ثغرات الأمن السيادي المحتملة: الدولة بين صلابة المؤسسة وإدارة وتدبير قابليّة الاختراق الرمزي..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

 

– مقدمة: السيادة في مرحلة ما بعد الماديّة
ننطلق في معالجة هذا الموضوع من سؤال منهجيّ مركب: هل ما زالت الخرائط وحدها تحمي سيادة الدول؟ أم أن المعارك الحقيقيّة أصبحت تُخاض اليوم على خرائط ذهنيّة غير مرئيّة؟
في زمن تتراجع فيه الحروب التقليديّة لصالح أشكال أكثر تعقيدًا من الصراع، لم تعد السيادة مجرد قدرة على ضبط الحدود ومراقبة التحركات وفرض النظام. لقد تحولت السيادة إلى معادلة أكثر تركيبًا: إنها ذلك الحقل الرمزي الذي تتقاطع فيه المؤسسات مع الأفراد، وتتصادم فيه السرديات مع المصالح، وتتشكل فيه الهشاشة قبل أن تتشكل الأسوار.
فالدولة اليوم لا تُختبر في قدرتها على الردع فقط، بل في قابليتها للاختراق من الداخل، قبل أن يفكر العدو في اقتحامها من الخارج.
الثغرة السياديّة، في هذا السياق، ليست موقعًا جغرافيًا ينفذ منه الآخر، بل حالة بنيوية تُخلخل الدولة من داخلها. إنها ذلك المعنى الغائب الذي يفرغ المؤسسات من مضمونها، ويحوّل الموظفين إلى كيانات محايدة، ويحول المعلومة من ركيزة سياديّة إلى سلعة قابلة للمساومة.

– أولاً: السيادة كبنية رمزيّة: من تحصين الجغرافيا إلى تحصين المعنى
كيف يمكن لدولة أن تحمي حدودها وهي عاجزة عن حماية ولاء مواطنيها؟ وأي معنى للسيادة إن انفصلت عن قدرتها على إنتاج خطاب جامع؟
تأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن الدولة المعاصرة تواجه تحولًا جوهريًا في طبيعة التهديدات الموجّهة إليها. فإذا كانت السيادة الكلاسيكيّة تعني السيطرة على الأرض وضبط السكان وتحقيق التنميّة، فإن السيادة في عصر الفضاءات الرقميّة والذكاء الاصطناعي تعني قبل كل شيء القدرة على صون الانتماء وتأطير الوعي الجمعي.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الحديث عن سيادة حقيقيّة في غياب مشروع وطني جامع يمنح الأفراد سببًا للانتماء يتجاوز المصلحة الضيقة؟
السيادة اليوم لم تعد حقل ألغام وجدران إسمنتيّة، بل أصبحت حقل معانٍ ورموز وسرديّات. فالاختراقات الكبرى لا تأتي دائمًا عبر ثغرات تقنيّة يمكن رصدها وسدها، بل تأتي أحيانًا عبر شرخ في المعنى المشترك، عبر ذلك الشعور بالاغتراب الذي ينتاب الموظف وهو يؤدي عمله، أو عبر تلك اللامبالاة التي تتحول مع الوقت إلى أرض خصبة للتوظيف من قبل أطراف أخرى.

– ثانيًا: الولاء كمعركة صامتة أو عندما يتحول الموظف إلى ثغرة متحركة
هل يمكن بناء مناعة سياديّة حقيقيّة في ظل موظفين يرون في وظائفهم مجرد مورد رزق؟ وأي ولاء يمكن أن تنتجه مؤسسات تفصل بين الممارسة اليومية والمعنى الرمزي؟
الولاء، بوصفه مفهومًا استراتيجيًا، لا يختزل في الطاعة العمياء أو الانضباط الآلي. إنه نتاج تفاعل مركب بين الاعتراف والحماية والإدماج. فالموظف الذي لا يجد في محيطه الوظيفي اعترافًا بقيمته، ولا يشعر بأن المؤسسة تحميه وتستثمر فيه، ولا يرى نفسه جزءًا من مشروع أكبر من مجرد تأديّة المهام مثله مثل آلة صمّاء، يتحول تدريجيًا إلى “هامش متحرك” قابل للاستثمار من قبل الآخرين.
الخطورة هنا لا تكمن في الخيانة الصريحة التي يمكن رصدها ومعاقبتها، بل في ذلك النوع من “الولاء التكتيكي” الذي يمارسه الموظف وهو شاعر باغترابه الداخلي. إنه ولاء مشروط ومحدود، يتبخر عند أول اختبار حقيقي، ويتحول إلى نقطة ضعف قابلة للتوظيف.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للمؤسسات أن تنتج ولاءً حقيقيًا لا يقوم على أساس الخوف والمراقبة، بل على الشعور بالمشاركة في بناء شيء ذي قيمة؟

– ثالثًا: الهشاشة المؤسساتيّة أو الجزر المنعزلة في محيط من التهديدات
كيف يمكن لجسد سيادي واحد أن يتحرك وأعضاؤه لا تعرف بعضها البعض؟ وأي مناعة يمكن أن تتحقق في ظل مؤسسات تتنازع الاختصاصات والصلاحيات بدل التكامل والتعايش والتمازج والتضامن؟
من المفارقات اللافتة أن أخطر الثغرات السياديّة غالبًا ما تولد من داخل الجهاز نفسه. مؤسسات تعمل كجزر منعزلة، تفتقر إلى التنسيق الأفقي والعمودي، وتتنازع على الصلاحيات في وقت كانت أحوج ما تكون فيه إلى التكامل. هنا يتحول التداخل في الاختصاصات من مشكلة إدارية إلى ثغرة أمنية حقيقية، تختبر فيها الدولة ككيان لا يعرف جسده بعضه البعض.
ضعف اليقظة الإداريّة، وتضارب المصالح، وغياب آليات التقييم الموضوعي، كلها عوامل تحوّل المؤسسات من حصون سياديّة إلى مناطق نفوذ متصارعة. وفي خضم هذا الصراع الداخلي، يغيب الهدف الأكبر، وتتسع الهوة بين ما تفعله المؤسسات وما يفترض أن تفعله. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن بناء سيادة حقيقيّة في ظل مؤسسات تفتقر إلى الحد الأدنى من الانسجام والترابط؟

– رابعًا: الإنسان كجهاز هش أو الثغرة التي لا تسدها التقنية
كيف يمكن التعامل مع الطبيعة البشرية باعتبارها متغيرًا استراتيجيًا لا يمكن اختزاله في قواعد البيانات؟ وأي أمن يمكن تحقيقه في غياب “الأمن الأخلاقي”؟
الإنسان، بحكم تكوينه النفسي والاجتماعي، يظل العنصر الأكثر تعقيدًا وهشاشة في معادلة الأمن السيادي:
1. طموح زائد قد يتحول إلى نقطة ضعف قابلة للاستثمار؛
2. إحباط مهمل قد ينمو ليصبح ثغرة إستراتيجية؛
3. فساد صغير قد يتطور ليصبح بوابة لاختراقات كبرى.
السؤال هنا ليس كيف يمكن مراقبة البشر وضبطهم، بل كيف يمكن تحويلهم من نقاط ضعف محتملة إلى عناصر مناعة فاعلة.
وبالتالي “الأمن الأخلاقي” بهذا المعنى ليس مفهومًا مثاليًا أو خطابيًا، بل هو ضرورة استراتيجية. إنه ذلك النوع من الأمن الذي لا يكتفي بمراقبة السلوك، بل يعمل على تشكيل الوعي وزرع ثقافة الانتماء. إنه الأمن الذي يجعل من الموظف شريكًا في حماية الدولة، لا مجرد عنصر فيها.
فهل يمكن للمؤسسات أن تنتج هذا النوع من الأمن وهي لا تزال تنظر إلى الإنسان باعتباره “موردًا بشريًا” يمكن استبداله واستهلاكه؟

– خامسًا: المعلومة كسلعة سياديّة: من الحماية التقنيّة إلى الحماية الرمزيّة
متى تتحول الوثيقة الرسمية من ركيزة سيادية إلى سلعة تباع وتشترى؟ وأي حماية يمكن أن تنجح في ظل انهيار القيمة الرمزية للمعلومة؟
في العصر الرقمي، لم تعد المعلومة مجرد محتوى يحتاج إلى حماية تقنية، بل أصبحت مرآة تعكس مدى قوّة المؤسسة التي أنتجتها.
فالوثيقة التي يمكن شراؤها بثمن زهيد لا تكشف فقط عن ثغرة أمنيّة تقنيّة، بل تكشف قبل ذلك عن انهيار في القيمة الرمزيّة للمعلومة. إنها تشير إلى أن المعلومة فقدت قدسيّتها قبل أن تفقد حمايتها.
السيادة على المعلومة اليوم لا تعني فقط القدرة على إخفائها أو تقييد تداولها، بل تعني القدرة على تحويلها إلى سردية مشتركة. فالمعلومة التي يشارك فيها المواطنون ويشعرون بأنها جزء من هويّتهم الجمعيّة، تصبح محمية بوعيهم قبل أن تكون محمية بتقنياتهم.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل المعلومة من سلعة نادرة يبحث عنها الآخرون إلى سرديّة مشتركة يحمونها هم أنفسهم؟

– سادسًا: من الدولة الأمنية إلى الدولة الإستخباراتيّة: نحو إعادة تعريف العقل السيادي
كيف يمكن بناء عقل استخباراتي مدني يحوّل الأمن من وظيفة إلى ثقافة؟ وأي سيادة يمكن تحقيقها بذكاء يقتصر على ملاحقة التهديدات الخارجيّة؟
الدولة الحديثة لا تُختبر في امتلاك القوّة العسكريّة والاقتصاديّة فقط، بل في قدرتها على بناء “عقل استخباراتي” يمتد ليشمل المجال المدني والرمزي. هذا العقل لا يختص بجمع المعلومات وتحليلها فحسب، بل يعمل على تحويل الأمن من رد فعل إلى مناعة، ومن وظيفة تؤديها أجهزة محددة إلى ثقافة يشارك فيها الجميع.
الدولة المحصنة سياديًا هي تلك التي ترى التهديد في الذات غير المؤطرة بقدر ما تراه في الآخر. إنها الدولة التي تدرك أن أخطر الاختراقات لا تأتي دائمًا من خارج الحدود، بل قد تأتي من موظف فقد الإحساس بالمعنى، أو من مؤسسة تحولت إلى جزيرة منعزلة، أو من معلومة فقدت قيمتها الرمزيّة قبل أن تفقد حمايتها التقنية.
* خلاصة: الدولة ككائن سردي
في النهاية، تظل الدولة كيانًا لا يقوم على الأسوار والجيوش وحدها، بل يقوم قبل ذلك على سردية مقنعة تمنح الأفراد سببًا للانتماء. الدولة التي تفقد هذه السرديّة، أو تفشل في تجديدها، تفتح ثغراتها بنفسها، حتى وإن أحكمت أسوارها وشيدت أبراج مراقبتها.
السيادة الحقيقيّة إذن ليست مجرد امتلاك القوّة، بل هي امتلاك الوعي والمناعة والمعنى أيضًا. إنها ذلك التوازن الدقيق بين صلابة المؤسسات وقدرتها على استيعاب التحولات، بين حماية الحدود وحماية القلوب، بين تحصين الجغرافيا وتحصين الرمزي. وفي هذا التوازن وحده يمكن للدولة أن تتحول من كيان جغرافي إلى كيان سردي، ومن مجرد حدود على الخريطة إلى معنى في الوجدان.
فهل يمكن للدول العربية اليوم أن تبني هذا التوازن؟ وهل تمتلك من الوعي ما يمكنها من رؤية الثغرات قبل أن يراها الآخرون؟ أسئلة تبقى مفتوحة، تنتظر إجاباتها من زمن قادم، ومن أجيال قادرة على تخيل سيادة مختلفة، تقوم على تحصين المعنى قبل تحصين الحدود الجغرافيّة.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...