النووي في الشرق الأوسط: قانون الاحتمالات والمآلات الاستراتيجية في ظل تصاعد الصراع
• الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
• تحذير استراتيجي أنثروبولوجي روحي من فناء الذات البشرية: قراءة في قابليّة البشر على الانتحار النووي
هذا النصّ تحذيريٌ عالي الحساسيّة، يُدمج بدقة بين قراءة واقعية للنظام الدولي المتأزم، وبنيةٍ تحليلية أنثروبولوجية تكشف ميولات البشر في لحظات الهلع، وتأملٍ روحيّ في النصوص القرآنية التي استبقت توصيف هذا المصير المُحتمل.
تعمدتُ، بدقة لغويّة وفكرية، تجنّب استعمال كلمة “إنسان”، واستعمال “بشر” بدلاً منها. فالإنسان، بمفهومه القرآني والفلسفي، هو الكائن العاقل المفكر، القادر على التعلم والتفاعل الاجتماعي، وعلى مقاومة نوازع الفناء. أمّا “البشر”، فالمقصود به الجنس البشري في عموميته الجسدية، بوصفه كتلة من اللحم والعظم والغريزة والانفعال، قابل للانزلاق إلى التهلكة تحت ضغط الفزع، أو الطموح الأهوج، أو العمى الجماعي. حتى الله عز وجل حين تحدّث عن الخلق الأول قال:
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ} (ص: 71)، ولم يقل “إنسانًا”.
من هنا، وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتحوّل المنطقة إلى ما يشبه “مختبر ضغط نووي”، يثار تساؤل مصيري:
ما مدى احتمال لجوء أحد الأطراف إلى استخدام السلاح النووي، سواء بدافع الهجوم المباغت، أو كردّ فعل هستيري غير محسوب تحت تأثير الخوف والذعر؟
السؤال لا يُطرح فقط على صعيد التحليل العسكري، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل البنية النفسية للفاعلين، ودرجة استقرارهم السياسي والعصبي، وسياقهم التاريخي، وحتى عقدهم الثقافية.
يقوم الردع النووي، كما صاغه توماس شيلينغ (Schelling, 1960)، على فرضية “العقلانية” في الاستخدام النووي. السلاح لا يُستعمل لأنه لا يُربح، فهو تهديد لا يُنفّذ. لكن هذه المعادلة تنهار حين يوضع الزر النووي بيد زعيم مرتبك، أو قائد خائف، أو نظام يشعر بأن أيامه معدودة، أو طائفة عقائدية تؤمن بالموت الجماعي الطاهر أكثر من النجاة الدنيوية.
ولذلك، فإن المعادلة تتغير جذريًا في السياق الشرق أوسطي، حيث لا تحكم دائمًا قواعد التوازن العقلاني، بل تحضر موروثات الثأر، و” الدم الحامي”، والتصورات المهدوية والانتحارية، إلى جانب هشاشة بنى الدولة.
1. الأبعاد الجيوسياسية للتهديد النووي في الشرق الأوسط
يتسم الشرق الأوسط بمناخ غير مستقر نتيجة تداخل الصراعات الإقليمية والدولية، وتعدد الفاعلين من دول وأحزاب وجماعات غير حكومية. وقد شهدت المنطقة تحولات متسارعة في استراتيجية الأمن الوطني، مع تصاعد طموحات بعض الدول في امتلاك أسلحة دمار شامل كوسيلة ردع أو تأمين مصالحها (NTI, 2023).
من أبرز المخاطر:
ضعف آليات الضبط والسيطرة (command and control) ، خاصة مع وجود أنظمة سياسية غير ديمقراطية، وأجهزة عسكرية متعددة ومتعارضة.
التهديدات المتبادلة والسباقات التكنولوجية: محاولة إيران لتطوير برنامج نووي مدني يثير مخاوف إسرائيل ودول أخرى.
التدخلات الدولية، التي تزيد من تعقيد المشهد وتفاقم الصراعات.
هذه العوامل تجعل من الشرق الأوسط “مختبرًا جيوسياسيًا تحت الضغط” (IAEA, 2024).
2. قانون الاحتمالات الاستراتيجية واستخدام السلاح النووي
وفقًا لنظرية “الردع النووي” (Schelling, 1960)، يعتمد التوازن النووي على عقلانية الفاعل، التي تحكم استخدام السلاح وتحد من احتمالات اللجوء إليه. لكن هذه العقلانية قد تنهار تحت ضغوط الخوف والذعر، خصوصًا إذا وقع السلاح في يد “فاعلين جبناء” كما أشارت الدراسات النفسية والعسكرية، أي أولئك الذين قد يستخدمونه دفاعًا عن النفس بطريقة انفعالية وغير محسوبة (Sagan, 1993).
حيث أن:
الردع يقوم على التهديد بالعقاب المتبادل وليس على القفز إلى الهجوم.
الضغوط النفسية والتهديدات الحقيقية أو المتصورة قد تدفع إلى قرار انتحاري جماعي، ينهي النسخة الحالية للبشر.
3. البُعد النفسي والاجتماعي: الحرب كتنظيم انتحار جماعي بطيء
التاريخ الإنساني حافل بحروب طويلة السبب فيها نزاعات صغيرة أحيانًا، تُستغل للنيل من الآخر، كما في “حرب داحس والغبراء” أو “حرب البسوس” في الجاهلية، والتي استمرت لعقود بسبب خلافات شخصية أو قبلية بسيطة (الطبري، تاريخ الرسل والملوك).
هذا التاريخ يعكس قابلية البشر على الاستمرار في سفك الدماء لأسباب تافهة أو عميقة الجذور، ما يجعل خطر امتلاك أسلحة فتاكة مثل النووي في منطقة ذات دم حامي، أقرب إلى الانتحار الجماعي.
4. القراءة القرآنية والتأمل الروحي في مآلات الفساد الإنساني
تتزامن هذه المخاطر مع تحذيرات نصوص قرآنية تتحدث عن نهاية مرحلة من مراحل الخليقة البشرية بسبب فساد الإنسان:
{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} (سورة إبراهيم: 14)، تبرز إمكانية محو هذا الجيل الفاسد واستبداله بخلق جديد.
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} (سورة إبراهيم: 17)، تؤكد تكرار عذاب الله لأمم عبر التاريخ بسبب سفك الدماء.
{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ… كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} (سورة الأنبياء: 104) ، ترسم مشهدًا كونيًا شاملاً عن الفناء وإعادة الخلق.
الآيات تُذكّر بأن استمرار الفساد وسفك الدماء قد يؤدي إلى نهاية هذه النسخة من البشر، وبدء جيل جديد، بأمر الله.
5. التوصيات والاستنتاجات الغامة:
ضرورة عدم ترك السلاح النووي في يد فاعلين يسيطر عليهم الغضب، الخوف، أو الرغبات الانتقامية، لأن ذلك يزيد احتمال الاستخدام غير المحسوب.
تعزيز آليات الرقابة الدولية والضبط النووي، من خلال دعم الاتفاقيات الدولية والهيئات المراقبة.
العمل على بناء مؤسسات سياسية مستقرة في المنطقة، تقلل من فرص النزاعات المفتوحة.
تفعيل الحوار الديني والثقافي، لتسليط الضوء على البعد الروحي والأخلاقي لمنع الانهيار الإنساني.
• خاتمة:
الشرق الأوسط اليوم على مفترق طرق خطير. وجود سلاح نووي في بيئة مضطربة يحمل احتمالًا غير مسبوق لحدوث كارثة إنسانية عالمية. هذا الواقع يحتاج إلى رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين العلم، السياسة، الفلسفة، والدين، لتفادي السيناريو الأسوأ: انتهاء هذه النسخة من البشر، وبدء خلق جديد كما وعد الله.





