الاجتهاد المحاصر: سوسيولوجيا المعرفة الفقهية وإشكالية الغرفة المغلقة
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
ينطلق هذا البحث من فرضية مركزية مفادها أن أزمة الاجتهاد الفقهي المعاصر ليست ناتجة عن فقر نصي أو عجز منهجي، بل عن اختلال في البنية الاجتماعية والمعرفية التي يُنتج داخلها الفقه. ففي هذه البيئة، يتحول الإجماع من آلية تنظيمية مرنة إلى أداة ضبط قسري، قد تقترب في بعض تجلياتها من “إجماع بحد السيف”، حيث يُعاد تشكيل التوافق لا بوصفه حصيلة اقتناع علمي، بل كنتيجة لضغط رمزي واجتماعي يفرض الانسجام مع الأغلبية.
وفي هذا السياق، يبدو أن فرضية التماثل المعرفي تتعارض مع مبدأ كوني مؤسس: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ». إذ إن تغييب الاختلاف لا يؤدي إلى وحدة حقيقية، بل إلى توترات كامنة، تتراكم حتى تنفجر في أشكال صراع ممتد.
يحلل البحث هذه الظاهرة عبر مفهوم “الغرفة المغلقة”، حيث تتداخل الرقابة الذاتية، واستشعار الإحراج، والخوف من الخروج عن الجماعة، لتنتج فقهاً يعيد إنتاج ذاته، ويقصي إمكانات التجديد. كما يتناول أثر تآكل التمييز بين القطعي والظني، وما ينتج عنه من تضخم في الخطاب الديني، وانكماش في أفق الاجتهاد.
وينتهي البحث إلى مساءلة عميقة: هل يمكن إعادة فتح الفضاء الفقهي أمام الاختلاف المنتج، بوصفه شرطاً للتجديد لا تهديداً للوحدة؟
– المقدمة: نحو مساءلة شروط إمكان الاجتهاد الفقهي
لا ينتمي هذا البحث إلى النمط التقليدي من الدراسات الفقهية التي تنشغل بإنتاج الأحكام أو ترجيح الأقوال، بقدر ما يتجه إلى مستوى أعمق: مساءلة الشروط التي يُنتج داخلها الفقه نفسه. فهو لا يطرح سؤال “ماذا يقول الفقه؟” بقدر ما يطرح سؤالاً أكثر إشكالية: كيف يتشكل الفقه؟ وتحت أي ضغوط معرفية واجتماعية يُعاد إنتاجه؟
ينطلق هذا العمل من فرضية أن أزمة الاجتهاد المعاصر لا تعود إلى نقص في الأدوات الأصولية أو فقر في المادة النصية، بل إلى اختلال في البنية التي تؤطر عملية التفكير الفقهي. هذه البنية، بما تتضمنه من آليات ضمنية كالرقابة الذاتية، وسلطة الإجماع، واستبطان منطق الجماعة، تُسهم في إعادة تشكيل الفقه ضمن فضاء مغلق، تتراجع فيه إمكانات النقد، ويتقلص فيه أفق التجديد.
وفي هذا الإطار، يسعى البحث إلى تقديم مقاربة تتجاوز الحدود المألوفة للدرس الفقهي، من خلال استثمار أدوات تحليلية مستمدة من سوسيولوجيا المعرفة وعلم النفس الاجتماعي، بغرض تفكيك ما يمكن تسميته بـ”الغرفة المغلقة” للفكر الفقهي؛ أي ذلك النسق غير المرئي الذي يعيد إنتاج التوافق، ويحدّ من بروز الاختلاف، ويحوّل الاجتهاد من فعل نقدي إلى ممارسة تكرارية.
ولا يقف هذا الجهد عند حدود الوصف، بل يتخذ طابعاً استدراكياً، يروم الكشف عن الثغرات التي أغفلتها المقاربات التقليدية، خاصة ما يتعلق بتداخل البعد الاجتماعي والنفسي في تشكيل المعرفة الفقهية، وما ينشأ عنه من خلط بين القطعي والظني، وتضخم في الخطاب، وانكماش في القدرة على التفاعل مع الواقع.
وعليه، فإن هذا البحث يندرج ضمن مسار تجديدي يسعى إلى إعادة فتح أفق النظر في الفقه، لا عبر معارضة تراثه، بل عبر مساءلة بنيته، واستعادة حيويته من خلال إعادة الاعتبار للاختلاف بوصفه شرطاً للمعرفة، لا تهديداً لها. وفي هذا المسعى، يصبح الاجتهاد ليس مجرد أداة لإنتاج الأحكام، بل ممارسة نقدية تتطلب فضاءً مفتوحاً، تتكامل فيه الحرية العلمية مع المسؤولية المعرفية.
– أولاً: الإجماع بين منطق الوحدة ومآزق الإكراه: من الإجماع المرن إلى الإجماع الصلب
الإجماع في أصوله تعبير عن تفاعل حي بين العقول، لا عن تطابق ميكانيكي بينها. غير أن مساره التاريخي يكشف تحولاً تدريجياً من كونه أداة لضبط الفتوى إلى كونه سقفاً معرفياً مغلقاً.
حين يصبح الإجماع التاريخي معياراً للحقيقة، لا مجالاً لمراجعتها، يفقد طابعه الاجتهادي ويتحول إلى سلطة صامتة. لا يُستدعى بوصفه نتيجة، بل بوصفه مقدمة غير قابلة للنقاش. وهنا ينشأ التوتر: النص يدعو إلى التفكر، بينما الوعي الجماعي يدعو إلى الاتباع.
هل يمكن للعقل أن يجتهد تحت سقف محدد سلفاً؟ وأي معنى للإجماع إذا كان يمنع تشكله من جديد؟
* إجماع بحد السيف: حين يتحول التوافق إلى إكراه رمزي
في بعض السياقات، لا يُنتج الإجماع عبر الحجة، بل عبر الضغط. لا سيف مادياً بالضرورة، بل شبكة من العقوبات الرمزية: التشكيك، الإقصاء، التبديع. هنا يصبح الإجماع أقرب إلى حالة انضباط جماعي منه إلى اتفاق معرفي.
هذا النمط من “الإجماع القسري” يتعارض مع سنن الاختلاف، ويخلق حالة من التماثل الظاهري تخفي تحتها تباينات مكبوتة. وحين يُدار الاختلاف بوصفه خطراً، لا بوصفه مورداً، تتحول الوحدة إلى قشرة هشة، قابلة للتشقق عند أول اختبار.
أي وحدة هذه التي تقوم على إسكات الاختلاف؟ وأي استقرار ينتج عن كبت التنوع بدل تدبيره؟
* صدى الغرفة المغلقة: التكرار بوصفه يقيناً
تعمل “الغرفة المغلقة” هنا كآلية إعادة إنتاج: الفقيه لا يكرر لأنه عاجز، بل لأنه محكوم بسياق يعاقب الخروج عن المألوف. يتحول التكرار إلى استراتيجية بقاء، لا إلى خيار معرفي.
في هذا الفضاء، لا يُختبر الرأي بقدر ما يُقاس بدرجة انسجامه مع السائد. وهكذا، يتراكم خطاب يبدو متماسكاً من الداخل، لكنه منفصل تدريجياً عن تعقيدات الواقع.
– ثانياً: الرقابة الذاتية وأخلاقيات الصمت: “لا تهز القارب”: من الحذر إلى الشلل المعرفي
تتجسد الرقابة الذاتية في أقصى صورها حين يسبق الخوف الفكرة، فيمنعها من التكوّن. الفقيه لا يحتاج إلى رقيب خارجي، إذ يكفي أن يستبطن نظرة الجماعة ليعيد ضبط تفكيره وفقها.
هذا النمط من الضبط الذاتي يحول الاجتهاد إلى عملية حسابية: ليس ما هو الأرجح دليلاً، بل ما هو الأقل كلفة اجتماعياً. وهنا ينزاح معيار الحقيقة لصالح معيار السلامة.
كيف يمكن للعقل أن ينتج معرفة وهو منشغل بتجنب المخاطر؟ وأي اجتهاد يبقى ممكناً إذا كانت كلفته الإقصاء؟
* استشعار الحرج: حين تنقلب الفضيلة إلى قيد
المداراة، بوصفها خلقاً، تتحول في هذا السياق إلى آلية كبح. الفقيه يتردد لا لضعف حجته، بل لحرصه على عدم إرباك منظومة العلاقات. غير أن هذا الحرص، حين يتضخم، يفرغ الاجتهاد من جرأته اللازمة.
متى يصبح الحفاظ على الانسجام عائقاً أمام الحقيقة؟ ومتى يتحول الصمت من حكمة إلى تفريط؟
– ثالثاً: اختلال المنهج وتضخم الخطاب: تآكل التمييز بين القطعي والظني
يعد التمييز بين القطعي والظني حجر الزاوية في مرونة الفقه. غير أن تآكله يؤدي إلى توسيع دائرة الثوابت على حساب المتغيرات، فتُغلق مساحات الاجتهاد تدريجياً.
حين تُعامل الظنيات بوصفها قطعيات، لا يُقصى الرأي المخالف فحسب، بل يُجرَّم. وهنا يتحول الخلاف من ظاهرة طبيعية إلى أزمة، ومن مصدر غنى إلى مصدر تهديد.
كيف يمكن استعادة هذا التمييز بوصفه أداة تحرير، لا مجرد تصنيف نظري؟
* تضخم الخطاب: وفرة بلا عمق
يتجلى اختلال آخر في تضخم الخطاب الديني، حيث تمتد الفتوى إلى تفاصيل لا نهائية، على حساب القضايا الكلية. هذا الاتساع الكمي يقابله انكماش نوعي، إذ يغيب التركيز على المقاصد لصالح الانشغال بالجزئيات.
في هذا السياق، يتحول الفقه إلى خطاب استهلاكي سريع، يفقد قدرته على الإرشاد العميق، ويعجز عن مواكبة التحولات الكبرى.
* الخلاصة: نحو تفكيك الغرفة المغلقة وإعادة تأهيل الاختلاف
تكشف هذه الدراسة أن مأزق الاجتهاد لا يكمن في النصوص ولا في الأدوات، بل في البيئة التي تُنتج فيها المعرفة. وحين يُختزل الإجماع إلى أداة إكراه، ويُحوَّل الاختلاف إلى تهديد، لا يعود الانغلاق خياراً عرضياً، بل يصبح بنية مستدامة تعيد إنتاج نفسها.
إن العجز عن إدارة الاختلاف؛ بمستوياته الفقهية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ لا يؤدي إلى إلغائه، بل إلى تأجيل انفجاره في صورة صراعات ممتدة. فالتنوع، بما يحمله من أبعاد عرقية وعرفية وهووية، ليس طارئاً على الاجتماع الإنساني، بل هو شرط من شروطه. وحين يُقمع هذا التنوع بدل تدبيره، تتشكل ديناميات أزمة مفتوحة، تتجاوز الفقه إلى بنية المجتمع ذاته.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للفقه أن يتحرر من منطق الغرفة المغلقة، ليؤسس لوعي جديد يرى في الاختلاف طاقة إنتاج، لا مصدر تهديد؟ أم أن استمرار ثقافة الخوف والتوجس واستشعار الحرج؛ سيُبقي الاجتهاد رهين دائرة مغلقة، يعيد فيها إنتاج ذاته، بينما يتسع الفارق بين الخطاب والواقع؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





