التقادم العمراني بوصفه ظاهرة اجتماعيّة مؤسسيّة: دراسة سوسيو أنثروبولوجيّة في إدارة وتدبير المخاطر الحضريّة في ضوء حالة انهيار عمارة في مدينة فاس العالِمة
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
تستدعي حوادث انهيار البنايات في المدن التاريخيّة مقاربة متعددة المستويات تتجاوز التفسير التقني المباشر، او التوصيف الشكلي لسطح المسألة، نحو تحليل يدمج البعد العمراني بالبعد السوسيولوجي والمؤسسي.
ويُعتبر انهيار عمارة بمدينة فاس نموذجًا كاشفًا عن ديناميّة “التقادم العمراني المُطبَّع معه اجتماعيًا”، حيث تتفاعل ثلاثة عناصر أساسيّة وجوهريّة:
(1)- بنية ماديّة هشّة متقادمة ومتآكلة،
(2)- منظومة مؤسّسيّة تتسم بالاستجابة وردّة الفعل المتأخرة،
(3)- وثقافة اجتماعيّة تنزع إلى إعادة تأويل الخطر وإدماجه ضمن منظومة المعنى اليوميّة.
تهدف هذه الورقة البحثيّة إلى تقديم تحليل نقدي لهذه الظاهرة، من خلال إطار نظري يتقاطع فيه علم الاجتماع الحضري، والدراسات الأنثروبولوجيّة للذاكرة المكانيّة، ومقاربات “سوسيولوجيا إدارة وتدبير المخاطر قبل وقوعها، لا بعد حدوثها ووقوعها”، وصولًا إلى نموذج في العلاقة بين الذاكرة العمرانيّة وإدارة وتدبير الزمن المؤسسي.
– أولًا: ماذا يقصد بمفهوم التقادم العمراني
1. مفهوم التقادم العمراني:
يعرّف التقادم العمراني بوصفه فقدان البنية الماديّة لمطابقتها الوظيفيّة والأمنيّة نتيجة تغيّر شروط الاستعمال أو تدهور المواد أو التحولات الاجتماعيّة.
وبخلاف التدهور الفيزيائي، يشمل التقادم بُعدًا معرفيًا يتجلى في تأخر الاعتراف بوجود الخلل وضرورة التجاوز والتخلي.
2. الذاكرة المكانية والسلطة الرمزية:
ترى الأنثروبولوجيا الحضريّة أن المباني القديمة لا تُعامل كأجسام ماديّة فحسب، بل كحاملات للهويّة الجماعيّة. وهذا يمنحها “سلطة رمزيّة” تُصعّب القرارات المتعلقة بالترميم الجذري أو الهدم الكليّ، وتدفع نحو إنتاج خطاب يعيد تأويل التشققات والأخطار بوصفها جزءً من “التاريخ الطبيعي” للمكان.
3. سوسيولوجيا إدارة وتدبير المخاطر:
توكّد أدبيّات إدارة وتدبير المخاطر أن المجتمعات قد تطوّر استراتيجيات إنكار جماعي للخطر المحتمل، خاصة حين تكون تكلفة الاعتراف به عالية رمزيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا.
حينها يتحول الخطر إلى “خلفيّة صامتة” تُدار يوميًا عبر آليات ثقافيّة لإعادة طمأنة الذات.
4. العلاقة بين الحكامة العمرانيّة وإدارة وتدبير الزمن
تكشف دراسات التخطيط وهندسة السياسات الحضريّة والمجاليّة، أن فعالية مبدأ الحكامة لا تُقاس فقط بنوعيّة القرارات، بل بقدرتها على إدراك الإيقاعات الزمنيّة للتقادم. ويؤدي اختلال الزمن المؤسسي (Routine Time) مقارنة بزمن التدهور التقني (Material Time) إلى فجوات جد خطرة.
– ثانيًا: تحليل الحالة: في ضوء انهيار عمارة فاس
1. السياق العام العمراني:
تقع العديد من العمارات في الأحياء التاريخيّة لفاس ومراكش وغيرها من المدن العتيقة؛ داخل نطاق عمراني تُجدّد بنيته التحتيّة بشكل غير متسارع ولا يواكب تحوّلات الكثافة السكانيّة ووظائف الفضاء.
هذا، وتشير المعطيات الميدانيّة إلى أن مظاهر التقادم والتآمر كانت ظاهرة للعيان في عدد من هذه البنايات المحصيّة بشكل دقيق وصدرت في شأنها قرارات إداريّة على أنها آيلة للسقوط، والأوامر الفوريّة والإعذارات بضرورة الإخلاء والإفراغ.
2. المؤشرات الاجتماعيّة على التطبيع مع الخطر
يُظهر التحليل الأنثروبولوجي لسلوك طبيعة السكان، وجود أربعة أنماط من الخطاب:
1. خطاب يربط البناية بالهوية التاريخيّة و”الأصالة”.
2. خطاب يحمّل السكان أنفسهم أو “ظروف الاستعمال” مسئوليّة الأعطال والخلل.
3. خطاب يخفف من خطورة التشققات عبر تفسيرها كتعبير عن “عمر طبيعي”.
4. خطاب يستند إلى المألوف من خلال التطبيع مع الاهتزازات والإنذارات.
وبالتالي؛ ما بين المعارض والمؤيد والغير مبالي؛ يتم هدر الزمن فتقع الكارثة..!
3. التفاعل المؤسسي:
يُسجَّل في هذه الحالة تردد واضح بين مستويات الفعل المؤسسي:
* حملات مراقبة وتفتيشات تقنيّة متقطعة؛ (عقدة الحمْلة المتوارثة عن الحَرْكة اللحظيّة والغير مستدامة).
* تحذيرات لا تُرفق بخطط تنفيذيّة واضحة؛ أو تواجه برفض وامتناع عن التنفيذ.
* تأخر في تفعيل أدوات الوقاية العمرانيّة؛
* غياب آليات الدمج التشاركي التحسيني للسكان في تقييم إدارة وتدبير المخاطر.
يشير ذلك إلى فجوة بين المعرفة التقنيّة والقرار العملي، وهي فجوة موصوفة في الأدبيّات بوصفها “العجز البنيوي المتعدد الوظائف والأبعاد أمام الزمن”.
4. البعد الرمزي للحادثة:
لم يُستقبل انهيار العمارة باعتباره حادثًا هندسيًا حصريًا، بل كعلامة على اختلال أوسع في العلاقة بين التراث العمراني ومقتضيات ومتطلبات الأمن والسلامة الصحيّة والطمأنينة والسكينة كأهداف تنزيل مضامين الشرطة الإداريّة في المنع والإذن والأمر.
وهذا ما يمنح الحادثة قيمة تحليليّة تتجاوز حدودها الماديّة.
– ثالثًا: النقاش النظري:
تسمح هذه الحالة بإعادة طرح ثلاثة أسئلة مركزيّة:
1. كيف يُعاد إنتاج المخاطر داخل الثقافة الحضريّة؟
تشير الأدلة إلى أن الخطر لا ينشأ فقط من تدهور مادي، بل من سلسلة عمليات رمزيّة، منها: إعادة تفسير وإنكار وتطبيع. وهو ما يحول التقادم من حقيقة تقنيّة إلى ظاهرة اجتماعيّة قائمة الذات.
2. ما هي حدود السلطة الرمزيّة للتراث حين يتعارض مع متطلبات الأمن والصحة والسلامة والسكينة والطمأنينة؟
يستدعي الأمر إعادة بناء مفهوم التراث ليشمل صيانة الحياة لا صيانة الجدران فحسب. وتتطلب الحماية الفعّالة تجاوز تصور “الذاكرة كتحنيط” نحو تصور “الذاكرة كقابليّة للوجود والاستمرار والأمن والاستقرار والتنمية والعمران”.
3. ما هي مسئوليّة الحكامة المحليّة في إدارة وتدبير الزمن العمراني؟
يظهر من خلال التحليل أن فجوة التزامن بين زمن الإدارة وزمن التدهور تمثل محور الخلل. فالحكامة الفعّالة ليست في سرعة التدخل فقط، بل في القدرة على قراءة الزمن العمراني قبل أن يتحول إلى حدث كارثي.
– رابعًا: الاستشراف المستقبلي: نحو نموذج حضري بديل
أقترح من خلال هاته الورقة ثلاثة مسارات إصلاحيّة ممكنة:
1. نموذج معرفي جديد: من إعادة إدماج العلوم الاجتماعيّة في تقييم المخاطر العمرانيّة، باعتبار الخلل ظاهرة متعددة الأبعاد والوظائف وليس مجرد مسألة تقنيّة.
2. نموذج مؤسسي قائم على أساس اليقظة الحضريّة. عبر إنشاء وحدات للرصد المستمر للتقادم، تعتمد قاعدة بيانات ديناميكيّة، وتفعّل آليات تدخل تدريجي قبل الوصول إلى مستوى الخطر.
3. نموذج ثقافي يربط الذاكرة بالحياة، عبر توعية مجتمعيّة تجعل الحفاظ على التراث مشروطًا بتجديده، لا بتقديسه.
التراث هنا يصبح مشروعًا مستقبليًا، لا عبئًا رمزيًا.
* خلاصة:
تُظهر حالة انهيار عمارة فاس أن فهم المخاطر العمرانيّة يتطلب مقاربة تتجاوز “الهندسة” نحو “الأنثروبولوجيا المؤسسية”. هي فهم حديث يتجاوز المقاربة التقليديّة.
فالتقادم ليس مجرد تدهور مادة، بل تدهور معنى، وإعادة إنتاج غير واعٍ لسلسلة من التأويلات التي تتواطأ ضد الزمن.
ولذلك، يصبح سؤال الحماية ليس فقط: كيف نحافظ على المباني؟
بل: كيف نحافظ على القدرة المجتمعيّة والمؤسسيّة على إدراك الزمن قبل أن ينهار؟
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





