الأبعاد العميقة لإقرار تاسع دجنبر من كل سنة يوماً وطنياً لمؤسسة الوسيط: نحو إعادة هندسة العلاقة بين المواطن والإدارة
• الدكتور عبد الله شنفار
يشكل إقرار يوم 9 دجنبر يوماً وطنياً لمؤسسة الوسيط محطة نوعية في مسار الإصلاح الإداري بالمغرب.
فبعد عقود من الدراسات والأطروحات الأكاديمية التي ناقشت إشكالية العلاقة بين المواطن والإدارة، يأتي هذا القرار ليعطي بعداً مؤسساتياً عملياً لرؤية إصلاحية تراكمية.
وقد انطلقت شخصياً في هذا المسار البحثي منذ أطروحتي حول “عقلية الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية – دراسة سوسيو-قانونية وتحليلية” سنة 1999، والتي نوقشت بكلية الحقوق بمراكش.
هذ، وتضمنت تلك الأطروحة إجراءات عملية حول الإصلاح الإداري ودور مؤسسة الوسيط في رأب الصدع في العلاقة بين المواطن والإدارة.
ولا يكتفي هذا التكريس بالبعد الرمزي الاحتفالي، بل يسعى إلى ترسيخ نموذج دولة حديثة قوامها الحكامة الجيدة والجودة الإدارية وحماية الحقوق الأساسية.
أولاً: الأبعاد الاستراتيجية لإقرار اليوم الوطني لمؤسسة الوسيط
1. تكريس مؤسسة الوسيط كفاعل مركزي في إصلاح الإدارة
يُعد إعلان يوم وطني خاص بهذه المؤسسة خطوة تؤسس لموقعها في قلب منظومة الإصلاح والتغيير الإداريين، بوصفها:
آلية دستورية للرقابة المواطنة
قناة مؤسسية لتعزيز النزاهة الإدارية
مؤسسة قادرة على التأثير في السياسات العمومية من خلال توصياتها
وبناء على ما سبق، فإن هذا القرار يرفع من وزن الوسيط السياسي والإداري، ويمنح لتقاريره صفة مرجعية ضمن عملية هندسة القرار العمومي المتعلق بالإدارة.
2. إعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة
تعد الثقة عنصراً حاسماً في فعالية الدولة. وفي هذا السياق، يمثل تكريس يوم وطني للوسيط رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة تعترف بالإشكالات التي تعيق عدالة الخدمات العمومية، وأنها تمنح مؤسسة الوسيط صلاحية الانتصار لحقوق المواطن وإصلاح أعطاب الإدارة. وبذلك يتحول الوسيط إلى أداة لتقليص الفجوة الإدراكية بين المواطن والإدارة، وإلى قناة لحل النزاعات الإدارية بعيداً عن التصعيد أو اللجوء المفرط إلى القضاء.
3. ترسيخ ثقافة حقوقية داخل الإدارة
يشجع اليوم الوطني على إرساء “ثقافة الوساطة” داخل المرافق العمومية عبر:
تعزيز قيم الاستماع والانفتاح واحترام الحقوق والتعامل الإنساني
تطوير الآليات الداخلية للتظلم والتقييم الذاتي
حفز المسؤولين على إدماج مؤشرات حقوقية في قياس الأداء
إنه تحول جوهري من إدارة تنفيذية إلى إدارة مواطنة، وهو ما يعكس انتقالاً فلسفياً في مفهوم الوظيفة العمومية.
4. دعم الانتقال نحو نموذج إداري جديد
يرتبط اليوم الوطني بتوجه استراتيجي نحو الرقمنة الشاملة وتبسيط المساطر وتحسين استقبال المرتفقين واعتماد مبادئ الحكامة.
هذا، ومن هذا المنطلق، تصبح مؤسسة الوسيط مختبراً لإنتاج الحلول وقياس الفجوة بين السياسات المعلنة والممارسات الفعلية، مما يساهم في رفع جودة القرار العمومي بشكل عام.
ثانياً: مؤسسة الوسيط وعلاقتها الاستراتيجية بالمواطن عبر مسار حياته
يتطلب تحليل الدور الاستراتيجي لمؤسسة الوسيط النظر إلى علاقة المواطن بالإدارة بوصفها علاقة مستمرة مدى الحياة. وفي كل مرحلة تتدخل المؤسسة لضمان احترام الحقوق الإدارية وتأمين الانسيابية.
1. عند الميلاد: الحق في الوجود القانوني
منذ لحظة الولادة، يواجه المواطن أول احتكاك مع الإدارة عبر التصريح بالولادة والحصول على شهادة الازدياد. وتمثل مؤسسة الوسيط هنا ضمانة استراتيجية ضد التماطل والتأخر غير المبرر والممارسات التمييزية والتعقيدات المسطرية. فهي تحمي الحق في الهوية القانونية الذي يعد ركيزة لكل الحقوق الأخرى.
2. خلال الحياة: تفاعلات معقدة ومستمرة
يتفاعل المواطن بشكل دائم مع الإدارة في مجالات متعددة تشمل الحصول على بطاقة التعريف وجواز السفر والشهادات الإدارية والتسجيل المدرسي والجامعي والرخص المهنية والسكنية والاستفادة من الخدمات العمومية. وأي خلل في هذه المعاملات يمس جودة حياة المواطن ويهدد الثقة في الدولة. وتأتي مؤسسة الوسيط لتؤدي وظائف استراتيجية مثل معالجة الشكايات وتصحيح المسارات المتعثرة والتوصية بتعديل الإجراءات المعقدة وحماية المواطن من الشطط الإداري.
3. في مرحلة تأسيس الأسرة: تثبيت الوضعيات المدنية
عند الزواج وتوسيع الأسرة، تظهر إجراءات مثل عقد الزواج والحصول على الدفتر العائلي وتسجيل الأبناء.
في هذه المرحلة، تصبح مؤسسة الوسيط حامية لحقوق الأسرة وانسياب معاملاتها. ويكمن التدخل الاستراتيجي لها في ضمان وحدة المعايير بين المكاتب والإدارات ورفع العراقيل البيروقراطية وتوحيد الاجتهاد الإداري.
4. في نهاية الحياة: كرامة المواطن بعد الوفاة
حتى بعد وفاة المواطن، تستمر علاقة أسرته بالإدارة عبر التصريح بالوفاة والحصول على شهادة الوفاة وتسوية المستحقات الاجتماعية والإدارية. وتعمل مؤسسة الوسيط هنا على حماية الكرامة الوجودية للمواطن “بعد حياته”، وضمان ألا تتحول الإجراءات إلى عبء على أسرته بعد مماته.
ثالثاً: دلالات استراتيجية عميقة وإعادة هندسة العلاقة
1. نقل العلاقة من الصدام إلى الوساطة
يؤسس اليوم الوطني لنموذج جديد يقوم على أسس الحوار والعدالة والإنصاف ومعالجة الخلل بدل تحميل المسؤولية، وكذلك التفاعل الاستباقي مع انتظارات المواطنين. وهذا النموذج يمثل قطيعة مع النهج التقليدي القائم على التراتبية والبطء.
2. تعزيز وظيفة الدولة كخادم عمومي
يشكل هذا القرار تحولاً جوهرياً يتمثل في إعادة تعريف الدولة باعتبارها مقدماً للخدمات، وليس سلطة تمارس إجراءات.
وهذا يعكس انتقالاً نحو إدارة مبنية على النتائج والأثر الاجتماعي، حيث يصبح رضا المواطن معياراً رئيسياً للأداء.
3. رفع جودة القرار العمومي
يتيح اعتماد تقارير مؤسسة الوسيط كمرجع لتشخيص الأعطاب البنيوية توجيه السياسات العمومية ووضع مؤشرات لقياس جودة الخدمات وضبط آليات المحاسبة الإدارية. وبذلك، تصبح المؤسسة جسراً بين الشكاوى الفردية والإصلاح المؤسساتي الشامل.
خلاصة:
يتضح مما سبق أن إقرار يوم 9 دجنبر يوماً وطنياً لمؤسسة الوسيط يمثل نقلة نوعية في فلسفة العلاقة بين الدولة والمواطن.
فهذا القرار يتحول من كونه إجراءً بروتوكولياً إلى آلية استراتيجية لإعادة هندسة العقد الاجتماعي بين الطرفين.
فالمؤسسة لم تعد مجرد جهاز يستقبل الشكايات ويعيد إحالتها على الإدارة المعنية، بل أصبحت رافعة إستراتيجية لبناء الثقة وضمان الكرامة الإدارية وتوجيه سياسات الإصلاح.
وتبرز أهميتها في كونها مؤسسة تقييم ومواكبة للمواطنين عبر دورة حياتهم كاملة، تبدأ من المهد إلى ما بعد اللحد، تعمل على ضمان حقوقهم الإدارية وتحصين كرامتهم من كل شطط أو تعسف.
ولضمان نجاح هذه الرؤية، يتطلب الأمر تفعيلاً حقيقياً لتوصيات الوسيط، وإدماجاً مؤسساتياً له في صنع السياسات العمومية، ونشراً لثقافة الوساطة في الأجهزة الإدارية كافة. وهذا ما يجعل من اليوم الوطني ليس غاية في حد ذاته، بل منطلقاً لمرحلة جديدة من الإصلاح الإداري الشامل والمستدام.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





