منطق الفعل وبنية الوعي في المنافسات الرياضيّة: ما بين تعاطي المنشطات وتعاطي الشعوذة..!
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
يا تُرى ما هو الفرق أخلاقيًا وقيميًا بين من يستعين بالكيمياء والمنشطات لتضخيم الأداء الرياضي، ومن يستعين بالخرافة والسحر والشعوذة لتدجين الحظّ، إذا كان الاثنان يسعيان إلى الهدف نفسه: الانتصار خارج منطق الجهد والاستحقاق؟!
الفرق بين من يتناول المنشّطات ومن يلجأ إلى طقوس السِّحر والشعوذة في المنافسات الرياضية، ليس فرقًا جوهريًا في الدافع، بل هو فرق في الأداة، ودرجة الاعتراف الاجتماعي، ونوع الوهم المُنتَج.
في سياق كأس إفريقيا للأمم، لا يعود السؤال عن المنشّطات أو الشعوذة سؤالًا تقنيًا أو أخلاقيًا معزولًا، بل يتحوّل إلى إشكالية سوسيولوجية مركّبة تكشف عن بنية أعمق في الوعي الرياضي الإفريقي، حيث يلتقي المختبر بالخرافة في نقطة واحدة: الخوف الجماعي من الهزيمة والفشل.
ففي هذه التظاهرة القارية، التي تتجاوز كونها منافسة رياضية لتغدو حدثًا هويّاتيًا وسياسيًا ورمزيًا، يُحمَّل اللاعب أكثر مما يحتمل جسده، ويُطالَب الفريق بأن يكون ممثلًا عن كرامة وطن، لا مجرد مجموعة رياضيين. هنا، يبدأ منطق الاختصار بالعمل:
1. المختبر يَعِدُ بتضخيم الأداء وتسريع الاستشفاء وكسر حدود التعب.
2. والطقوس الخرافيّة تَعِدُ بترويض الحظ، وشلّ الخصم، واسترضاء المجهول.
وكلاهما ينشأ حين يصبح الفوز ضرورة وجوديّة لا احتمالًا رياضيًا.
في كأس إفريقيا للأمم، تتعايش حداثة تقنيّة منقوصة مع موروث رمزي لم يُهضَم بعد؛ فنرى فرقًا تعتمد أحدث برامج الإعداد البدني والتحليل الرقمي، وفي الوقت نفسه لا تتردّد بعض مكوّناتها أو محيطها في استدعاء “البركة”، أو “فكّ النحس”، أو “إبطال السحر”. لا لأن اللاعبين يؤمنون جميعًا بذلك، بل لأن الضغط الرمزي للجماهير والإعلام يُنتج خوفًا يجعل كل وسيلة محتملة قابلة للتجريب.
الإشكال هنا ليس في الوسيلة، بل في العقلية: عقلية ترى في الهزيمة فضيحة أخلاقية لا نتيجة رياضية، وترى في الفشل لعنة لا درسًا، وفي الخصم تهديدًا وجوديًا لا منافسًا مشروعًا.
بهذا المعنى، تصبح المنشّطات شعوذةً حداثية، وتغدو الشعوذة منشّطات رمزية؛ كلاهما محاولة للسيطرة على ما لا يمكن التحكم فيه: الصدفة، التوتر، لحظة الانكسار. وفي الحالتين، يُفرَّغ التنافس من معناه التربوي، ويُستبدل بمنطق قَلِق يرى أن الخسارة لا تُحتمل.
ومن هنا تتشكّل الإشكالية المركزية في سياق كأس إفريقيا للأمم: هل تكشف هذه الممارسات عن أزمة ثقة في الجسد الرياضي الإفريقي، أم عن أزمة أعمق في تصوّر الهزيمة والفشل داخل المجال العمومي، حيث يُطالَب الرياضي بأن ينتصر نيابةً عن مجتمع بأكمله؟
إنها ليست مشكلة منشّطات أو خرافة فحسب، بل مشكلة وعي رياضي مأزوم، لم يحسم بعد علاقته بالهزيمة، ولم يتعلّم كيف يخسر دون أن يشعر بأن وجوده نفسه قد وُضع موضع شك.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





