التحولات الرقمية وأثرها على الوساطة السياسيّة: نهاية الوسيط أم إعادة تشكيله؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

في ظل تصاعد الثورة الرقميّة، لم تعد الوساطة السياسيّة تُمارس داخل قنواتها الكلاسيكية فقط، بل أصبحت تُزاحمها، بل أحيانًا تُقوّضها، وسائط جديدة خارجة عن منطق المؤسسات والتراتبية. فقد تحولت المنصات الرقمية، من فضاءات تواصل اجتماعي إلى منصات تمثيل موازية، تتحدى الأحزاب والنقابات والإعلام التقليدي، وتفرض إيقاعًا جديدًا على العلاقة بين الدولة والمجتمع. فهل نحن أمام تفكك الوساطة، أم أمام ولادة أشكال هجينة منها؟ وهل الفضاء الرقمي يُحرّر الوساطة من السلطوية، أم يعيد إنتاجها بطريقة مقنّعة؟
 لقد أصبح بالإمكان أن يتحول “هاشتاغ” إلى فاعل سياسي، وأن يصنع “مؤثر” رأيًا عامًا يفوق أثر الأحزاب والنقابات والهيئات، مجتمعة، وأن تُعبّئ صفحة على فيسبوك آلاف المواطنين في قضايا عابرة أو جوهرية.
فهل يمكن أن نُسمي هذا وساطة؟ ومن يمنح الشرعية لمن يتوسط رقميًا؟ ثم، من يملك القرار: من يُطلق الحملة، أم من يُحدد إيقاعها؟ ومن يُراقب خطابها حين تتحول إلى قوة تعبئة أو تشهير أو حتى عنف رمزي؟
 هذه التحولات تطرح معضلة التوازن بين الديمقراطية الرقمية والفوضى التمثيلية. فبينما يُراهن البعض على الوساطة الرقمية لتجاوز النخب التقليدية ومقاومة السلطوية، تُطرح أسئلة مقلقة:
من يُحاسب الوسيط الرقمي؟ من يضبط المعلومة في غياب معايير التحقق؟ من يمنع الانزلاق نحو خطاب الكراهية، التجييش، أو الأخبار المضللة؟ وهل نملك اليوم بنية مؤسساتية قادرة على التفاعل مع هذه الطفرة؟
 في السياق المغربي، يبرز تناقض صارخ: من جهة، يظهر الفضاء الرقمي كأحد آخر منافذ التعبير، ومن جهة ثانية، يُرصد سعي واضح إلى ضبطه، عبر قوانين، تتبع، وأحيانًا رقابة مباشرة أو غير مباشرة.
فهل يمكن للوساطة الرقمية أن تُمارس دورها بحرية ضمن مناخ سياسي مقيد؟ وهل هي وساطة تحررية فعلاً، أم مجرد انعكاس رقمي لانحباسات الواقع السياسي؟
 وإذا كانت الوساطة الكلاسيكيّة تقوم على أساس التنظيم والبرامج والشرعيّة التمثيليّة والامتداد الاجتماعي؛ فإن الوسيط الرقمي يتغذى على الإيقاع، والانتشار الفيروسي والانفعالات اللحظيّة.
فكيف يمكن بناء علاقة ديمقراطية مستدامة مع وسيط لا يملك مرجعيّة ذاكرة مؤسساتيّة ولا يُنتج خطابًا مستقرًا؟ وهل يمكن للدولة أن تتفاعل مع وسيط سريع الزوال، لا يُحاسب ولا يُنتخب؟ ثم، كيف يختلف هذا الوسيط الرقمي عن “الوسيط العرفي” أو “الزعيم القبلي” في المجتمعات التقليديّة من حيث انعدام البنية التنظيميّة؟
 تُظهر العديد من حالات التعبئة الرقمية (كحملات المقاطعة، الدعم التضامني، أو الاحتجاجات الافتراضية) أن الوسيط الرقمي قادر على الفعل، لكنه يفتقد في الغالب لأفق استراتيجي أو قدرة تفاوضية.
فهل الوساطة الرقمية تحفّز الفعل السياسي أم تسطحه؟ هل تفتح أفقًا للمواطنة الفعّالة أم تُكرّس مواطنة انفعالية موسمية؟ وهل تغني الوسائط الرقمية عن التنظيم الحزبي والنقابي، أم أنها بحاجة إلى من يترجم مطالبها في دوائر القرار؟
 إن الإشكال لا يكمن في رفض الوساطة الرقميّة، بل في إدراك حدودها وسياقاتها. فالأداة التقنية، مهما بلغت من ذكاء اصطناعي أو تحليل بيانات، لا تعوّض الذاكرة المؤسسية أو التفاوض الاجتماعي.
فهل يمكن تخيّل هندسة وساطة هجينة، تمزج بين التمثيل التقليدي والدينامية الرقمية؟ وهل الدولة، بمؤسساتها وهيئاتها، مستعدة للاعتراف بهذه الوساطة الجديدة، أم أنها تفضّل تجاهلها حتى تنفجر على شكل أزمة تمثيلية؟
* والخلاصة:
 لا تبدو الوساطة السياسيّة اليوم في طور الزوال، لكنها بالتأكيد في طور التحوّل. وهي تحوّلات لا تُقاس فقط بتقنيات الاتصال، بل بطبيعة العقد الاجتماعي، ومستوى الانفتاح السياسي، وقدرة النخب على التجديد.
فما لم يتم تهيئة المجال السياسي والمؤسساتي لاستيعاب هذه الطفرات، فإن الوساطة ستبقى معلّقة بين احتضـــار قديمٍ لم يمت، وجديدٍ لم يولد بعد.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...