البول يساريو من حركة انفصاليّة إلى شبكة إرهابيّة: تحليل التورّط الواقعي والإلحاح الجيوسياسي للتصنيف
• الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
هل يمكن لحركة ترفع شعار التحرير أن تحافظ على شرعيّتها الدوليّة وهي تنزلق نحو ممارسة العنف الممنهج ضد المدنيّين وتُشابك مصالحها مع شبكات الإرهاب العابر للحدود؟ وهل يكفي توافر الأدلة الميدانيّة والاستخباراتيّة على هذا التحوّل لإقناع المجتمع الدولي بإعادة تصنيف جبهة البوليساريو، أم أن حسابات المصلحة الجيوسياسيّة تُعطل آليات العدالة الوقائيّة؟
تُجسّد حالة البوليساريو اختباراً صارخاً للتناقض بين الخطاب الدولي لمكافحة الإرهاب والممارسة السياسيّة الانتقائيّة.
¬ انزياح العنف: من المقاومة السياسيّة إلى الإرهاب المنظَّم وسؤال الشرعية
متى يفقد العنف السياسي المُوجَّه ضد مدنيّين غطاء ما يزعمه شرعيّة ثوريّة ويصبح إرهاباً بحسب المواثيق الدوليّة؟
تشير الوقائع الميدانيّة ومنها: هجمات السمارة وكلميم، وقبلها على طاطا وأقا وفم زكيد ومحاميد الغزلان… إلى تحوّل نوعي في أدوات البوليساريو، ومنها:
1. استخدام الصواريخ على محاور مدنيّة، بما في ذلك تهديد مباشر للسكان.
2. الاستهداف المتعمد للمدنيّين من أجل تحقيق غايات سياسيّة (بث الرعب، إنهاك واستنزاف الدولة)، وهو جوهر التعريف الأممي للإرهاب حسب اتفاقية قمع تمويل الإرهاب (1999).
3. خرق منهجي لاتفاق وقف إطلاق النار وتحويل الصراع إلى عمليات غير متناظرة تفتقر لأي شرعيّة قتاليّة.
والسؤال الإشكالي هنا هو: هل يمكن الفصل بين أهداف انفصاليّة ووسائل إرهابيّة في التقييم القانوني والأخلاقي؟ وهل يظل السياق السياسي قادرًا على تبرير انتهاك القواعد الإنسانيّة الأساسيّة؟
¬ التشابك العضوي: البوليساريو كعقدة في شبكة إرهاب الساحل وسؤال الهويّة
هل تمثل علاقات البول يساريو مع جماعات كنصرة الإسلام والمسلمين (AQMI) وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (GSIM)؛ تحالفات تكتيكيّة عابرة، أم تعبيراً عن اندماج وظيفي في المنظومة الإرهابيّة الإقليميّة؟
تقارير الاستخبارات الأوروبيّة مثل: (ESISC) وتقارير الأمم المتحدة (GESI)؛ تشير إلى أن العلاقة تتجاوز التقاطع الظرفي؛ بل تؤسس لشراكة أمنيّة وظيفيّة وترابط لوجستي:
1. استخدام مخيمات تندوف المحرّرة من أية رقابة دوليّة؛ كمناطق آمنة حاضنة لتخزين السلاح، وتدريب العناصر المتطرفة، وتأمين العبور للمقاتلين والمهربين. تقرير UNODC، 2022.
2. تمويل عملياتها عبر شبكات التهريب المتداخلة مع الجماعات الإرهابية (مخدرات وسلاح ومتاجرة في البشر).
3. مشاركة بشريّة بين البول يساريو والتنظيمات الإرهابية، بما في ذلك تجنيد شباب المخيمات في عمليات مسلحة بالساحل.
الإشكالية هنا هي: هل يحوّل هذا التداخل العميق البول يساريو من فاعل سياسي إلى واجهة تنظيميّة لشبكات الجريمة المنظمة والإرهاب؟ وهل يمكن اعتبارها بعد هذا التورط كيانًا مستقلاً، أم ذراعًا وظيفيًا في بنية أوسع من الفوضى العابرة للحدود؟
¬ تندوف: الجغرافيا الرماديّة وتفكك السيادة الوهميّة وسؤال المسئوليّة
كيف تتحول مناطق لجوء مفترضة إلى فضاءات منفلتة تهدد الأمن الإقليمي؟ من يتحمّل المسئوليّة القانونيّة والأخلاقيّة عن هذا التحول؟
تندوف اليوم لا تختزل فقط أزمة إنسانيّة، بل تمثل بؤرة تهديد أمني مركّب، ومنه:
1. غياب الرقابة الفعليّة من طرف المفوضية الساميّة لشؤون اللاجئين، وانسحاب الدولة الجزائريّة من الرقابة اليوميّة، سمحا بتحوّل المخيمات إلى مساحات شبه مستقلة.
2. استخدامها كقواعد لوجستيّة لانطلاق العمليات الإرهابية والتهريب المنظم.
3. توظيف المعاناة الإنسانيّة كدرع ضد أي تدخل دولي، بالتوازي مع الانتهاك الممنهج لحقوق المحتجزين، ومنها: تجنيد الأطفال وقمع الأصوات وتقييد التنقل.
هل ما تزال الجزائر قادرة على إنكار مسؤوليتها السياسيّة والجنائيّة؟ وهل يعفي الصمت الأممي المؤسسات الدولية من تبعة التقاعس في حماية المدنيين؟ وهل تندوف نموذج مصغر لفشل أوسع في إدارة المناطق الرمادية في القانون الدولي؟
¬ عوائق التصنيف: بين سندان القانون ومطرقة السياسة وسؤال المعايير المزدوجة
إذا كانت معايير التصنيف الإرهابي كاستهداف مدنيّين، وجود نية سياسيّة، تنظيم هرمي، تهديد إقليمي) كلها متوفرة، فما الذي يعيق تفعيل التصنيف سوى الإرادة السياسيّة الدولية؟
1. الانحياز السياسي الصريح لدول مؤثرة كجنوب إفريقيا والجزائر، حيث تُستخدم المنصات الدولية (الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة) لحماية الجبهة تحت شعار التحرر، رغم ثبوت تحولها البنيوي نحو العنف.
2. البراغماتيّة القصيرة النظر لبعض القوى الغربيّة، خوفًا من تعقيد ملفات ثنائيّة مع الجزائر.
3. التوظيف الخبيث لملف الصحراء الغربية لطمس الوقائع الإرهابية، عبر مزج القانوني بالإنساني والأمني.
الإشكال الجوهري: هل النظام الدولي اليوم عاجز عن الفصل بين حق تقرير المصير المشروع، وواقع العنف غير المشروع؟ وهل يخاطر بتقويض شرعيته في محاربة الإرهاب من خلال التساهل مع نماذج كالبوليساريو؟
¬ نحو استراتيجية وقائيّة: مبررات التصنيف كضرورة أمنية وسؤال المآل
هل يمكن أن يكون التصنيف الإرهابي أداة استباقيّةً لحماية الأمن الإقليمي، أم أنه مجرد أداة عقابيّة متأخرة؟
يتجاوز التصنيف في هذه الحالة البعد القانوني ليصبح أداة استراتيجية متعددة الأبعاد:
1. تجميد الموارد الماليّة واللوجستيّة للجبهة عبر الحظر الدولي.
2. منح الدول المتضررة إطارًا قانونيًا لملاحقة عناصر البول يساريو أمام القضاء الوطني والدولي، وسحب الشرعيّة الثوريّة التي توظفها الجبهة في المحافل الدبلوماسية.
3. تحفيز الشراكة الأمنيّة بين دول الساحل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مواجهة التهديد المتنامي.
الإشكالية: هل يدرك النظام الدولي أن تأخير التصنيف يُنتج بيئة إفلات من العقاب، ويفتح الباب أمام اندماج أكثر تعقيدًا بين الانفصال العنيف والتطرف الجهادي؟
• خلاصة:
لم يعد السؤال القانوني حول أهلية البول يساريو للتصنيف كمنظمة إرهابية مطروحًا في ضوء الأدلة الميدانية والاستخباراتية، بل تحوّل إلى سؤال أخلاقي، وهو لماذا يتأخر العالم في الاعتراف بالخطر حين يرتدي قناع التحرر؟
إن الصمت الأممي ليس حيادًا، بل تواطؤ ضمني. وإن التردد في التصنيف لا يحمي المدنيين، بل يتركهم عرضة لدوامة لا تنتهي من العنف.
والتحدي الجوهري الآن ليس إثبات التهمة، بل توفير الشجاعة السياسيّة الكافيّة لتسميّة الأشياء بمسمياتها.
فهل سينتصر منطق الأمن الجماعي وحماية المدنيّين، أم ستبقى الجغرافيا الرماديّة لتندوف عنوانًا لفشل آخر.





