القبائل الإداريّة ومعضلة الولاءات المتعددة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عبد الله شنفار

 

 

– أولاً: تشظي الدولة والهجنة المؤسسية
حين تتشظى الدولة في ذاتها
ليست الدولة الهجينة مجرد مرحلة انتقاليّة بين التقليد والحداثة، بل هي بنية قائمة بذاتها، تُنتج منطقها الخاص بها وتعيد إنتاج تناقضاتها بوصفها شروطًا للاستمرار. فحين لا تُحسم القطيعة مع أنماط الانتماء السابقة، لا تختفي هذه الأنماط، بل تعود في صورة أكثر تعقيدًا: لا كبديل عن الدولة، بل كطبقة خفيّة داخلها.
هنا، لا يعود السؤال: لماذا تستمر القبيلة في الوُجُود؟ بل؛ كيف تنجح في التوطن والتوطُّد داخل جهاز يُفترض أنه نقيضها؟ وكيف يمكن لموظف أن يكون مخلصًا لدولة وهو مدين بوجوده الوظيفي لشبكات ولاء متحركة؟

في هذا السياق، تتولد معضلة الولاءات المتعددة لا كاختلال عرضي، بل كقاعدة اشتغال. الموظف لا ينتمي إلى مركز واحد، بل يتحرك داخل حقل قوى متشابك، حيث تتنازع قراره ولاءات متراكبة.
وإذا كان الولاء للمؤسسات والقيم الثابتة شرطًا لقيام الدولة الحديثة، فكيف يؤثر انتقال الولاء في المغرب من مرجعية جامعة مثل “الله – الوطن – الملك” إلى ولاءات شخصية ظرفية على استقرار القرار العمومي وحياده؟
وهل يمكن الحديث عن “انتماء مؤسسي” في بنية تُكافئ التعدد بدل أن تضبطه؟ أم أن الدولة، في هذه الحالة، لا تُلغي تعدد الولاءات، بل تُعيد توزيعها على المستوى الإداريّ؟
– ثانياً: الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا المؤسسية للولاءات المتعددة
1. أنثروبولوجيا التسلل: القبيلة بوصفها بنية مرنة
ما تكشفه القراءة الدقيقة ليس غزوًا مباشرًا للقبيلة، بل قدرتها على التكيف. إنها لا تدخل المؤسسة كما هي، بل تعيد تشكيل نفسها وفق شروطها: تتحول من رابطة دم إلى شبكة مصالح، ومن تضامن تقليدي إلى تحالف وظيفي.
لكن أليس هذا التحول هو سر بقائها ووجودها وأمنها واستقرارها واستمرارها وتنميتها وعمرانها؟ أو أن تتخلى عن شكلها لتحتفظ بجوهرها؟
داخل هذا الأفق، يصبح الجهاز الإداري فضاءً مزدوجًا: ظاهرٌ قانوني يُعلن الحياد، وباطنٌ علائقي يُدير ويدبّر الفعل. القاعدة تُكتب في النص، لكن القرار يُصاغ في الشبكة. وهنا ينبثق السؤال الحاسم: أين تُصنع الدولة فعليًا؛ هل في القوانين أم في العلاقات التي تُعيد تأويلها؟
إن الحكاية حول اجتماع يُناقش مسألة قابلة للحسم التجريبي؛ لا تكشف عن جهل معرفي بقدر ما تكشف عن منطق أعمق؛ وهو تجنب الحسم. فالحسم يُنهي الحاجة إلى الوساطة، بينما استمرار الغموض يُبقي الشبكة فاعلة. فهل يُدار الالتباس هنا بوصفه خللًا، أم بوصفه تقنيّة سلطة؟
2. سيكولوجيا التعدد: حين يصبح الولاء موردًا استراتيجيًا
تعدد الولاءات لا يُنتج فقط تشظيًا في الانتماء، بل يُعيد تعريفه. فالولاء لم يعد التزامًا أخلاقيًا، بل أصبح موردًا قابلًا للتداول. يُمنح، يُسحب، ويُعاد توجيهه وتوظيفه حسب موازين القوّة. في هذا السياق، لمن يكون الإخلاص؟ للقانون الذي يُفترض أنه مجرد، أم للشبكة التي تضمن الحماية؟
وحين يصبح الولاء للأشخاص بوابة للترقي وتحصيل الموارد بدل الكفاءة والالتزام بالمصلحة العامة، فإلى أي حد يُسهم ذلك في إعادة إنتاج الهشاشة الاقتصادية والإدارية وتعطيل منطق الاستحقاق؟ أليس هذا ما يُفضي إلى بنية تُكافئ الامتثال أكثر مما تُكافئ الكفاءة، وتُعيد إنتاج ذاتها عبر نفس القنوات التي تُضعفها؟

– ثالثاً: الاقتصاد الخفي والسياسة كإدارة للتشظي والتحول
1. الاقتصاد الخفي أو حين تُصبح الوظيفة مجالًا للتوزيع
القبائل الإدارية لا تعيش على الرمزيّة وحدها، بل على اقتصاد موازٍ يمنحها الوُجُود والاستمراريّة. الوظيفة هنا ليست موقعًا تقنيًا، بل عقدة توزيع: موارد، فرص وامتيازات. بهذا المعنى، أليست الإدارة تُعاد صياغتها كحقل ريعي أكثر منها جهازًا إنتاجيًا؟
إذا كان الولوج إلى الموارد يمر عبر شبكة العلاقات، فهل يمكن للكفاءة أن تكون معيارًا؟ أم أنها تتحول إلى خطاب تبريري لا يعمل إلا في حدود ما تسمح به موازين الولاء المتعدد الأبعاد والأطراف؟ هذا الاقتصاد الخفي لا يكتفي بإعادة توزيع وإنتاج وتدوير الموارد، بل يُعيد تشكيل السلوك. إذ يصبح الاستثمار في العلاقات أكثر جدوى من الاستثمار في المهارات.
وهنا يتعمق السؤال: ماذا يحدث حين تُكافئ البنية ما يفككها؟

2. السياسة بوصفها إدارة وتدبير للتشظي
سياسيًا، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في الفشل. ففي كثير من الأحيان، هي صيغة حكم وإدارة وتدبير. فالدولة التي لا تستطيع فرض مركزيّة صارمة، تُدير التعدد عبر تفتيته. وبالتالي، الولاءات المتعددة لا تُلغى، بل تُترك في حالة تنافس دائم، بحيث لا تتشكل قوّة مضادة متماسكة.
لكن هذه الاستراتيجيّة تحمل مفارقتها: فما يضمن السيطرة الآنية، قد يُضعف القدرة على الفعل المستقبلي. فالدولة التي تُجزئ ولاءاتها، تُجزئ قدرتها. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن لسلطة تُدار عبر التوازنات أن تنتج مشروعًا طويل المدى؟ أم أنها تظل أسيرة إدارة وتدبير اللحظة؟
وإذا كانت الولاءات الشخصية بطبيعتها زائلة بزوال أصحابها، فما الأثر التراكمي الذي تتركه على استمرارية السياسات العمومية وثقة المواطن في الدولة؟
3. في أفق التحول: بين التفكيك وإعادة التركيب
إذا كان تجاوز هذه البنية ممكنًا، فهو لا يمر عبر إلغاء الولاءات، بل عبر إعادة تنظيمها. أي عبر نقلها من فضاء غير رسمي إلى إطار مؤسسي شفاف. لكن، هل يمكن تحويل الولاء دون تفكيك شروط إنتاجه؟
التحول يقتضي ثلاث قطيعات متداخلة:
1. قطيعة مع اقتصاد يجعل الوظيفة مصدرًا للريع؛
2. وقطيعة مع ثقافة ترى في القاعدة تهديدًا؛
3. وقطيعة مع تصور للانتماء يقوم على الحماية لا على المساءلة.
غير أن السؤال الأعمق يظل معلقًا: هل يمكن بناء ولاء مؤسسي دون بناء ثقة مؤسسيّة؟ وإذا كانت الثقة لا تُفرض، بل تُنتج، فما هي الشروط التي تجعل الفرد يختار القاعدة على الشبكة؟

* خلاصة: نحو أفق مفتوح: الدولة كاحتمال لا كمعطى
في النهاية، لا تبدو القبائل الإدارية انحرافًا طارئًا، بل تعبيرًا عن دولة لم تُحسم بعد. دولة تتفاوض مع ذاتها، بين ما تريد أن تكونه وما تستطيع أن تكونه. والسؤال الذي يظل يقاوم كل حسم: هل يمكن أن تتحول هذه الحالة الهجينة إلى مرحلة، أم أنها قدر بنيوي؟
ربما لا يكون الرهان في القضاء على التعدد، بل في منعه من التحول إلى انقسام. وربما لا يكون التحدي في توحيد الولاء، بل في جعله قابلًا للمساءلة.
لكن، هل تقبل البنى التي تعيش على الغموض أن تُعرَّف؟ وهل يمكن لنظام يستمد قوته من تعدد مراكزه أن يقبل بمركز واحد للشرعيّة؟
بين هذه الأسئلة، يتحدد أفق الدولة الممكنة: لا ككيان مكتمل، بل كصيرورة معلقة بين التفكك وإعادة البناء.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...