلام وبدأوا يصلّون في مسجد الثانوية وانتشر الحجاب بين الطالبات اللواتي اعتنقن الإسلام.
و في السنة الرابعة من عمر الثانوية، حدث ما لم يكن في الحسبان. ففي زيارة سريعة للعاصمة قام بها وزير الداخلية الفرنسي آنذاك شارل باسكوا (Charles Pasqua) وهو من عُتاة أصحاب العقلية الاستعمارية واشتغل طويلا على ملفات الصحوة الإسلامية في عدد من البلدان العربية، صرح في المطار عند عودته خلال لقاء له مع وسائل الإعلام، محذرا من “المنظمات التي تتستر وراء التعليم لنشر الأصولية والتطرف..”. كان أول قرار صدر عن وزيرة التعليم في اليوم التالي لزيارته مباشرة، منع الحجاب على التلميذات اللواتي اعتنقن الإسلام، ثم سلسلة من الإجراءات كتغيير مدير الثانوية (من مالي) وكان صاحب كفاءة وخبرة ونقل مدرس التربية الإسلامية (من الكامرون) وكان داعية معروف بحكمته وإتقانه اللغة الفرنسية إلى بلدة في أقصى الشمال.
ومنذ ذلك الحدث، بدأت الضغوط والمحاولات تتوالى لانتزاع اختصاص “العون المباشر” في إدارة الثانوية كمؤسسة خاصة، فقررت منظمة “العون المباشر” عندها عرض القضية على الرئيس بونغو مباشرة، فجاء وفد من مجلس الإدارة يرأسه د. عبد الحمن السميط رحمه الله ود. إبراهيم الشاهين ود. أحمد المحيلان وكنت رابعهم. استقبلنا الرئيس في مكتبه الواسع الفاخر، وبعد المجاملات عرض مسؤولو المنظمة على الرئيس بونغو المشكلة فأجاب بأن هذا الإجراء غير جائز وأن المؤسسة تابعة للمنظمة من الناحية القانونية، ووعد بتوجيه رسالة إلى وزيرة التعليم حول الموضوع، ووجه فعليا رسالة موقعة منه شخصيا وتوصلنا بنسخة منها، للتأكيد على الطابع القانوني الخاص للمؤسسة وأحقية “العون المباشر” في إدارتها. مع ذلك لم تتوقف الإجراءات الهادفة إلى مصادرة الثانوية. وبعد سنتين كان الموضوع قد انتهى وتمت سيطرة جماعة “المجلس الإسلامي الأعلى للغابون” على المؤسسة لكن بدون أية إجراءات رسمية معلنة، وهذا ما دعا إلى انسحاب المنظمة من الغابون نهائيا سنة 1997.
1. أسسها سنة 1981 د. عبد الرحمن السّميط رحمه الله، وهو طبيب كويتي متخصص في الأمراض الباطنية تخرج من كلية الطب في بغداد ثم من جامعة Mc Guill في كندا، وابتداء من تاريخ التأسيس تفرغ للعمل بالكامل في أفريقيا حتى وفاته.
2. أعلن إسلامه سنة 1975 في موريتانيا وسمى نفسه المنتصر بالله الشافعي، وهو من أعظم الخبراء في الغرب في دراسة تاريخ الإسلام وواقعه المعاصر في أفريقيا وآسيا الوسطى وله مؤلفات عديدة في هذا المجال وغيره، ويحظى بتقدير بالغ في الأوساط البحثية الغربية المتخصصة، وقد اطلعت على رسالة وجهها له الجنرال ديغول مرة يخاطبه فيها باحترام كبير. كان خصما شرسا للصهيونية وإسرائيل وله صولات في مواجهتهما ولحقه كثير من الأذى بسبب مواقفه هذه. انتقل إلى جوار ربه سنة وسط تجاهل تام من طرف المثقفين والباحثين العرب.
3. تناولت هذه الظاهرة بنوع من التفصيل في كتاب سيصدر قريبا بعون الله في جزأين عنوانه “أفريقيا التي رأيت، قارة المعذبين في الأرض”.





