الخطابُ الدِّينيُّ وسُلطةُ القولِ بغيرِ عِلْمٍ: قراءةٌ في أزمةِ المُرْسلِ والمُتَلَقِّي
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– حينَ تَغيبُ الأُطُرُ وتحضُرُ الفتوى:
ثمةَ إشكالٌ مركَّبٌ يُلاحِظُه المُتابعُ للشأنِ الدينيِّ العامِّ في العقودِ الأخيرةِ، يتمثَّلُ في تَزايُدِ ظاهرةِ القولِ في الدِّينِ بغيرِ عِلْمٍ، وتَصَدُّرِ شخصيَّاتٍ للفتوى والإفتاءِ تَفتقرُ إلى أَدواتِ الاجتهادِ ومُقوِّماتِ النظرِ، فضلًا عن إِحاطَتِها بمقاصدِ الشريعةِ وسياقاتِ التنزيلِ. وليس المقصودُ هنا محاكمةَ الأشخاص بقدر ما هو رصدُ ظاهرةٍ باتت تُنتِج آثارًا عميقةً في بُنية المجتمعات المسلمة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
يُمكن القول إن هذه الظاهرة تشتغل في فضاء اجتماعي مُهَيَّأ لاستقبالها؛ حيث هشاشة الإيمان لدى البعض، وضعف المناعة الفكرية، بما يُشكّل معادلةً جدلية خطرة تقوم على تغذية متبادلة بين مُرسِلٍ جاهل أو متجاهل، ومتلقٍّ مستسلم. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف تتشكل هذه العلاقة الجدلية التي تبدأ بفهم خاطئ للنص، ولا تنتهي عند تدبيرٍ فاسدٍ للشأن العام؟
– أولًا: الفتوى بلا ضوابط: إشكالية السياق والمآل
ليس من المبالغة القول إن ربط حياة الناس وتصرفاتهم بفتاوى غير مؤصلة علميًا، ولا مراعاة فيها لخصوصيات البيئات والأزمنة، يمثل شكلًا من أشكال إنتاج اليقين الزائف. فكيف لفتوى تجهل الواقع أن تعالج أزماته؟ وأين موقع فقه الأولويات وفقه الموازنات في خطاب يتعامل مع النص بمعزل عن مقاصده الكلية؟
الخلل هنا لا يقع فقط في شخص المفتي، بل يمتد إلى منهجية الاستدلال ذاتها. فكثير من هذه الفتاوى تُنتج شرعنة لخيارات سياسية أو اقتصادية بعينها، أو تضفي هالة من القداسة على آراء فقهية طارئة كانت في حاجة إلى مراجعة وتمحيص.
وهنا تكمن المفارقة: من يفتي بغير علم لا يضر نفسه فقط، بل يجر المجتمعات إلى صراعات عقيمة، ويكرّس ثقافة التيسير الزائف أو التعسير المبطِل.
الأخطر من ذلك أن هذه الفتاوى تسهم في تكريس سلطة دينية موازية تخترق مؤسسات الفتوى الراسخة، وتنتج خطابًا إعلاميًا صاخبًا يجد في فضاءات التواصل الاجتماعي حاضنة مثالية للانتشار. وهكذا تتحول المسألة الدينية من حقل معرفي دقيق إلى ساحة تنافس إعلامي، حيث الغلبة لصاحب الصوت الأعلى لا لصاحب الحجة الأقوى.
– ثانيًا: جدل الخاصّة والعامّة: حين يخوض الجميع في الدين
من الظواهر اللافتة في هذا السياق التحول الدراماتيكي في موقع العامة داخل الخطاب الديني. فبعد أن كان دورهم تقليديًا يقتصر على السؤال والتلقي، صاروا في كثير من الأحيان يُحاكمون مواد شرعية وقضايا فقهية مركبة بآليات بسيطة وأدوات محدودة.
كيف يمكن لشخص لا يملك أبسط أبجديات علوم الآلة؛ ويقصدون بعلوم الآلة تلك العلوم التي يتوسل بها لأن تكون وسيلة وآلة لفهم علوم الغاية لغةً وأصول فقه ومقاصد؛ أن يفتي في نازلة؟ وأين موقع قضايا دقيقة من مثل “سؤر الهر” في جدل واسع حول النص والقطيعة؟
الإشكال هنا لا يكمن في حق العامة في النقاش، بل في تحول النقاش إلى محاكمة وتكفير وتضليل. حين يغيب العلم تحضر الحماسة، وحين تفتقر المناقشة إلى أدواتها تتحول إلى سجال عقيم يستنزف الطاقات ويشوّش على الثوابت.
ولعل هذا ما يفسر جزءًا من حالة الاحتقان الفكري والمذهبي في المجتمعات المسلمة اليوم؛ إذ يغفل كثيرون أن الفهم الديني تراكم معرفي عبر قرون، لا وليد لحظة عاطفية أو قراءة عجلى.
وقد عبّر الإمام مالك بن أنس بدقة عن هذه الحقيقة حين قال: “من تكلّم في الدين بغير علم فقد هلك وأهلك.”
فالعبارة تحمل بعدين متلازمين: هلاكًا شخصيًا للمتكلم، وهلاكًا موضوعيًا للمتلقي.
– ثالثًا: إعادة تعريف “المنكر” في ضوء المقاصد الكلية
في خضم هذا الصراع على تأويل النص تبرز قضية أخرى مركبة: قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد اختُزلت هذه الشعيرة في كثير من الخطابات الدينية في بعدها الأخلاقي الفردي، بينما يحمل النص القرآني أفقًا أوسع بكثير.
ألا يندرج ضمن المنكر الفساد السياسي والإداري؟ أليس هدر المال العام، وسوء التدبير، والتضليل الإعلامي، والتلاعب بالوعي المعرفي، كلها صور من صور المنكر؟
إن استعادة المفهوم الشامل للمنكر تمثل مدخلًا أساسيًا لتحرير الخطاب الديني من أسر الجمود والانتقائية. فعندما يصبح المنكر مفهومًا يشمل كل أشكال الظلم والفساد، يتحرر الدين من ضيق الطقوس إلى رحابة الحياة.
وهذا هو عين المقصد القرآني في بناء الأمة الوسط التي تشهد على الناس وتكون قدوة في الإصلاح والخير.
* خلاصة استشرافية: بين صمت العارفين وصخب المتجرئين
يمكن القول إن أزمة الخطاب الديني اليوم هي في جوهرها أزمة المؤهل والمتكلم. فالناس باتوا بين صمت العلماء العارفين بكنه الأمور، وصخب المتجرئين الذين لا يرون لأنفسهم حدًّا.
وقد وضع القرآن معيارًا واضحًا للمسؤولية المعرفية حين قال: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
إنها قاعدة تضبط علاقة الإنسان بالكلمة والمعرفة معًا. فالكلمة التي تُقال بلا علم لا تضل صاحبها فحسب، بل قد تعيد تشكيل وعي مجتمع بأكمله.
ويبقى السؤال المفتوح: هل نستعيد هيبة العلم ونحاصر تجارة الدين بالباطل قبل أن يتحول الخطأ في الفتوى إلى أزمة في وعي المجتمع نفسه؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





