ذ.محمد الدكالي
صدمني وصف لأحد المشاركين في لقاء أسبوعي تحليلي جماعي تبثه قناة عربية في لندن معروفة بجديتها وبقربها من الاتجاه الإسلامي، عندما اعتبر أن مبادرة دولة جنوب أفريقيا التاريخية برفع دعوى ضد الكيان الصهيوني بأنه “ردّ للجميل” على مواقف العرب الداعم لحركة التحرر في جنوب أفريقيا ضد نظام بريطوريا العنصري وصولا إلى الاستقلال. لا يجوز لنا كعرب أن نوصّف الأمر بهذا الشكل لأن دعمنا لنضال شعب جنوب أغريقيا أو فييتنام أو في أي مكان لم يكن إلا واجبا أخلاقيا وسياسيا، ولا هو يليق بالقيمة السامقة لمبادرة قادة جمهورية حنوب أفريقيا بجرّ الكيان النازي لآول مرة في تاريخه الطويل الأسود أمام محكمة العدل الدولية.
ابتداء يجب أن ننتبه إلى أن هذا القرار المبادرة، تطلّب شجاعة سياسية نادرة في عالم العلاقات الدولية من طرف دولة “أفريقية نامية”، في وجه النظام الفرعوني العولمي بقيادة أمريكا، وهو يعكس في نفس الوقت التزاما أخلاقيا وإنسانيا مثاليا من طرف هذا البلد الأفريقي، ويعكس أيضا الاقتدار القانوني المهني عالي المستوى في تقديم الدعوى ضد الكيان الصهيوني. في نفس الوقت يدرك قادة دولة جنوب أفريقيا وبرلمانها الذي صادق على طرد سفير الكيان وإغلاق سفارته، أن هذه المواقف والقرار المبادرة يضع دولة جنوب أفريقيا في موقف مواجهة سياسية حقيقية تجاه أمريكا وإسرائيل وحلفاءهم الأوروبيين، وهذه وضعية ستدفع مقابلها هذه الدولة الشجاعة ثمنا سياسيا وربما اقتصاديا كبيرا.
قادة دولة جنوب أفريقيا كتبوا لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، فصلا جديدا لإعادة كتابة هذا التاريخ بمرجعية أخلاقية عليا بمنطق قوة الحق وليس بسطوة القوة الجامحة الظالمة التي يتعامل بها الغرب مع الأمم الأخرى، ولإعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني بشكل صحيح وصارم مناصرة ودعما ونصرة لغزة وللفلسطينيين ولحقهم في دولتهم المستقلة عاصمتها القدس الشرقية بلغة لا لفّ فيها ولا دوران، وهذا القانون نفسه في جوهره يتأسس على مرجعية أخلاقية فطرية قبل أن يكون أحكاما تقنية باردة، فلطالما بقي ألعوبة تستخدم مصطلحاته بالزور والنفاق في محافل السياسة الدولية من طرف النظام الفرعوني العولمي.
دولة جنوب أفريقيا أهدت بدورها الشجاع نصرا عظيما غير متوقع ولا يقدر بثمن للشعب الفلسطيني وللمقاومة على المستوى العالمي، شعوبا ودولا وبشكل خاص على مستوى المؤسسات الدولية المستعصية، وفاء من قادتها لتعهداتهم بنصرة قضية فلسطين بعد زيارة خالد مشعل في أبريل 2015 بدعوة رسمية من الرئيس جاكوب زوما دامت ثلاثة أيام وقعا خلالها على اتفاقيات للتعاون، وتخللتها مسيرات حاشدة في كبريات مدن جنوب أفريقيا.
قدم الفريق القانوني الجنوب أفريقي مدعوما بفريق كبير من الخبراء الدوليين المناصرين لحقوق الشعب الفلسطيني، مرافعة تاريخية بعريضة دعوى في منتهى الإحكام القانوني بإجماع الخبراء الكبار في العالم، وهي وثيقة قانونية مرجعية فريدة من نوعها يشاء القدر أن يكون عنوانها “غزة”، وستبقى هذه الوثيقة الفذة مرجعا اساسيا في فهم القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني.
أيّا يكن قرار محكمة العدل الدولية، فمجرد جرجرة الكيان الصهيوني أمامها هو إذلال حقيقي لدولة الفصل العنصري النازية، وفيه خزي لم يسبق له مثيل لأمريكا التي انفردت وحيدة أمام العالم في محاولة وقحة لنفي صفة الإبادة الجماعية عن جرائم صنيعتها المسخ. إن تأثير مبادرة جنوب أفريقيا كبير على صلف الإدارة الأمريكية وحلفاءها الغربيين، كضربة مطرقة على الرأس، إلى الحد الذي سارع معه بلينكن بعد مرافعة الفريق القانوني لجنوب أفريقيا مباشرة إلى التصريح “بضرورة إيقاف الحرب في غزة في أسرع وقت”، وهو الموقف الذي لم تضطره إليه لا الجرائم الهائلة للكيان الصهيوني ولا المظاهرات العارمة التي اجتاحت العالم وخاصة في أمريكا نفسها، ولا المناصرة الكاسحة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في كل مكان. شجاعة القادة في جنوب افريقيا هي التي اضطرت الفرعون الأمريكي للتراجع بهذا الشكل المذلّ.
لنلق في الأخير نظرة على ردود الأفعال في العالمين العربي والإسلامي على مبادرة ومواقف جنوب أفريقيا حكومة وشعبا. شعبيا، أكبر العرب والمسلمون لهذا البلد الأفريقي العظيم قراره ومواقفه، وتداول الناس تفاصيله على نطاق واسع في وسائط التواصل الاجتماعي، وساهمت منظمات حقوقية عربية وإسلامية في التوعية النشطة بهذا الموقف التاريخي. لكن ما استوقفني هو موقف مؤسسة محترمة وهي “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، فقد جاء موقفها باهتا إلى حد ما ولم يرق إلى المستوى الذي يليق بمرجعية كتاب الله عز وجل في توجيهاته حول “الذين يأمرون الناس بالقسط” ومكانتهم، ولا إلى موقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من”حلف الفضول” ولا إلى مكانتها المفترضة !! فقد جاء وصف الاتحاد لميادرة ومواقف جنوب أفريقيا أقرب ما يكون إلى لغة الخشب كما يقال عندما وصفه بأنه “إيجابي” في بيانه بتاريخ 13/1/2024 أي بعد أسبوعين من تاريخ رفع جنوب أفريقيا لدعواها ضد الكيان الصهيوني في 29/12/2023 !!. لقد سبق أن قام وفد من علماء الاتحاد قبل بضع سنوات بزيارات لعدد من رؤساء الدول العربية، لم تكن سهلة بالمرة، في جهد محمود للتواصل معهم بالنصيحة حول ما يصلح أوضاع دولهم وشعوبهم وقضاياها الكبيرة دون أية نتيجة.. لا غرابة، ويبقى مثل هذا الجهد مقدرا في قيامهم بواجباتهم تجاه “أولي الأمر” العرب.
تمنيت لو سارع السادة العلماء المحترمون إلى ابتعاث وفد منهم لزيارة جنوب أفريقيا للشد على أيدي قادتها والتواصل مع شعبها المناضل للتعبير عن الامتنان لمواقفهم التاريخية بما يليق بتوجيهات القران الكريم والسنّة الشريفة وبما يناسب القيمة السامقة لمواقفهم، فسيكون هذا آكد وأكبر مفعا.





