معادلة السياسة الهجينة والتمويه الديمقراطي في المغرب: جدلية الأغلبية والمعارضة وغياب تدبير الخلاف
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
أزمة الديمقراطية التمثيلية في المغرب و عدم القدرة على تدبير الخلافات تحت القبة:
ننطلق من سؤال منهجي وجود: هل يمكن الحديث عن وجود أغلبية ومعارضة حقيقيتين في المغرب، أم أن المشهد السياسي تحكمه توازنات هشة تجعل من هذين المفهومين مجرد أدوات وآليات ظرفيّة تخدم المصالح السياسيّة؟
يبدو أن الاصطفاف التقليدي بين من يحكم ومن يعارض لم يعد قائمًا، بحيث باتت الممارسات السياسية تُظهر معارضة داخل الأغلبية وموالاة داخل المعارضة، في مشهد يفرغ الديمقراطية من محتواها وجوهرها.
إن هذه الوضعية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام أزمة نخب سياسيّة غير قادرة على تحمل مسؤولية إدارة وتدبير الشأن العام، أم أن الأمر يعكس بنية سياسيّة مغلقة لا تسمح بممارسة سياسيّة فعليّة قائمة على قواعد واضحة؟
– تناقضات الأغلبية الحكومية: معارضة من الداخل:
في الأنظمة الديمقراطية المستقرة، تعمل الأغلبية الحاكمة بانسجام لتنفيذ برنامجها السياسي، بينما تتولى المعارضة مراقبة الأداء الحكومي وتقديم البدائل. إلا أن الوضع في المغرب يكشف عن مشهد مختلف، حيث نجد داخل الأغلبية الحكومية أصواتًا معارضة تعرقل وتشوش على العمل الحكومي بدل دعمه.
ومن الأمثلة من الواقع السياسي المغربي؛ يمكن استحضار ثلاث مواقف:
1. الخلافات داخل الحكومة: حيث شهدت الحكومات المغربية المتعاقبة حالات انقسام حادة بين مكوناتها، كما هو الحال في الحكومة الحاليّة، فقد صرحت بعض الأحزاب المشكلة للأغلبية بأن دعمها لرئيس الحكومة ليس “شيكًا على بياض”، مما يعكس هشاشة التحالفات الحكومية.
2. تأخر المصادقة على القوانين: العديد من مشاريع القوانين تظل حبيسة البرلمان بسبب عدم توافق الأغلبية نفسها حولها، مما يضعف العمل التشريعي ويؤخر الإصلاحات.
3. الصراعات داخل المجالس المنتخبة: في المجالس الترابيّة الجهوية والعمالات والأقاليم والجماعات، تتكرر حالات عرقلة المصادقة على قرارات حيوية ومصيرية بسبب خلافات بين أعضاء ينتمون إلى نفس الأغلبية.
السؤال الجوهري: كيف يمكن لحكومة أن تحقق أهدافها في ظل معارضة تأتي من داخلها؟ وما مدى تأثير هذه الانقسامات على ثقة المواطن في المؤسسات؟
– المعارضة الهجينة: غياب الوضوح الأيديولوجي:
إذا كانت المعارضة تمثل في العادة بديلاً سياسيًا، فإن المشهد المغربي يكشف عن معارضة غير متجانسة، تتحرك وفق منطق براغماتي أكثر منه مبدئي، حيث نجد بعض أحزاب المعارضة تصطف أحيانًا إلى جانب الحكومة، بينما تعارضها في قضايا أخرى، مما يفقدها مصداقيتها.
– من مظاهر المعارضة الهجينة، نجد:
* التحالفات غير المنسجمة: بعض الأحزاب التي كانت في المعارضة سابقًا، سرعان ما تغير مواقفها بمجرد وصولها إلى الحكومة، دون تقديم مبررات واضحة لهذا التحول.
* غياب بدائل حقيقية: بدلاً من تقديم رؤى وبرامج بديلة، تكتفي المعارضة غالبًا بالانتقاد دون اقتراح حلول عملية، مما يجعلها تلعب دورًا شكليًا أكثر منه جوهريًا.
* التوافقات البراغماتية: أحيانًا تتحد المعارضة مع الأغلبية في ملفات حساسة، مثل التصويت على قوانين تهم الامتيازات السياسية والاقتصادية، بينما تتبنى خطابًا نقديًا في قضايا أخرى أقل تأثيرًا.
السؤال الجوهري: هل يمكن للمعارضة أن تكون فاعلة في ظل غياب هوية سياسية واضحة؟ وكيف يؤثر ذلك على مبدأ التعددية الديمقراطية؟
– السيطرة المجهولة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً: من يحكم فعليًا؟
من بين الإشكاليات التي تطرحها الممارسة السياسيّة في المغرب، مسألة “السيطرة المجهولة”، أي غياب وضوح في تحديد مراكز اتخاذ القرار. فمن هم الفاعلون الحقيقيون الذين يوجهون السياسات العامة والعموميّة والقطاعية بالمغرب؟
– في تفكيك مفهوم السيطرة المجهولة نجد المصفوفة التاليّة:
* التداخل بين السياسي والاقتصادي: هناك مجموعات اقتصادية تمتلك نفوذًا واسعًا يؤثر على صنع القرار السياسي، سواء من خلال تمويل الحملات الانتخابية أو التحكم في مفاصل الاقتصاد الوطني.
* التأثير غير المباشر للمؤسسات غير المنتخبة: رغم أن الأحزاب السياسية تملك شرعية الانتخاب، إلا أن بعض القرارات الكبرى تُتخذ خارج دائرة المؤسسات المنتخبة، مما يقلص من هامش الفعل السياسي للأحزاب.
* النفوذ المحلي والزبونية السياسية: على مستوى الجماعات الترابية، يتحكم منطق الولاءات الشخصية والقبلية في توجيه القرارات، بدلًا من البرامج السياسية الواضحة.
السؤال الجوهري: إذا لم تكن السلطة بيد الأحزاب المنتخبة، فمن يتحكم فعلًا في مسار صنع القرار؟ وهل يمكن بناء ديمقراطية فعلية دون شفافية في توزيع النفوذ السياسي؟
– ما بين الفعل الديمقراطي واستراتيجية التمويه:
إن الفجوة بين الخطاب والممارسة في المشهد السياسي المغربي تعكس ما يمكن تسميته بـ”التمويه الديمقراطي”، حيث يتم الاحتفاظ بالشكل المؤسسي للديمقراطية (انتخابات، برلمان، تعددية حزبية)، بينما تظل الممارسة الحقيقية محكومة بتوازنات غير ديمقراطية.
– من مؤشرات التمويه الديمقراطي، نجد:
* الوعود الانتخابية غير المنفذة: تعِد الأحزاب السياسية الناخبين بإصلاحات كبرى، لكنها سرعان ما تصطدم بواقع سياسي يجعل تنفيذ هذه الوعود شبه مستحيل.
* هيمنة الخطاب الشعبوي: بدلًا من التركيز على السياسات العمومية، يعتمد العديد من الفاعلين السياسيين على إثارة العواطف واستغلال قضايا آنية لكسب التأييد الشعبي.
* إضعاف دور البرلمان: رغم أن البرلمان يمثل السلطة التشريعية، إلا أن دوره يظل محدودًا أمام قوى أخرى تتحكم في مسار السياسات العامة.
فهل يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي في ظل مؤسسات ضعيفة التأثير؟ وكيف يمكن تجاوز منطق التمويه نحو ديمقراطية أكثر مصداقية؟
خلاصة: نحو إعادة بناء الثقة السياسية:
إن واقع الأغلبية والمعارضة في المغرب يكشف عن إشكاليات أعمق تتعلق ببنية النظام السياسي نفسه، حيث لم تعد الممارسة السياسية تعكس صراعًا حقيقيًا بين مشاريع مجتمعية متباينة، بقدر ما أصبحت مجالًا للتفاوض بين الفاعلين السياسيين وفق منطق المصالح الظرفية.
لذلك يبقى السؤال المركزي: هل يمكن تجاوز هذه الأزمة عبر إصلاحات قانونية ومؤسساتية، أم أن المشكلة ترتبط بثقافة سياسية تحتاج إلى إعادة تشكيل؟ وهل يمكن تحقيق ديمقراطية فعليّة دون وضوح في مراكز اتخاذ القرار؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها ضرورية لفهم طبيعة النظام السياسي المغربي وإمكانيات تطوره نحو نموذج أكثر ديمقراطية وتمثيلية.





