من انتكاسة الرمز إلى انكماش الوجود: في تفكيك البنية الثقافية لانحسار فن الفلكلور بين التأويل الديني واختلال المؤسّسة
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– أولاً: حين يُمحى الرمز… ماذا يتبقّى من الإنسان؟
أي معنى يبقى لجماعةٍ بشرية إذا جُرّدت من أناشيدها، من رقصاتها الطقسية، من زخارفها، من استعاراتها الشفوية، من قدرتها على تحويل الألم إلى إيقاع؟ وأي صورة للإنسان يمكن أن تستقيم إذا اختُزل في بعده البيولوجي أو في انضباطه المعياري، دون أن يُعترف له بوظيفته الرمزية التي بها يُعيد تشكيل العالم؟
في هذا الأفق النظري، تبدو إسهامات كلود ليفي-شتراوس، ولا سيما في كتابيه البُنى الأولية للقرابة والفكر البري، مفصلية في إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائناً رمزياً قبل أن يكون كائناً اقتصادياً أو سياسياً. فالثقافة، في المنظور البنيوي، ليست تراكماً زخرفياً، بل نظام علاقات عميقة يُنظِّم الإدراك والقرابة واللغة والأسطورة والفن. ومن ثمّ، فإن الحديث عن مجتمع بلا فلكلور لا يصف حالة فقر جمالي، بل يشير إلى تصدّع في بنيته الرمزية ذاتها.
غير أن الخطورة لا تكمن في غياب الرمز فحسب، بل في الاعتقاد بإمكانية الاستغناء عنه، أو في اعتباره فائضاً يمكن التضحية به باسم الطهارة الأخلاقية أو الانضباط الديني. هنا يبدأ الانكماش الرمزي الذي يفضي، تدريجياً، إلى انكماش الوجود ذاته.
– ثانياً: بين «الفكر البري» وسوء الفهم القيمي: التوحّش كمفهوم إبستمولوجي لا أخلاقي
كيف انقلب مفهوم «الفكر البري» من توصيف إبستمولوجي لطريقة في تنظيم الخبرة إلى وصمٍ أخلاقي يُستعمل في إدانة الآخر أو الذات؟ إن قراءة ليفي-شتراوس تكشف أن ما سُمّي «بدائياً» ليس نقصاً في العقل، بل اختلافاً في أدوات الاشتغال الرمزي. فالعقل البشري، في جميع الثقافات، يعمل وفق بنيات متكافئة؛ الاختلاف يكمن في طبيعة الوسائط الرمزية.
بهذا المعنى، لا يوجد مجتمع بلا ثقافة، لأن وجوده ذاته مشروط بانتظامه داخل شبكة من الرموز. لكن السؤال الأكثر إرباكاً يظل معلقاً: ماذا يحدث حين تُهاجَم هذه الشبكة من داخلها، لا من الخارج؟ حين يُعاد تأويل الدين ذاته ضد الفن، ويُستعمل النص لتجفيف منابع التعبير لا لتنظيمها؟
إن التوحّش، في أفق ليفي-شتراوس، ليس حكماً قيمياً، بل توصيف لطريقة في التفكير ترتبط بالملموس والتجريبي. أما حين يتحول إلى أداة إقصاء، فإننا نكون أمام انزلاق مفهومي يُنتج توحشاً من نوع آخر: توحشاً ضد الرمز.
– ثالثاً: فم زكيد كنموذج: حين تتحوّل الحرب على الفن إلى إعادة تشكيل للمجال الاجتماعي
كيف يمكن لمنطقة غنية بأشكال تعبيرية متعددة؛ من الركبة وأحواش والزحيفي إلى الگدرة وأگوال؛ أن تشهد انحساراً حاداً في زمن وجيز؟ هل يكفي تفسير ذلك بسطوة خطاب ديني متشدد، أم أن الأمر أعمق من مجرد وعظٍ أخلاقي؟
إن ما حدث في سياقات محلية متعددة، ومنها فم زكيد، لا يمكن عزله عن تحولات سوسيولوجية مركبة: هشاشة البنية التعليمية، غياب التأطير الثقافي المؤسسي، ضعف الجمعيات، وانكماش المجال العمومي. غير أن العامل الأكثر حساسية تمثل في تأويلات دينية اختزلت الفن في ثنائية الحلال والحرام، دون تمييز بين الوظيفة الطقسية، والاحتفالية، والجمالية، والتجارية.
حين يُختزل المجال الرمزي في معيار واحد، فإن المجتمع لا يفقد فقط طقوسه، بل يفقد قدرته على إنتاج المعنى. فالفلكلور ليس مجرد أداء، بل هو ذاكرة جمعية متحركة، ومختبر للهوية، وآلية للتنفيس الرمزي عن التوترات الاجتماعية. إن تجفيفه يعيد تشكيل المجال الاجتماعي في اتجاه أحادي، حيث تُختزل الذات في الامتثال، ويُجرَّم الخيال.
– رابعاً: الفن والدين: صراعٌ مفتعل أم اختلال في التأويل؟
هل كان الفن في التجربة الإسلامية نقيضاً للدين، أم أن هذا التعارض وليد لحظة تاريخية مخصوصة؟ يكفي استحضار تقاليد المديح والسماع والخط والزخرفة لنفهم أن الإبداع لم يكن خارج الأفق الديني، بل داخله. الإشكال لم يكن في وجود النص، بل في نمط قراءته.
عندما يتحول الحديث النبوي المتعلق بالتصوير إلى أداة لمحاربة كل أشكال التعبير البصري دون تمييز، فإننا لا نكون أمام ورعٍ فقهي، بل أمام توسيع غير منضبط لدائرة المنع. وعندما تُصوَّر الفلسفة بوصفها مدخلاً للضلال، فإن السؤال لا يعود حول شرعية التفكير، بل حول مشروعية العقل ذاته.
إن المجتمعات التي تخشى السؤال تخشى الفن، لأن كليهما ينتمي إلى الحقل نفسه: حقل الإمكان. ومن دون إمكان، يتحول الوجود إلى تكرار ميكانيكي، لا إلى مشروع مفتوح.
– خامساً: المؤسّسة التعليمية وإنتاج العجز الرمزي
كيف يمكن لحصة «رسم حر» بلا تأطير أن تُنتج خيالاً خلاقاً؟ وكيف يمكن لمقرر يشيطن الفلسفة أن يُنمّي ملكة السؤال؟ إن تهميش الفنون داخل المدرسة لا يُضعف مهارة تقنية فحسب، بل يُعيد هندسة الوعي بطريقة تجعل التفكير النقدي استثناءً لا قاعدة.
العجز في التخطيط العمراني، في الذوق الجمالي العام، في القدرة على ابتكار حلول، ليس معزولاً عن هذا الانكماش الرمزي المبكر. فالمدرسة، حين تفرّغ الفن من جديته، تُعيد إنتاج مجتمعٍ يعتبر الإبداع ترفاً لا ضرورة. ومن هنا يصبح تراجع الفلكلور نتيجة منطقية لمسار تربوي أعمق.
– سادساً: بين هوليوود وورزازات: سؤال الوظيفة لا الصناعة
حين خرجت الولايات المتحدة من صدمة حرب فيتنام، لم يكن الفن مجرد تسلية، بل صار أداة لإعادة معالجة الذاكرة الجماعية، وهو ما تجسد في دينامية صناعة السينما داخل هوليوود. فالفن هنا لم يقتصر على الإنتاج، بل تولّى وظيفة تفكيك الصدمة.
في المقابل، لم تستطع ورزازات، رغم حضورها السينمائي، أن تتحول إلى فاعل رمزي داخلي يعيد صياغة أسئلة المجتمع المحلي. ظلّ المجال في كثير من الأحيان فضاءً لتمثيل قصص الآخرين، لا لإعادة سرد الذات.
الفارق إذن ليس في المال وحده، بل في الوعي بوظيفة الفن: هل هو سلعة أم جهاز لإنتاج المعنى؟
– سابعاً: نحو أفق يتجاوز الحلول التقنية
هل يكفي إدخال الطبل بدل الركبة، أو مكبرات الصوت بدل الأداء الشفهي، لإحياء الفلكلور؟ التحديث التقني قد يمنح بقاءً شكلياً، لكنه لا يضمن استعادة الروح. فالمشكلة ليست في الأداة، بل في البنية التي تمنح الأداة معناها.
إحياء الفلكلور لا يبدأ بالدعم المالي، بل بإعادة الاعتبار للرمز داخل الوعي الجماعي. يبدأ بتصالح بين الدين والفن، بين المدرسة والخيال، بين الجماعة وذاكرتها. يبدأ حين يُعاد تعريف الفن كضرورة وجودية لا كترف موسمي.
* خلاصة: سؤال المصير الرمزي
إذا كان الإنسان، في جوهره، كائناً يصنع المعنى، فماذا يعني أن يُحرَم من أدوات صناعة هذا المعنى؟ وإذا كانت الثقافة هي الوسيط بين الغريزة والمعنى، فكيف يستقيم مجتمعٌ يُجفّف وسائطه الرمزية بيديه؟
ربما لا تكمن المأساة في اختفاء رقصة أو اندثار لحن، بل في اعتياد الغياب. وحين يعتاد مجتمعٌ غياب رموزه، يصبح السؤال أكثر خطورة من أي إجابة:
هل نحن أمام انتكاسة فن، أم أمام إعادة تشكيل صامتة للإنسان نفسه؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





