من شرعيّة الوُجُود إلى سؤال النهاية: المينورسو أمام منعطف التاريخ وإعادة تشكيل معادلة الصحراء المغربية

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

إن استحضار تجربة عملية تحديد الهوية ومسار الطعون اللذين رافقا التحضير للاستفتاء في الصحراء الغربية المغربية، يثير جملة من الملاحظات بشأن أداء بعض عناصر بعثة المينورسو، ولا سيما ما يتصل بمدى احترامهم لمبدأ الحياد والتقيد الصارم بالاختصاصات الأممية.
فقد أُثيرت، خلال تلك المرحلة، اعتراضات على ممارسات اعتُبرت تجاوزاً للمهام الموكولة إلى البعثة، وتدخلاً في مسائل لا تدخل أصلاً ضمن نطاق اختصاصاتها.
وتعلقت أبرز هذه المآخذ بعقد بعض عناصر المكون المدني لقاءات غير رسمية وغير منسقة مع أطراف تتبنى أطروحات معادية للوحدة الترابية للمملكة، وبما أُثير بشأن انحياز بعض التقارير الميدانية المرفوعة إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن تدخلات وتصريحات ذات طابع سياسي صدرت عن بعض الموظفين.
كما وُجهت انتقادات إلى تصرفات بدا معها أصحابها وكأنهم ينصّبون أنفسهم محامين ومراقبين وقضاة في قضايا تتجاوز حدود مهمتهم، بما أثار تساؤلات حول مدى استقلالية بعض العناصر عن أجندات أطراف ودول معروفة بمواقفها المناوئة للمغرب ووحدته الترابية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في التقدير أو تباين في وجهات النظر؛ بل باعتراضات تمسّ جوهر المهمة الأممية نفسها. فالموظف الدولي ليس مفوضاً لممارسة الوصاية السياسيّة على الأطراف، ولا لتجاوز حدود التفويض الممنوح لبعثته، ولا لتحويل موقعه الوظيفي إلى منصة للتأثير في مسار نزاع يخضع لاختصاصات ومقتضيات أممية محددة.
وقد عبّرت السلطات المغربية عن رفضها لهذه الممارسات والتجاوزات في أكثر من مناسبة، ولم تتعامل معها باعتبارها أمراً يمكن التغاضي عنه أو التطبيع معه.
فالحياد ليس امتيازاً يمنحه الموظف لنفسه، ولا شعاراً يردده في التقارير والبلاغات، وإنما التزام تفرضه طبيعة المهمة التي أُوكلت إليه.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أداء المينورسو لا ينبغي أن يقتصر على طبيعة التفويض الأممي الممنوح لها، أو على ما تتضمنه قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمانة العامة من مقتضيات رسمية؛ بل يتعين أيضاً استحضار الملاحظات والاعتراضات التي رافقت عمل بعض عناصرها خلال مرحلة تحديد الهوية والطعون، وما أثير بشأن الفارق بين مقتضيات الحياد في النصوص والممارسة الميدانية على أرض الواقع.
وباستحضار هذه الخلفية، يمكن فهم طبيعة الترقب والضغط الذي كان يسبق موعد تجديد ولاية المينورسو في الحادي والثلاثين من أكتوبر من كل سنة. فلم يكن الأمر يتعلق بقرار أممي عابر، أو باستحقاق إجرائي يتكرر بصورة آلية؛ بل كان يتحول إلى محطة سنوية من الترقب السياسي والدبلوماسي، تستحضر معها المملكة أشكالاً متعددة من الضغط والمناورات والدسائس والابتزاز والاستنزاف والمساومات.
وكان السؤال يتكرر مع كل موسم أممي: هل يتجدد القرار بالصيغة نفسها، أم تطرأ عليه تعديلات تمسّ مضمونه أو توجهاته أو حدود التفويض الممنوح للبعثة؟
وبين هذا الاحتمال وذاك، كانت تدور في كواليس الدبلوماسية الدولية معركة صامتة، تتشابك فيها الحسابات والمصالح والتحالفات، وتُمارس فيها ضغوط متبادلة، وتُدار مفاوضات لا تكشف الوثائق والبلاغات الرسمية سوى جانب محدود من تفاصيلها.
فما يظهر في قاعات مجلس الأمن ليس بالضرورة كل ما جرى خلف الأبواب المغلقة، وما يُعلن في نهاية المطاف لا يعكس دائماً حجم المساومات والجهود التي سبقته.
ولعلّ السفير عمر هلال، الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، من أكثر العارفين بتعقيدات هذه المواجهة وخفاياها، بحكم وجوده في قلب المعركة الدبلوماسيّة، ومتابعته المباشرة لتفاصيل المفاوضات والاتصالات والتحركات التي ترافق كل استحقاق أممي.
فهو يوجد في موقع يتيح له الاطلاع على جوانب من هذه المواجهة لا تصل بالضرورة إلى الرأي العام، ولا تجد طريقها إلى البلاغات والتصريحات الرسمية.
ففي مثل هذه المعارك، لا تُقاس الدبلوماسية بما يصدر في نهاية المطاف من قرارات فحسب، بل أيضاً بما يُمنع تمريره، وما يُنتزع بالتفاوض، وما يُحبط من محاولات الالتفاف على المصالح الوطنية والثوابت السيادية للمملكة.
إلى أن جاء البلاغ الملكي، يوم 30 أكتوبر 2026، ليضع حداً لسنوات من الترقب والانتظار، ويحمل معه ما اعتبرته المملكة منعطفاً تاريخياً في مسار قضية الصحراء المغربية.
فقد جاء عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، عقب تعثر مشروعي القرار اللذين تقدمت بهما كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ليضع مستقبل البعثة ووجودها على التراب الوطني أمام واقع جديد؛ إذ استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، فيما لم يحصل المشروع الروسي على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده، بعد تصويت الولايات المتحدة ضده وامتناع أحد عشر عضواً.
وهكذا، لم يُعتمد أي من المشروعين، وانتهت جلسة مجلس الأمن دون تجديد ولاية المينورسو التي انتهت مدتها في 31 أكتوبر.
وجاء البلاغ الملكي ليعلن أن عدم التجديد يعني، وفق الموقف المغربي، أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بأفرادها ومعداتها وآلياتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام الموالية.
وكان العيد عيدين! فقد تزامن هذا التطور مع تخليد المملكة عيد الوحدة، في لحظة حملت دلالات سياسية ورمزية خاصة، وأضفت على المناسبة الوطنية بُعداً يتجاوز الاحتفال إلى استحضار التحول الذي أعلنته المؤسسة الملكية في تدبير ملف الصحراء المغربية.
وبذلك، أُسدل الستار على مرحلة امتدت خمسة وثلاثين عاماً من وجود المينورسو، وفق ما عبّر عنه البلاغ الملكي، في انتظار استكمال مقتضيات إنهاء وجودها الميداني.
وهي نهاية فصل من فصول تدبير هذا الملف داخل الأمم المتحدة، وبداية مرحلة جديدة تراهن فيها المملكة على تثبيت مكتسباتها ومواصلة الدفاع عن وحدتها الترابية وثوابتها السيادية.
فما بين تجربة ميدانية كشفت، في نظرنا، اختلالات في أداء بعض عناصر البعثة، ومعركة دبلوماسية ظلت تتجدد مع كل موعد أممي، جاء البلاغ الملكي ليعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى.
ولم يكن الفرح هذه المرّة بتجديد ولاية أو تعديل قرار، بل بعدم تجديد الولاية أصلًا؛ وتلك مفارقة تختصر، في دلالتها السياسية والتاريخية، حكاية خمسة وثلاثين عامًا من الترقّب والمواجهة، وتؤشّر إلى نهاية مرحلة طال أمدها، بما حملته من تجاذبات وضغوط واستنزاف دبلوماسي.
فحين ينتهي مفعول الزمن السياسي، لا تُطوى صفحة من التاريخ فحسب، بل يُفتح أفق جديد لكتابته؛ وحين تبلغ التحوّلات الاستراتيجية مداها، يصبح انتهاء مرحلة مدخلًا لإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الطاقات نحو ما هو أعمق وأبقى: ترسيخ السيادة، وتثبيت مقوّمات الاستقرار، والانصراف إلى معركة البناء والتنمية والعمران.
فالمينورسو، بما مثّلته من فصل طويل في تاريخ النزاع، قد تكون نهايتها بداية فصل آخر؛ فصل لا يكون فيه الرهان على تدبير الانتظار، بل على صناعة المستقبل، ولا على استنزاف الزمن في حسابات المواجهة، بل على استثماره في بناء الإنسان والمجال، وتوسيع آفاق التنمية، وتحويل مكاسب السيادة إلى منجزات ملموسة على الأرض.
هكذا، لا تكون نهاية مرحلة مجرّد إغلاق لصفحة من الماضي، بل بداية لكتابة تاريخ جديد؛ تاريخ تتقدّم فيه السيادة من موقع الدفاع عن الحق إلى موقع بناء المستقبل، وتتحوّل فيه طاقة الانتظار إلى ورشٍ مفتوح للتنمية والعمران.
فإذا كان الزمن قد طوى صفحةً من حكاية المينورسو، فإنّ التاريخ يضع أمامنا صفحةً أخرى عنوانها: السيادة التي تبني، والتنمية التي تُرسّخ، والعمران الذي يمنح الانتصار معناه الأعمق.

———

*  الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.


شاهد أيضا

شاهد أيضا