السيسي وما بعد 2030: هل نحن أمام نهاية رئاسية فعلية أم إعادة ترتيب للمشهد السياسي المصري؟

 

 

 

 

فرج كُندي

رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث

 

 

حين يتحول التصريح الرئاسي إلى سؤال عن مستقبل السلطة

لا تكمن أهمية التصريح الأخير للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن عدم المساس بالدستور في عبارته المباشرة فحسب، بل في توقيته السياسي، والسياق الذي جاء فيه، والرسائل التي يمكن استخلاصها منه بشأن مستقبل السلطة في مصر بعد عام 2030. فحين يؤكد رئيس أمضى سنوات طويلة في الحكم أن الدستور لن يُعدَّل لتمديد بقائه في الرئاسة، وأن نهاية ولايته في عام 2030 أمر محسوم، فإن هذا التصريح يفتح بابًا لقراءة تتجاوز إعلان النية إلى تحليل طبيعة المرحلة المقبلة، والخيارات المتاحة أمام النظام، والكيفية التي يمكن أن تُدار بها مسألة انتقال السلطة.

ففي 17 أكتوبر 2026، جدّد السيسي تأكيده أن رئاسته ستنتهي في عام 2030، وأن الدستور لن يُمس، ووصف انتهاء ولايته بأنه أمر محسوم لا ينبغي أن يكون محل نقاش. وجاء ذلك في سياق الحديث عن برنامج لإعداد كوادر وقيادات مؤهلة لتولي مسؤوليات الدولة، من بينها المناصب التنفيذية العليا.

ومن هنا يمكن الانطلاق من فرضية أساسية: إذا التزم السيسي بتصريحه، ولم يُعدَّل الدستور بما يسمح له بولاية جديدة، فإن السؤال لن يكون فقط: من سيخلفه؟ بل أيضًا: هل سيكون انتقال السلطة انتقالًا فعليًا إلى قيادة جديدة، أم انتقالًا شكليًا يسمح باستمرار نفوذ الرئيس الحالي، وربما بعودته إلى الرئاسة لاحقًا؟

ماذا يعني تصريح السيسي في ميزان السياسة والدستور؟

تنبع أهمية التصريح من أن الرئيس المصري لا يتحدث عن مسألة هامشية، بل عن الحد الزمني لبقائه في قمة السلطة، وهي قضية ترتبط بطبيعة النظام السياسي، وتوازناته الداخلية، ودور المؤسسات العسكرية والأمنية، وموقع النخب السياسية والاقتصادية في منظومة الحكم.

فالتعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019 مددت مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، وأتاحت للسيسي الترشح لولاية ثالثة، بعد تعديل الأحكام الانتقالية المرتبطة بوضعه الرئاسي. وبذلك أصبح عام 2030 الموعد الذي تنتهي عنده ولايته الحالية، وفق الإطار الدستوري القائم

وتنص المادة 140 من الدستور المصري، في صيغتها المعمول بها، على أن رئيس الجمهورية يُنتخب لمدة ست سنوات، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين. أما التعديلات الانتقالية لعام 2019 فقد أتاحت للسيسي الاستمرار حتى عام 2030. ولذلك فإن أي محاولة لتمديد بقائه بعد هذا التاريخ تستدعي معالجة دستورية جديدة، ما لم يُطرح مسار قانوني مختلف يقوم على تفسير النصوص القائمة.

وعلى هذا الأساس، يحمل التصريح ثلاثة أبعاد سياسية:

البعد الأول هو إغلاق باب الجدل العلني حول تعديل الدستور من أجل ولاية رئاسية جديدة، على الأقل في المرحلة الراهنة. فالرئيس يدرك أن استمرار تداول فكرة تمديد بقائه قد يخلق حالة من عدم اليقين داخل مؤسسات الدولة، ويجعل النخب السياسية والإدارية منشغلة بمستقبل الرئيس أكثر من انشغالها بترتيبات المرحلة التالية.

أما البعد الثاني فيتصل بمحاولة تقديم صورة عن الاستعداد لمرحلة انتقالية، من خلال الحديث عن إعداد قيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية. وقد يكون هذا التوجه مؤشرًا على رغبة حقيقية في إعداد بدائل، أو جزءًا من سياسة أوسع لإدارة مرحلة ما بعد السيسي، أو وسيلة لتأكيد أن الدولة تمتلك كوادر يمكنها الاستمرار من دون الاعتماد على شخص واحد. ولا يمكن الجزم بأحد هذه التفسيرات من التصريح وحده.

ويتمثل البعد الثالث في أن تأكيد موعد المغادرة لا يحسم وحده طبيعة انتقال السلطة. فثمة فرق بين انتهاء الولاية الدستورية، وبين انتقال مركز القرار الفعلي إلى قيادة جديدة، وبين استمرار شبكات النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي التي تشكلت خلال سنوات الحكم. وقد يغادر الرئيس منصبه رسميًا، بينما تستمر بعض مراكز القوة في التأثير في مسار الحكم، كما قد يؤدي انتقال الرئاسة إلى إعادة تشكيل تلك المراكز بصورة أعمق.

الفرضية الأولى — الالتزام بالدستور وتسليم السلطة عام 2030

يفرض التحليل الموضوعي أن نبدأ بالاحتمال الأكثر اتساقًا مع التصريح المعلن، وهو أن يلتزم السيسي بما قاله، وأن يغادر الرئاسة عند انتهاء ولايته في عام 2030، من دون تعديل دستوري يسمح له بالترشح مجددًا في ذلك الاستحقاق.

وفي هذه الحالة، سيكون على النظام المصري أن يواجه واحدة من أهم قضايا الحكم: كيفية اختيار الرئيس التالي، وطبيعة الضمانات التي تجعل انتقال السلطة قابلًا للاستمرار، لا مجرد ترتيب ظرفي مرتبط بشخص الرئيس.

ويكتسب الحديث عن برنامج إعداد القيادات أهمية خاصة في هذا السياق. فقد أعلن السيسي عن توجه لتدريب كوادر مؤهلة عبر الأكاديمية العسكرية المصرية، على أن تشمل فرص تولي المسؤولية مناصب متعددة، من الوزارات والمحافظات إلى رئاسة الجمهورية والبرلمان.

لكن إعداد القيادات، على أهميته، يختلف عن بناء نظام سياسي يتيح اختيارها بحرية. فالتأهيل الإداري والعسكري والأكاديمي لا يكفي وحده لإنتاج قيادة سياسية تحظى بتفويض شعبي واسع؛ إذ يحتاج الأمر كذلك إلى مؤسسات تمثيلية فاعلة، وتنافس سياسي حقيقي، وقواعد معلنة للترشح، وإعلام قادر على عرض البرامج ومناقشتها، وقضاء مستقل يضمن نزاهة العملية الانتخابية.

وهنا تبرز نقطة مركزية: هل سيكون البرنامج وسيلة لتوسيع قاعدة الاختيار وإعداد جيل جديد من القيادات المتنافسة، أم أنه سيؤدي عمليًا إلى إنشاء مسار مركزي لإعداد نخبة تختارها مؤسسات الدولة وتؤهلها وفق تصورها الخاص للحكم؟

وإذا التزم السيسي بموعد المغادرة، فإن نجاح الانتقال سيعتمد على ما إذا كانت المؤسسات ستستطيع إدارة المنافسة الرئاسية وفق قواعد مستقرة، وما إذا كان الرئيس الجديد سيتمتع بصلاحيات فعلية، أم سيجد نفسه محاطًا بتوازنات تحد من قدرته على اتخاذ القرار.

ومن هذه الزاوية، فإن انتهاء الولاية لا يمثل في ذاته اكتمال التحول السياسي؛ فقد يكون بداية لإعادة بناء العلاقة بين الرئاسة والمؤسسات، أو مجرد انتقال من شخص إلى آخر مع استمرار البنية نفسها.

الفرضية الثانية — تغيير الموقف والعودة إلى تعديل الدستور

على الرغم من وضوح التصريح، يبقى من المشروع في التحليل الاستقرائي دراسة احتمال أن يتغير الموقف السياسي قبل عام 2030، لا باعتباره حقيقة مؤكدة أو خطة يجري تنفيذها، وإنما بوصفه سيناريو مشروطًا بظهور عوامل جديدة.

فالتاريخ السياسي المصري، شأنه شأن تجارب عربية أخرى، يبين أن العلاقة بين النص الدستوري وممارسة السلطة لا تُفهم دائمًا بمعزل عن موازين القوى. وقد سبق أن شهدت مصر تعديلات دستورية غيّرت مدة الولاية الرئاسية، وأعادت ترتيب شروط استمرار الرئيس في منصبه، وهو ما يجعل احتمال إعادة فتح الملف قابلًا للنقاش السياسي، وإن كان التصريح الأخير يتجه بوضوح إلى نفيه.

وقد يظهر هذا السيناريو إذا واجهت السلطة صعوبة في التوافق على خليفة مقبول داخل مراكز القوة، أو إذا رأت أطراف مؤثرة أن انتقال الرئاسة قد يهدد توازنات قائمة، أو إذا نشأت ظروف داخلية أو إقليمية تستخدم لتبرير استمرار القيادة الحالية. وقد يُطرح عندئذ خطاب يركز على استقرار الدولة، أو خطورة المرحلة، أو الحاجة إلى استكمال مشروعات قائمة، باعتبارها مبررات لتمديد البقاء.

هنا تكمن دلالة سياسية تستحق المتابعة: إذا استمرت الدعوات المطالبة بولاية جديدة رغم التصريحات المتكررة الرافضة للتعديل، فسيكون من المهم فحص ما إذا كانت مجرد تعبيرات صادرة عن مؤيدين، أم أنها تتحول إلى حملة سياسية منظمة، وما إذا كان الرئيس يتعامل معها بالرفض الصريح أم يتركها تتسع في المجال العام.

ومع ذلك، فإن الاستنتاج المنضبط في الوقت الراهن هو أن تغيير الموقف احتمال يمكن تحليله، لا نتيجة يمكن إعلانها مسبقًا. وسيظل الحكم على هذا السيناريو مرتبطًا بمؤشرات عملية، مثل ظهور مقترحات دستورية رسمية، أو تحركات برلمانية محددة، أو تغير واضح في الخطاب الرئاسي، لا بمجرد الشائعات أو التأويلات.

الفرضية الثالثة — استنساخ النموذج الروسي: الخروج من الرئاسة ثم العودة إليها

يقدم النموذج الروسي حالة مقارنة مهمة لفهم الكيفية التي يمكن أن يغادر بها الرئيس منصبه من الناحية الدستورية، مع احتفاظه بنفوذ سياسي واسع، ثم يعود إلى الرئاسة في مرحلة لاحقة.

ففي عام 2008، انتهت الولاية الرئاسية الثانية المتتالية لفلاديمير بوتين في ظل النص الدستوري الروسي الذي كان يمنع تولي الرئاسة لأكثر من ولايتين متتاليتين، وفاز ديمتري ميدفيديف بالرئاسة، فيما تولى بوتين رئاسة الحكومة. ثم عاد بوتين إلى الرئاسة عام 2012، بعد انتهاء ولاية ميدفيديف، مستفيدًا من أن القيد الدستوري كان متعلقًا بتوالي الولايات، لا بمنع العودة بعد انقطاع.

ولم تكن أهمية التجربة في مجرد انتقال المنصب من بوتين إلى ميدفيديف ثم عودة بوتين، بل في أن بوتين ظل شخصية محورية في منظومة الحكم خلال الفترة التي تولى فيها ميدفيديف الرئاسة. فقد أتاح موقعه رئيسًا للحكومة استمرار حضوره السياسي، بينما ظل انتقال الرئاسة خاضعًا لترتيبات النخبة الحاكمة وتوازنات القوة القائمة.

لكن النموذج الروسي لا ينبغي اختزاله في فكرة أن بوتين «عيّن نائبه ثم عاد»؛ فميدفيديف لم يكن نائبًا للرئيس بالمعنى الدستوري، بل كان رئيسًا منتخبًا، وكان بوتين رئيسًا للحكومة. كما أن التجربة الروسية جرت في سياق سياسي ومؤسسي مختلف عن السياق المصري، ما يجعل المقارنة مفيدة في تفسير الآليات، لا في الجزم بأن التجربة ستتكرر.

كيف يمكن أن ينعكس هذا النموذج على الحالة المصرية؟

إذا التزم السيسي بعدم تعديل الدستور، وغادر الرئاسة عام 2030، فقد يُطرح نظريًا سيناريو يتولى فيه شخصية مقربة منه الرئاسة، بينما يحتفظ هو بنفوذ سياسي أو مؤسسي من خارج المنصب، ثم يعود إلى الترشح بعد انقضاء ولاية رئاسية واحدة على الأقل، إذا سمحت النصوص الدستورية النافذة بذلك.

وتستند هذه الفرضية إلى أن المادة 140 المصرية تقيد تولي الرئاسة بأكثر من مدتين متتاليتين، لا بحد أقصى مدى الحياة، بحسب صياغتها الحالية. ومن حيث المبدأ، فإن عبارة «متتاليتين» تفتح سؤالًا قانونيًا حول إمكان الترشح مجددًا بعد انقطاع، لكن تطبيق ذلك على حالة السيسي تحديدًا يتطلب دراسة دقيقة للتعديلات الدستورية لعام 2019، ولا سيما أحكامها الانتقالية، ولأي تعديلات أو تفسيرات قضائية قد تظهر قبل عام 2030. ولا يصح اعتبار العودة حقًا محسومًا أو مسارًا مضمونًا بمجرد قراءة عبارة واحدة من المادة الدستورية

وفي حال تحقق هذا السيناريو، ستكون هناك ثلاثة أسئلة حاسمة:

– من سلف السيسي؟ هل سيكون شخصية تتمتع بقاعدة سياسية مستقلة، أم شخصية قريبة من مركز السلطة الحالي؟

– أين سيكون مركز القرار؟ هل تنتقل الصلاحيات الفعلية إلى الرئيس الجديد، أم يستمر الرئيس السابق في التأثير في الملفات الكبرى من موقع آخر؟

– هل تكون العودة ممكنة دستوريًا وسياسيًا؟ فالأمر لا يتوقف على صياغة المادة 140 وحدها، بل على الوضع الدستوري عند موعد الترشح، وتفسير النصوص ذات الصلة، وموازين القوى، وشروط المنافسة الانتخابية.

وتظهر هنا نقطة الاختلاف الأساسية بين الحالة المصرية والروسية: النموذج الروسي لا يقوم على وجود قيد دستوري يمنع بوتين من الرئاسة مدى الحياة، بل على قيد للولايات المتتالية، سمح له بالعودة بعد انقطاع. أما في مصر، فقد شهدت المادة 140 وأحكامها الانتقالية تعديلًا خاصًا عام 2019، الأمر الذي يجعل أي استنساخ للتجربة الروسية بحاجة إلى تدقيق دستوري إضافي، لا إلى القياس السياسي وحده.

وبذلك يصبح سيناريو العودة بعد فترة انقطاع احتمالًا تحليليًا يستحق المتابعة، لكنه لا يثبت أن السيسي يخطط له، ولا أن الدستور سيتيح تنفيذه بالضرورة في الظروف التي ستسود عام 2030 وما بعده.

ما الذي يرجّح أحد السيناريوهات على الآخر؟

لا يكفي وضع ثلاثة سيناريوهات متجاورة، بل ينبغي البحث عن المؤشرات التي يمكن أن ترفع احتمال أحدها أو تخفضه. ويمكن تحديد عدد من المتغيرات الحاسمة.

أول هذه المتغيرات هو طبيعة الخطاب الرئاسي خلال السنوات المقبلة. فإذا استمر السيسي في تأكيد أن عام 2030 يمثل نهاية ولايته، ورفض بوضوح الدعوات إلى التمديد، وأصبحت عملية إعداد القيادة التالية مرتبطة بقواعد مؤسسية معلنة، فإن ذلك يعزز فرضية الالتزام بالمغادرة. أما إذا بدأ الخطاب يتغير تدريجيًا نحو الحديث عن الظروف الاستثنائية أو ضرورة استكمال المسار، فإن ذلك قد يكون مؤشرًا يستحق المتابعة، لكنه لا يثبت وحده اتخاذ قرار بالتعديل.

وثانيها هو شكل عملية إعداد الخلفاء. فإذا جرى إعداد الكوادر ضمن برنامج مفتوح بمعايير واضحة، مع بقاء حق المواطنين في الترشح والاختيار، فقد يمثل ذلك خطوة نحو انتقال منظم. أما إذا تركزت العملية على إعداد مجموعة محدودة من الشخصيات التي تحظى برعاية مؤسسات الدولة، من دون انفتاح سياسي حقيقي، فقد يشير ذلك إلى أن الأولوية هي ضبط عملية الخلافة أكثر من توسيع المنافسة.

وثالثها هو موقف المؤسسات المؤثرة في الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والنخب الإدارية والاقتصادية. فهذه المؤسسات ستؤثر في عملية انتقال السلطة، لكن لا يمكن افتراض أنها ستتبنى موقفًا موحدًا أو أن تفضيلاتها ستظل ثابتة حتى عام 2030. وما ينبغي مراقبته هو طبيعة الترتيبات المعلنة، وتوزيع الصلاحيات، ومدى استقلال الرئيس التالي في اتخاذ القرار.

ورابعها هو الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فقد تؤثر الضغوط الاقتصادية، ومستوى الرضا الشعبي، وقدرة الحكومة على إدارة الديون والأسعار وفرص العمل، في تقدير النخبة الحاكمة لمخاطر الانتقال وفوائده. لكن الأزمات لا تؤدي بالضرورة إلى تمديد الحكم؛ فقد تدفع أحيانًا إلى البحث عن قيادة جديدة، أو إلى إعادة توزيع المسؤولية، أو إلى تعزيز الحاجة إلى انتقال منظم.

أما المتغير الخامس فهو البيئة الإقليمية والدولية. فموقع مصر في ملفات الأمن الإقليمي، وعلاقاتها بالقوى الكبرى، ودورها في القضايا العربية، كلها عوامل قد تؤثر في حسابات الاستقرار والانتقال. غير أن تأثير الخارج لا ينبغي تضخيمه على حساب العوامل الداخلية؛ إذ تظل شرعية المؤسسات، وطبيعة النخبة الحاكمة، وحالة المجتمع، عناصر مركزية في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

هل يكون الانتقال تغييرًا للرئيس أم تغييرًا لطبيعة النظام؟

لعل هذا هو السؤال الأعمق في القضية كلها. فالمشكلة السياسية لا تُختزل في مدة بقاء الرئيس، وإن كانت المدد الدستورية من أهم الضمانات ضد احتكار السلطة. وإنما تتعلق أيضًا بمدى استقلال المؤسسات، وفاعلية البرلمان، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وقدرة الأحزاب والمجتمع المدني على العمل، وإمكان تداول السلطة وفق منافسة حقيقية.

فإذا غادر السيسي الرئاسة عام 2030، لكن بقيت بنية الحكم على حالها من حيث تركيز الصلاحيات، وضعف الرقابة، ومحدودية المنافسة السياسية، فإن الانتقال قد يغيّر الشخص من دون أن يغيّر طبيعة النظام. أما إذا اقترن الانتقال بتوسيع المشاركة، وضمان استقلال المؤسسات، وفتح المجال أمام المنافسة السياسية، فسيكون له أثر أعمق في مستقبل الدولة المصرية.

وبالمثل، فإن عودة الرئيس السابق إلى الرئاسة بعد انقطاع، إذا أصبحت ممكنة قانونيًا، ليست في حد ذاتها دليلًا كافيًا على فساد النظام الدستوري؛ فذلك يتوقف على طبيعة المنافسة، واستقلال المؤسسات، وحرية الناخبين. لكن إذا جرى تصميم انتقال مؤقت بهدف إبقاء القرار الفعلي في يد الرئيس السابق، أو ضمان عودته عبر مؤسسات لا تتيح منافسة حقيقية، فإن ذلك يثير إشكالًا جوهريًا يتعلق بروح القيود الدستورية، حتى لو جرى الالتزام ببعض صيغها الشكلية.

بين التصريح والاحتمال والاختبار التاريخي

إن تصريح عبد الفتاح السيسي بأن ولايته ستنتهي عام 2030 وأن الدستور لن يُمس يضع أمام السياسة المصرية اختبارًا مهمًا؛ فالالتزام به يمكن أن يفتح الباب أمام انتقال رئاسي منظم، لكنه لا يضمن وحده بناء نظام سياسي أكثر تعددية أو مؤسسات أكثر استقلالًا. كما أن احتمال تغير الموقف يظل قائمًا في التحليل السياسي، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى توقع جازم من دون مؤشرات عملية تؤيده.

أما استنساخ النموذج الروسي، فيمثل فرضية تستحق الدراسة، لأن التجربة الروسية أظهرت إمكان الجمع بين مغادرة المنصب الرئاسي واستمرار النفوذ السياسي ثم العودة إلى الرئاسة بعد انقطاع. لكن المقارنة لا تعني التطابق؛ فلكل دولة نصوصها الدستورية، وبنيتها المؤسسية، وتوازناتها السياسية، وظروفها التاريخية.

وعليه، يمكن ترتيب الاحتمالات على النحو الآتي:

  1. السيناريو الأول: التزام السيسي بتصريحه ومغادرته الرئاسة عام 2030، مع انتقال السلطة إلى رئيس جديد.
  2. السيناريو الثاني: تغير الموقف السياسي وظهور محاولة لتعديل الدستور بما يسمح بولاية إضافية، رغم التصريح الحالي.
  3. السيناريو الثالث: مغادرة الرئاسة مع استمرار النفوذ من موقع آخر، ثم بحث إمكان العودة بعد انقطاع، وفق ما تسمح به النصوص الدستورية النافذة والتوازنات السياسية.

ولا تتوافر في التصريح وحده أدلة كافية لترجيح السيناريو الثاني أو الثالث على الأول. لكن أهمية المتابعة تكمن في مراقبة المؤشرات التي ستظهر قبل عام 2030، بدل التعامل مع أحد الاحتمالات باعتباره حقيقة منجزة.

والخلاصة أن الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كان السيسي سيغادر القصر الرئاسي فحسب، بل ما إذا كانت مصر ستنتقل إلى قواعد مؤسسية تجعل تداول السلطة أمرًا طبيعيًا لا استثنائيًا، وتضمن أن يكون الرئيس القادم صاحب ولاية دستورية فعلية، وأن تبقى الدولة ومؤسساتها فوق الأشخاص، لا امتدادًا لإرادتهم السياسية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا