* د. شنفار عبد الله(*)
عن أي خطر تُحذّرنا النملة؟
حين اختار النصّ القرآني أن يخلّد مشهدًا لنملة صغيرة تحذّر مجتمعها من خطر داهم، فإنّ هذا الاختيار يبدو في ظاهره عابرًا، لكنه في جوهره يثير أسئلة إشكالية عميقة حول طبيعة الوعي الجمعي واستباقه للأخطار. هل أراد النصّ أن يشغلنا بمسألة جنسية النملة، أم أنه كان بصدد توجيه وعينا إلى ما هو أعظم، وهو: تنمية حسّ المسئوليّة الاستباقيّة في مواجهة الأخطار الكبرى؟
هذا التساؤل يكتسب راهنية خاصة في سياق مجتمعاتنا المعاصرة، حيث تتفاقم أزمة الأولويات: هل ما زلنا قادرين على الإصغاء لأصوات الهامش التي تنذرنا بالمخاطر؟ أم ما زلنا أسرى لجلبة الجدل العقيم والانشغال بالتفاصيل الشكليّة؟
في هذا السياق، تسعى هذه المقالة إلى إعادة قراءة في النصّ القرآني قراءة تأويليّة وظيفيّة في ضوء تجربة تاريخيّة دالّة سنة 1912، حين انشغل بعض العلماء في فاس العالمة، بجدل بيزنطي حول جنس النملة بينما كانت جيوش الاحتلال الفرنسي والإسباني تتقدّم نحو حواضر المدن المغربيّة الكبرى.
كذلك، تُحيل الدراسة إلى مفارقة معاصرة متمثلة في التسويق الرديء للدين، حيث يجري ربط العبادات الربانيّة بمبررات طبيّة وعلميّة هشّة، مما يحوّل مقاصد العبادة إلى خوف بدائي من السكتة القلبيّة، بدلاً من رجاء لقاء الله.
هذه المفارقة الكبرى تكشف بدورها هشاشة في الوعي الجمعي أمام تحولات وجدانيّة وتشوّهات خطابيّة ناجمة عن ضعف الحس النقدي وانسياق بعض الفاعلين الدينيين خلف منطق الاستسهال الدعوي.
وإذ يواجه المغرب اليوم تحديات سياديّة في ظل مناورات خصوم وحدته الترابيّة، فإنّ إعادة ترتيب الأولويات الفكريّة والروحيّة للنخب السياسيّة والدينيّة والثقافيّة؛ يصبح ضرورة ملحّة، بعيدًا عن الانشغال بقضايا الآخر البعيد، ومنسجمًا مع مقتضيات الإجماع الوطني حول القضايا المصيريّة.
أولًا: النص القرآني بين وعي الهامش ومسئوليّة المركز
يطرح مشهد النملة التي ضرب الله بها مثلاً في سورة النمل سؤالًا تأسيسيًا عن جدليّة الهامش والمركز. النملة، بحدسها ووعيها باستشعار الخطر، توجّه خطابًا تحذيريًا جماعيًا: «يا أيها النمل، ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون».
هذه المبادرة تعكس وعي الهامش بخطر قد لا يدركه المركز. في المقابل، جاء ردّ نبي الله سليمان عليه السلام، متّزنًا، مستوعبًا لرسالة الهامش: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا من قَوْلِهَا، بما يجسّد حكمة القائد الذي يصغي للهامش ويردّ بوعي مسؤول ورحمة قياديّة.
هذا التفاعل الرمزي يدعو إلى مساءلة البنية الذهنيّة للمجتمع: إلى أي مدى يملك المركز القدرة على الإنصات لأصوات الهامش دون أن يصادرها في ضجيج المسائل الشكليّة؟
وهل تملك النخب الدينيّة والسياسيّة، بما فيها «مشايخ العصر» والأحزاب والنقابات والهيئات والجمعيات، وعيًا كافيًا بجدوى هذه الأصوات في لحظات الخطر الداهم؟
ثانيًا: مأزق الوعي التاريخي أو حين يعجز المركز عن استشعار الأخطار
في اللحظة الحرجة سنة 1912، بينما كانت الجيوش الأجنبيّة تتقدّم إلى قلب الدولة، انشغل علماء القرويّين بنقاشات شكليّة عن جنس النملة التي خاطبت سليمان الوارد في النصّ القرآني.
هذه الحادثة تكشف عن مأزق بنيوي في الوعي الجمعي: حيث تحييد النصوص الدينيّة عن وظيفتها التاريخيّة والعمليّة، والانغماس في قشور لفظيّة تفضي إلى جمود فكري بدلاً من حسّ مسئوليّة نقدي.
هنا تبرز أسئلة إشكالية: لماذا يميل التفكير التقليدي إلى تجريد النصوص من سياقاتها العمليّة؟
وما الذي يمنع العالم من أن يكون «ضميرًا يقظًا» للمجتمع بدلاً من أرشيف معرفي معزول؟ وهل تكمن الأزمة في النصوص نفسها أم في آليات قراءتنا وتوظيفنا لها؟
ثالثًا: إعادة ترتيب الأولويات.. بين القشور والجوهر
إن الوعي الجماعي، في سياق الدولة الوطنيّة الحديثة، مدعوّ إلى مراجعة سلم أولوياته الفكريّة والروحيّة بما ينسجم مع مقتضيات الإجماع الوطني وقضاياه المصيريّة، وفي مقدمتها الوحدة الترابيّة والسيادة الوطنيّة.
مشهد النملة ليس مجرد وعظ رمزي، بل درس استراتيجي في استشراف المخاطر والتخطيط الوقائي.
من هنا، يصبح الانشغال بالقضايا الهامشيّة على حساب القضايا الوُجُوديّة انحرافًا عن مقاصد النصوص ووظيفة النخب.
فهل نملك اليوم شجاعة الإصغاء إلى أصوات الهامش وإدماجها في صناعة القرار؟ أم أن البنية الذهنيّة الموروثة ما زالت تعيد إنتاج الصمت الجماعي في مواجهة الأخطار؟
رابعًا: نحو وعي نقدي متوازن.. إصغاء للهامش وتماسك للمركز
لا يمكن لأي مجتمع وطني أن يصمد أمام التحديات الداخليّة والخارجيّة من دون إعادة بناء جدليّة متوازنة بين المركز والهامش.
المركز مسؤول عن الحفاظ على وحدة القرار الوطني والإجماع، وتأمين عمل القوى كضابط للنسق؛ لكنه مدعوّ كذلك إلى الإصغاء للهامش الذي قد يحمل إشارات مبكرة إلى خلل بنيوي.
السؤال هنا: هل نحن مستعدون للاعتراف بأن الهامش، أحيانًا، أكثر بصيرة من صمت المركز؟
وهل تستطيع النخب المثقفة أن تعيد تعريف وظائفها لتكون أداة لتحفيز الوعي النقدي بدلاً من أن تظل حارسًا على جمود تقاليدها؟
خلاصة مفتوحة: أي صوت سنختار أن نصغي إليه؟
يذكّرنا النص القرآني، في رمزيّته البسيطة والعميقة، بأن وعينا الجمعي قد يتحطم ونحن لا نشعر، إذا تجاهلنا أصوات التحذير الصغيرة وانشغلنا بالجدل العقيم.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التفكير في علاقتنا بالنصوص والتاريخ معًا، بما يعيد التوازن بين الجوهر والهامش، ويؤسس لوعي حضاري منفتح ومسؤول، يستوعب استحقاقات المرحلة الوطنيّة وقضاياها العادلة.
ومع ذلك؛ يبقى السؤال مفتوحًا أمام القارئ: حين يشتد الخطر القادم، أيّ الأصوات سنختار أن نصغي إليها: صوت النملة الهادئ، أم صخب الجدل العقيم؟
______
(*)– الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
من أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، «الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





