فرج كندي
باحث في الفكر والدراسات الإسلاميّة
يقدم ابن خلدون في مقدمته رؤية عميقة لحركة الدولة في التاريخ، لا باعتبارها مجرد مؤسسة سياسية تتولى إدارة المجتمع، وإنما باعتبارها ثمرة لتفاعل مجموعة من القوى الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية، يأتي في مقدمتها مفهوم العصبية. والعصبية عند ابن خلدون ليست مجرد التعصب للقبيلة أو الانتماء العشائري بالمعنى الضيق الذي قد يفهم منه المصطلح في عصرنا، وإنما هي رابطة التضامن والتناصر التي تمنح الجماعة القدرة على الاجتماع والدفاع عن مصالحها والوصول إلى الغلبة وإقامة الدولة.
لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تنتقل فيها العصبية من كونها قوة جماعية تحمل مشروعاً مشتركاً إلى كونها أداة في يد السلطة لتثبيت الغلبة والاستئثار بالحكم، وهنا تظهر واحدة من أكثر الأفكار الخلدونية عمقاً:
الدولة التي تنشأ بالعصبية قد تبدأ قوية بسبب التضامن، لكنها تبدأ في الضعف عندما تتحول العصبية من رابطة جامعة إلى أداة للإقصاء والغلبة، ومن مشاركة في تأسيس الدولة إلى احتكار لمقدراتها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جزء كبير من دورة الدولة عند ابن خلدون؛ فالدولة لا تسقط بالضرورة لأنها تفتقر منذ البداية إلى القوة، وإنما قد تبدأ في السقوط عندما تستهلك القوة التي قامت عليها، وتستبدل التضامن الذي أسسها بالغلبة التي تضعفها من الداخل.
العصبية بوصفها قوة تأسيس
ينطلق ابن خلدون من ملاحظة أساسية مفادها أن الإنسان لا يستطيع أن يحقق الاجتماع السياسي منفرداً، وأن قيام الدولة يحتاج إلى جماعة متماسكة تستطيع أن تدافع عن نفسها وتفرض سلطانها، ومن هنا تأتي العصبية بوصفها قوة الاجتماع والتناصر.
فالجماعة التي تتوافر لها عصبية قوية تستطيع أن تتحرك في اتجاه واحد، وأن تتحمل المشاق، وأن تخوض الصراع من أجل الوصول إلى السلطة، ولهذا يربط ابن خلدون بين العصبية والغلبة؛ لأن الغلبة السياسية لا تتحقق بمجرد الرغبة في الحكم، وإنما تحتاج إلى قوة اجتماعية قادرة على حمل هذه الرغبة وتحويلها إلى واقع. لكن العصبية في مرحلتها الأولى ليست مجرد قوة قهر، وإنما هي قوة تماسك، وهذه نقطة مهمة في فهم ابن خلدون؛ لأن الدولة لا تبدأ من الغلبة وحدها، وإنما تبدأ من جماعة متماسكة تستطيع أن تنتج الغلبة، ولذلك فإن القوة السياسية تكون في بدايتها مرتبطة بمصدر اجتماعي حقيقي، لا بمجرد أدوات القمع، ومن هنا يمكن القول إن العصبية هي القوة الاجتماعية التي تصنع الدولة، بينما الغلبة هي النتيجة السياسية التي تترتب على امتلاك هذه القوة لكن الخلل يحدث عندما تنقلب العلاقة بينهما
عندما تتحول العصبية إلى غلبة
بعد قيام الدولة تبدأ مرحلة جديدة فالجماعة التي كانت متماسكة في مرحلة الصراع تصبح في مرحلة الحكم أمام إغراءات السلطة والثروة والمكانة، ويبدأ الحاكم في الانتقال من الاعتماد على العصبية العامة إلى الاعتماد على سلطته الخاصة، وهنا يصف ابن خلدون واحدة من أهم حركات الدولة:
استبداد صاحب الدولة بالأمر وانفراده بالمجد
فالسلطة التي كانت في مرحلة التأسيس مشروعاً جماعياً تبدأ في التحول إلى ملك خاص، ويصبح الحاكم أكثر ميلاً إلى إبعاد الشركاء الذين ساهموا في الوصول إلى السلطة؛ لأن بقاء القوة موزعة داخل العصبية يعني أن الحاكم ليس مطلق اليد. وهكذا تبدأ السلطة في تفكيك القوة التي صنعتها.
إنها مفارقة تاريخية شديدة الدلالة الحاكم يحتاج إلى العصبية لكي يصل إلى السلطة، لكنه بعد وصوله إليها قد يبدأ في التخلص من العصبية نفسها حتى لا تنازعه السلطة.
وهنا تتحول العصبية من قوة تأسيس إلى خطر على الحاكم، ويتحول الشركاء في النصر إلى منافسين محتملين، فيبدأ إبعادهم واستبدالهم بمن هم أكثر ارتباطاً بشخص الحاكم ومصالحه وهذا هو الانتقال من العصبية إلى الغلبة.
الغلبة وإنتاج الاستئثار
الغلبة في هذا السياق ليست مجرد انتصار عسكري، وإنما هي تحول في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في مرحلة العصبية يكون الشعور بالمصلحة مشتركاً، ويكون الناس جزءاً من مشروع جماعي. أما في مرحلة الغلبة، فتتحول الدولة تدريجياً إلى علاقة عمودية بين حاكم ومحكوم، ويصبح الحفاظ على السلطة غاية في ذاته.
وعندما يستبد الحاكم بالأمر، فإنه لا يكتفي بإدارة الدولة، بل يبدأ في إعادة تشكيل المجال السياسي بحيث يصبح استمرار سلطته مرتبطاً بإضعاف القوى الاجتماعية التي يمكن أن تنازعه ومن هنا تبدأ عملية تفكيك العصبية
فقد يستبدل الحاكم أهل العصبية الأصلية بموالي وأنصار وجند وأعوان، وقد يعتمد على المال في شراء الولاءات، وعلى القوة في إخضاع الخصوم، وعلى الامتيازات في صناعة طبقة مرتبطة به وهكذا تنتقل الدولة من قوة التضامن إلى قوة الجهاز؛ لكن الجهاز، مهما بلغ من القوة، لا يعوض دائماً عن العصبية الاجتماعية التي كانت تمنح الدولة قدرتها على التماسك.
من المشاركة إلى الإقصاء
إن أخطر ما في الغلبة أنها تغير طبيعة العلاقة بين أبناء الجماعة الواحدة
ففي مرحلة التأسيس يشعر الجميع بأن الدولة دولتهم، وأن النصر الذي تحقق هو ثمرة جهد مشترك. أما بعد استئثار الحاكم بالمجد، يبدأ الشعور بأن الدولة أصبحت ملكاً لفئة أو أسرة أو طبقة محددة، وهنا تتراجع المشاركة ويبدأ الإقصاء، ولا يقتصر الأمر على إقصاء المنافسين السياسيين، وإنما قد يمتد إلى إقصاء قطاعات اجتماعية كاملة من النفوذ والثروة والقرار، وهذا الإقصاء يضعف الولاء للدولة؛ لأن الإنسان عندما يشعر أن الدولة لا تمثله وإنما تمثل فئة بعينها، يبدأ في البحث عن روابط أخرى تحميه، وقد تعود العصبيات القديمة أو تظهر عصبيات جديدة، وبذلك تنتقل الدولة من حالة العصبية الجامعة إلى حالة العصبيات المتنافسة، وهنا يصبح الاستقرار هشاً؛ لأن المجتمع لم يعد يرى الدولة إطاراً مشتركاً، وإنما ساحة للصراع على الغلبة
الغلبة تستهلك العصبية
من أهم الدروس الخلدونية أن القوة لا تبقى على حال واحدة؛ فالعصبية التي أنشأت الدولة يمكن أن تضعف مع الزمن، لا لأن الناس يفقدون قدرتهم على التضامن فقط، وإنما لأن الدولة نفسها تستهلك هذا التضامن؛ فالحكم يغير طبيعة الناس والمؤسسات؛ إذ تنتقل الجماعة من حياة الخشونة والبساطة والاعتماد على النفس إلى حياة الترف والدعة، وتصبح الأجيال الجديدة أقل قدرة على تحمل الأعباء التي تحملها الجيل المؤسس، وهذا ما يجعل ابن خلدون يربط بين الدولة والترف في مراحلها المتأخرة، فالترف ليس مجرد زيادة في المال، وإنما تحول في منظومة السلوك؛ إذ تصبح المحافظة على المكتسبات أهم من تحمل المشاق، ويصبح التعلق بالسلطة والثروة أقوى من روح التضامن والتضحية، وهكذا تتحول العصبية من قوة حية إلى ذكرى سياسية.
الدولة بين العصبية والجهاز
يمكن أن نقرأ التجربة الخلدونية من خلال ثنائية شديدة الأهمية
الدولة التي تقوم على المجتمع، والدولة التي تقوم على الجهاز
في المرحلة الأولى تكون القوة الاجتماعية سابقة على الجهاز السياسي؛ فالجماعة تخلق الدولة وفي المرحلة الثانية يصبح الجهاز السياسي أقوى من الجماعة؛ فتبدأ السلطة في إدارة المجتمع من أعلى وهنا يظهر خطر جوهري: عندما تفقد الدولة قاعدتها الاجتماعية، تحاول تعويض ذلك بتوسيع أدوات السيطرة فتزداد أجهزة الأمن، وتتضخم الإدارة، وتتوسع دائرة الموظفين والتابعين، ويزداد الاعتماد على المال والقوة، لكن كل ذلك قد يخفي حقيقة واحدة: أن الدولة فقدت جزءاً من القوة الاجتماعية التي كانت تمنحها الشرعية والقدرة على الاستمرار، ولهذا فإن كثرة أدوات القمع ليست بالضرورة دليلاً على قوة الدولة، كما أن ضعف المعارضة الظاهر لا يعني بالضرورة استقرار النظام قد تكون الدولة شديدة القوة من الخارج، لكنها شديدة الهشاشة من الداخل.
العصبية والشرعية
ومن المفيد هنا التمييز بين العصبية والشرعية، العصبية عند ابن خلدون تفسر جانباً مهماً من كيفية الوصول إلى السلطة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير كيفية استمرار الدولة بصورة مستقرة وعادلة؛ فالدولة التي تعتمد على القوة وحدها قد تستطيع فرض الطاعة، لكنها تواجه مشكلة في إنتاج الولاء، وهنا يأتي البعد الأخلاقي والسياسي الذي يمكن أن نضيفه إلى التحليل الخلدوني: إن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الغلبة وحدها، وإنما يحتاج إلى العدل والرضا العام والشعور بالانتماء والمشاركة.
وهذا يلتقي مع الأصل الإسلامي الذي يجعل العدل أساساً في الحكم، ويجعل المسؤولية السياسية أمانة لا امتيازاً قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ( النساء58)
فالسلطة في التصور الإسلامي ليست مجرد غلبة، وإنما أمانة ومسؤولية، ومن هنا يمكن أن نقول إن العصبية قد تفسر لنا القوة التي تؤسس الدولة، لكن العدل والشورى والمسؤولية تفسر جانباً مهماً من القوة التي تحفظ الدولة.
الشورى في مواجهة الغلبة
وهنا تظهر أهمية مبدأ الشورى في قراءة الأزمة الخلدونية
فالغلبة حين تتحول إلى استئثار تعني إغلاق المجال السياسي أمام المشاركة، بينما الشورى تفتح المجال أمام المشاركة والمراجعة والمساءلة قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، والشورى بهذا المعنى ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما ثقافة سياسية تمنع احتكار القرار.
إن الدولة التي تسمح بتداول الرأي، وتفتح المجال للمشاركة، وتؤسس للمحاسبة، تستطيع أن تحول القوة الاجتماعية من عصبية متصارعة إلى طاقة سياسية منظمة. أما الدولة التي تغلق المجال العام، فإنها تدفع الجماعات إلى البحث عن قنوات أخرى للتعبير عن نفسها، وقد تتحول هذه القنوات إلى عصبيات مضادة، ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الاستبداد والتفكك، الاستبداد لا يلغي العصبيات، وإنما قد يدفعها إلى الاختفاء ثم العودة بصورة أكثر عنفاً عندما تضعف قبضة الدولة.
من الغلبة إلى التفكك
إذا استمرت الدولة في الاعتماد على الغلبة، فإنها تدخل تدريجياً في دائرة منطقية خطرة تبدأ بالعصبية، ثم الغلبة، ثم الاستئثار، ثم إضعاف الشركاء، ثم الاعتماد على الجهاز، ثم الترف، ثم ضعف العصبية، ثم زيادة الحاجة إلى القهر، ثم تضخم الجهاز، ثم تراجع القدرة على إدارة المجتمع، وأخيراً ظهور قوة جديدة تحمل عصبية أشد وتبدأ دورة جديدة، وهذا هو جوهر الدورة الخلدونية للدولة.
إن الدولة لا تسقط فجأة في معظم الحالات، وإنما يبدأ سقوطها عندما تفقد المصدر الاجتماعي والأخلاقي للقوة، ثم تحاول تعويضه بأدوات السيطرة
وفي هذه اللحظة تكون الدولة قد دخلت مرحلة دفاعية؛ فهي لم تعد توسع مجالها الاجتماعي والسياسي، وإنما تحاول حماية ما بقي لها
الدرس المعاصر
تكمن قيمة ابن خلدون في أنه لا يقدم لنا وصفة سياسية جاهزة، وإنما يمنحنا أدوات لفهم حركة السلطة والمجتمع، ومن أهم هذه الأدوات أن الدولة ليست جهازاً منفصلاً عن المجتمع، وأن القوة السياسية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية، وأن الغلبة قد تكون وسيلة للوصول إلى الحكم، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استقرار الدولة؛ فالاستقرار لا ينتج من إخضاع المجتمع إلى السلطة، وإنما من إقامة علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع، يشعر فيها الناس بأن الدولة تمثل إطاراً مشتركاً لا غنيمة سياسية
وهنا تبرز قضية شديدة الأهمية في واقعنا العربي والإسلامي؛ إذ إن كثيراً من أزمات الدولة الحديثة لا تعود فقط إلى ضعف مؤسساتها، وإنما إلى ضعف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإلى تحول السلطة في بعض التجارب إلى مجال للاستئثار، بحيث يصبح الوصول إلى الدولة هو الهدف النهائي للصراع السياسي، وعندما تصبح الدولة غنيمة، تصبح السياسة صراعاً على الغلبة.
أما عندما تصبح الدولة مؤسسة للمصلحة العامة، فإن التنافس السياسي يمكن أن يتحول من صراع على الدولة إلى تنافس داخل الدولة، وهذا فرق جوهري.
الخلاصة
إن التحول من العصبية إلى الغلبة عند ابن خلدون يكشف عن قانون عميق في حركة الدول القوة التي تبني الدولة يمكن أن تتحول، إذا استأثر بها الحاكم، إلى القوة التي تضعف الدولة.
فالعصبية في بدايتها رابطة تضامن، والغلبة في نهايتها قد تصبح رابطة إخضاع، والدولة تحتاج إلى القوة لكي تقوم، لكنها تحتاج إلى العدل لكي تستقر، وإلى الشورى لكي تتجدد، وإلى المشاركة لكي تحافظ على قاعدتها الاجتماعية.
ومن هنا فإن أخطر لحظة في حياة الدولة ليست لحظة وجود القوة، وإنما لحظة تحول القوة من ملك الجماعة إلى ملك السلطة، ومن وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة لحماية الحاكم، ومن عصبية جامعة إلى غلبة مستأثرة وهنا يبدأ الانفصال بين الدولة والمجتمع.
وحين ينفصل المجتمع عن دولته، لا يكفي الجهاز وحده لإنتاج الاستقرار، لأن الدولة مهما امتلكت من القوة المادية تحتاج في النهاية إلى مجتمع يشعر بأنها دولته، وإلى مؤسسات يشعر بأنها تحمي حقوقه، وإلى نظام سياسي يسمح له بالمشاركة، وإلى عدالة تمنع تحول السلطة إلى غنيمة، ولعل هذا هو أحد أعمق دروس ابن خلدون
الدولة لا تعيش بالقوة التي أنشأتها فقط، وإنما بالقدرة على تحويل تلك القوة إلى نظام عادل ومستقر يحفظ الجماعة من أن تتحول عصبيتها إلى صراع، ويحفظ السلطة من أن تتحول غلبتها إلى استبداد
فالاستقرار السياسي، في النهاية، ليس غياب الصراع، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف داخل إطار مشترك؛ وليس مجرد قوة السلطة، وإنما قوة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهنا تظل الشورى والعدل والأمانة، في المنظور الإسلامي، عناصر ضرورية لتحويل الدولة من دولة الغلبة إلى دولة الجماعة، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات، ومن الاستئثار إلى المشاركة، ومن القوة المجردة إلى القوة المنضبطة بالحق.





