سلطة الحاضر واستباحة الماضي: الازدواجيّة الكامنة في بعض العقليّات الإداريّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عبد اللَّه شَنْفَار

 

في المشهد البيروقراطي، ثمة مفارقة صارخة تطفو على سطح الممارسة الإداريّة، مفادها أن الماضي ليس كتلة واحدة، بل هو مقسم إلى طبقات: ماضي مقدس لا يُمس، وهو ماضي الذات وحلفائها، وماضي مدنّس مُستباح، وهو ماضي المرؤوسين والتابعين.
هذه الازدواجيّة لا تعكس مجرد خلل إداري عابراً، بل هي تعبير عن أزمة في فهم طبيعة السلطة ذاتها، وانزياحها عن غاياتها التنظيميّة نحو دوامات الهيمنة النفسيّة.
– أوّلاً: تشريح المفارقة: من الخاص إلى العام
يعلن بعض المسؤولين، بمنطقيّة ظاهريّة، أن “ليس لهم سلطة على ماضي زوجاتهم ولا شأن لهم به”، معتبرين الحياة الخاصة حرمة لا يجوز اقتحامها أو استباحتها، وكل ما يهمهم هو الحياة ما بعد الزواج.
هذا الموقف، في حد ذاته، يتسق مع الحد الأدنى من الأخلاق الفرديّة.
لكن هذه العقليّة ذاتها تنقلب رأساً على عقب عند التعامل مع الماضي الشخصي للموظف، فتصبح السلطة الإدارية مُرخصاً لها للنبش والتفتيش والحكم على مسارات حياتيّة سابقة، لا صلة عضويّة لها بالكفاءة المهنيّة أو متطلبات الوظيفة.
هنا، تتحول السلطة من أداة لضمان سير العمل إلى جلسات محكمة أخلاقيّة موازيّة، تفتقر إلى الشرعيّة وأبسط المعايير في حدودها الدنيا، المعمول بها عند أمم وشعوب أخرى: خيّر أو شرير؛ إلى أن يثبت عكس ذلك.
أو على الأقل استحضار الحديث القدسي لابراز الفرق الجوهري أن الله عزّ وجل يعلن عن كرم وجودي يستجيب لظن العبد حتى ولو كان الظن سيئاً (بمعنى العقوبة)، بينما بعض العقليات يمارسون استجابة انتقامية لسوء الظن ولا يكافئون حسن الظن.
هنا تكمن المأساة الإداريّة: أن يستعير المسئول سلطة “كونيّة” في العقاب دون أن يستعير النموذج “الوجودي” في العطاء والاستجابة والمكافأة الكريمة لحسن الظن.
وفي مفهوم المخالفة للنص أو كنموذج معكوس يظهر انحراف الممارسة الإداريّة عن الفلسفة العلائقيّة الساميّة.
فبينما يجعل الله نفسه رهينة ظن عباده؛ كرمًا وجوديًا؛ تجعل بعض العقليات موظفيهم رهينة ظنهم هم؛ استبداداً وقهراً وتسلطاً.
إنه قلب للمعادلة الأخلاقيّة التي تجعل من السلطة مسؤولية استباقية لخلق واقع يبرر حسن الظن، لا أداة لمعاقبة سوء الظن.
– ثانياً: الانزياح عن الغائيّة: حين تتحول السلطة إلى ذريعة
السلطة في الفضاء العام مؤسسة على “الاختصاص” و”الغاية”. غايتها ضمان الكفاءة والنزاهة وتحقيق الأهداف المؤسسية.
أما عندما تتحول إلى وسيلة لتقييم الماضي الشخصي، فإنها تخرج عن إطارها الوظيفي لتصدر أحكاماً قيمية خارج نطاق اختصاصها.
هذا الانزياح لا يكشف فقط عن “تضخم الذات الإدارية”؛ حيث يرى المسؤول نفسه حكماً على القيم والأخلاق؛ بل يكشف أيضاً عن فراغ في الأداء.
فالعقليّة الضعيفة في الإدارة والتدبير، التي تعجز عن قيادة حاضر الفريق، غالباً ما تلوذ إلى استدعاء ماضيه كتعويض عن عجزها، مستبدلة التقييم الموضوعي للأداء بعنف رمزي يخلق تبعية نفسية.
– ثالثاً: تشظي المعايير وغياب الحوكمة
في الإدارة الرشيدة، ثمة حدود فاصلة بين المجالين الخاص والعام. فالماضي الشخصي لا يُستدعى إلا في حالات استثنائيّة محددة بدقة وتخضع لضوابط موضوعيّة، حين يكون له تأثير مباشر على سلامة العمل والنزاهة المهنية وتدبير المال العام.
أما في بيئات العمل التي تفتقر إلى ضوابط مبادىء الشفافيّة والحكامة، وربط المسئوليّة بالمحاسبة؛ تصبح هذه الحدود مسامية، يخترقها هوى الرئيس ومزاجه.
هنا، تذوب المعايير الموضوعيّة لتحل محلها “النزعة النرجسيّة” التي تختزل المؤسسة في شخص العقليّة الإداريّة، فتصبح سلطته مطلقة، تمتد من حاضر الموظف إلى استباحة ماضيه السحيق.
– رابعاً: الماضي كأداة هيمنة: التشريح النفسي لنزعة السيطرة
ليست استباحة الماضي مجرد فضول إداري، بل هي إستراتيجيّة تنزع إلى السيطرة والهيمنة. إنها نزعة لخلق حالة من “الرهبة المستديمة” لدى المرؤوس.
حين يشعر الموظف أن ماضيه؛ بكل هفواته وتجاربه؛ كتاب مفتوح أمام رئيسه، يسقط في فخ المراقبة الدائمة، مما يحد من حريته النقديّة وإبداعه.
تُستخدم هذه النزعة لإخضاع الإرادات، وتحويل العلاقة المهنيّة القائمة على الاحترام المتبادل إلى علاقة سيد وتابع كما هو حال العبيد، حيث يصبح الماضي سلاحاً نفسياً في يد من يملك السلطة.
* خلاصة تأملية:
ليست المشكلة في الماضي بذاته، فهو زمن انقضى. المشكلة الحقيقيّة تكمن في فلسفة ومفهوم ممارسة السلطة السائدة.
هل السلطة مسئوليّة تنظيميّة محددة بضوابط، أم هي تفويض مطلق لاقتحام كل المجالات بما فيها ماضي الأشخاص؟
الجواب يكمن في التأسيس لثقافة مؤسسيّة ترد الاعتبار للسلطة بوصفها “خدمة” وليست “امتيازاً”، وتفصل فصلاً حاسماً بين حرمة الحياة الخاصة ومساءلة الأداء المهني.
فما لم نستوعب أن احترام ماضي الآخرين؛ سواء في الخاص أو العام؛ هو أساس الكرامة الوُجُديّة الإنسانيّة، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الازدواجيّة الأخلاقيّة، حيث يتحول الماضي إلى ساحة للحروب الوظيفيّة، ويغيب المعنى الحقيقي للعدالة والكفاءة والأداء تحت وطأة الاستباحة.

نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...