نبيل دريوش حول الحنين إلى عهد فرانكو: حين يعجز الحاضر عن توفير الأمان الاقتصادي والاستقرار المهني تتشكل لدى فئات من المجتمع صورة مشوّهة عن الماضي

إيطاليا تلغراف متابعة

أعادت مزادات بيع مئات القطع المرتبطة بفرانسيسكو فرانكو، القادمة من قصر “بازو دي ميراس”، عهد الديكتاتور الإسباني إلى واجهة النقاش العام، متجاوزة الاهتمام بالقيمة التاريخية للمقتنيات المعروضة، فقد استقطبت قطع الأثاث والصور والأواني والتذكارات العائلية وغيرها من الأغراض المرتبطة بفرانكو اهتمام المشترين وهواة جمع التحف، في وقت تحذر فيه جمعيات الذاكرة التاريخية من مخاطر تحويل مخلفات حقبة استبدادية إلى سلع تجارية تُفصل عن دلالاتها التاريخية.

وتعيد هذه المزادات طرح سؤال لا يزال حاضراً في المجتمع الإسباني: لماذا لا يزال فرانكو، بعد مرور نصف قرن على وفاته، يحظى بمساحة من الانبهار والتبجيل، بل وحتى تمجيد نظامه؟

وفي تصريح لـ”الصحيفة” في نسختها الإسبانية، يرى نبيل دريوش، الصحافي والكاتب والمتخصص في العلاقات الإسبانية المغربية، أن هذا الحنين لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد تعبير عن انتماء أيديولوجي إلى نظام فرانكو، بل يرتبط أيضاً بحالة الاحتقان الاجتماعي وانعدام اليقين بشأن المستقبل الاقتصادي، ويوضح أن شعور فئة من المجتمع بأن الحاضر لا يوفر الأمان الاقتصادي والاستقرار المهني ولا يتيح آفاقاً واعدة للمستقبل، قد يدفعها إلى تكوين رؤية مشوّهة عن الماضي، وإضفاء مزايا على النظام السابق لم تكن بالضرورة من خصائصه.

ويقول دريوش: “لسنا بالضرورة أمام مطالبة شعبية واسعة بعودة الديكتاتورية، بقدر ما نحن أمام ظاهرة تقوم على الانتقاء في تمجيد جوانب محددة من تلك المرحلة”، ويشير إلى أن هذه الصورة تقدم عهد فرانكو أحيانا باعتباره حقبة اتسمت بالنظام والسلطة والاستقرار والأمن، مع إغفال الكلفة السياسية والإنسانية التي قام عليها ذلك النظام.

وتتنامى هذه الظاهرة في سياق يتسم بتصاعد الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة في المؤسسات، إلى جانب تفاقم المخاوف المرتبطة بصعوبة الحصول على السكن، وهشاشة سوق العمل، واتساع التفاوتات الاجتماعية وتراجع التطلعات المستقبلية، وفي ظل هذه الأجواء، قد يتحول استحضار الماضي السلطوي إلى إجابة مبسطة عن أزمات راهنة لم تنجح الديمقراطية في معالجتها على النحو المأمول.

ويحذر دريوش من أن الصورة المثالية التي تُرسم أحيانا عن نظام فرانكو تتجاهل طبيعته الحقيقية، باعتباره ديكتاتورية نشأت إثر انقلاب عسكري على حكومة شرعية، واستمرت لعقود اعتمادا على القمع والرقابة وملاحقة الخصوم السياسيين وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية، ويرى أن إبراز ما يُروّج له من إنجازات مادية خلال تلك المرحلة، مع تجاهل الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بها، يفضي إلى طمس حقيقة النظام وطبيعة حكمه.

كما أسهم تطور المواقف من الديكتاتورية في تأجيج هذا النقاش، فقد أظهر استطلاع للمركز الإسباني للأبحاث الاجتماعية، نُشر في أكتوبر 2025، أن نسبة الإسبان الذين يعتبرون سنوات حكم فرانكو جيدة أو جيدة جدا بلغت 21,3 في المائة، مقابل 11,2 في المائة سنة 2000، وارتفعت هذه النسبة إلى 61,7 في المائة لدى الناخبين الذين يصوتون لحزب “فوكس”.

وتعكس هذه الأرقام تنامي التقييمات الإيجابية لبعض جوانب تلك المرحلة، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع أصحاب هذه المواقف يؤيدون عودة الديكتاتورية، فالفارق بين الإقرار ببعض الجوانب المادية لمرحلة تاريخية معينة وتبرير نظام صادر الحريات يظل أحد المفاتيح الأساسية لفهم نقاش اتسع نطاقه خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، يعتبر دريوش أن العامل الجيلي يؤدي دورا مهما أيضا، فالأجيال التي لم تعاصر الديكتاتورية تتعرف على عهد فرانكو من خلال المراجع التاريخية غير المباشرة، والروايات العائلية، والمحتويات الرقمية، ومقتطفات من المعلومات قد تحل تدريجيا محل التجربة التاريخية المباشرة، لتفسح المجال أمام صورة مبسطة عن الماضي، ويضيف أن غياب السياق التاريخي يتيح لبعض الخطابات تقديم النظام باعتباره مرحلة من الاستقرار، من دون التطرق إلى القمع الذي رافق ذلك الاستقرار المزعوم.

وفي المقابل، تسهم شبكات التواصل الاجتماعي في انتشار هذه التصورات عبر رسائل عاطفية واستفزازية ومختزلة، قادرة على الوصول إلى فئات لا تربطها صلة مباشرة بذاكرة الديكتاتورية، وفي بعض الفضاءات الرقمية، يُستحضر فرانكو في صورة رمز للتمرد على النظام القائم، ولا سيما لدى بعض الشباب الذين يرون في السلطة والقومية الإقصائية استجابةً لحالة القلق التي يفرضها الحاضر.

ويرى دريوش أن هذه الظاهرة لا يمكن إرجاعها حصراً إلى الدعاية السياسية، بل تعكس أيضاً اختلالات قائمة في المجتمع الإسباني، من بينها صعوبة الحصول على السكن، وانعدام الاستقرار المهني، والتفاوت الاجتماعي، وتراجع الثقة في المؤسسات، ومن وجهة نظره، فإن مواجهة الحنين إلى السلطوية تتطلب أكثر من مجرد التذكير بأفظع فصول الديكتاتورية؛ إذ يتعين على الديمقراطية أن تثبت قدرتها على توفير ظروف عيش أفضل، وفرص أوسع، وضمانات أقوى للحرية والعدالة الاجتماعية.

يكتسب الجدل بعداً سياسياً عندما تسهم بعض التيارات اليمينية، وبالأخص اليمينية المتطرفة، في التقليل من طبيعة الديكتاتورية، أو تقديم عهد فرانكو باعتباره مرحلة تاريخية قابلة للتبجيل، بمعزل عن تبعاتها على المجتمع الإسباني. ويشكل النقاش حول قانون الذاكرة الديمقراطية، وإزالة رموز نظام فرانكو، والعقوبات المرتبطة بالأنشطة التي تمجّد النظام، جزءاً من مواجهة سياسية امتدت بدورها إلى المؤسسات.

وفي هذا السياق، يواصل حزب “الفالانخي الإسبانية – جونس Falange Española de las JONS” نشاطه السياسي ويستعد للمشاركة في الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر 2026، فيما تواصل حركة “إسبانيا الكاثوليكية el Movimiento Católico Español” تنظيم أنشطة مرتبطة بإحياء ذكرى فرانكو وتمجيد شخصيته، وفي ماي 2026، ألغت المحكمة الوطنية الإسبانية غرامة بقيمة 10.001 يورو فُرضت على حزب “الفالانخي” بسبب نشاط نظمه سنة 2022، بعدما اعتبرت أن القرار المتعلق بالعقوبة شابه قصور في التعليل والتأسيس القانوني.

وفي هذا الإطار، يعتبر دريوش أن المسؤولية السياسية لقطاعات من اليمين واليمين المتطرف كبيرة، بسبب إسهامها، من خلال خطابها، في التقليل من شأن الديكتاتورية أو تقديم إرثها التاريخي بعيدا عن تبعات القمع، لكنه يميز بين المواقف المحافظة، وانتقاد سياسات الحكومة، والاختلاف بشأن تطبيق قانون الذاكرة الديمقراطية، وهي كلها مواقف تدخل في نطاق النقاش الديمقراطي، وبين تبرير جرائم نظام فرانكو أو التقليل من خطورتها.

ويؤكد دريوش: “لا يتعلق الأمر بمنع النقاش حول الماضي أو فرض قراءة تاريخية إلزامية، وإنما بالحيلولة دون أن يحوّل الصراع السياسي تزوير التاريخ أو تسطيح الديكتاتورية إلى أداة للتعبئة الانتخابية”.

ويرى الصحافي المغربي أن من حق اليمين الديمقراطي، بصورة كاملة، مساءلة قرارات الحكومة وانتقاد توجهاتها، لكنه يحذر من أن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يقود إلى مساواة أخلاقية بين المدافعين عن النظام الديمقراطي وأولئك الذين أطاحوا به بالقوة، ويعتبر أن الخطاب الذي يبرز التحولات الاقتصادية والمادية التي عرفتها إسبانيا خلال عهد فرانكو، بينما يتجاهل القمع السياسي والإعدامات والسجون والمنفى والرقابة وغياب الحريات، ينتهي إلى تشويه الحقيقة التاريخية للديكتاتورية.

ولا يتعلق الأمر، بالتالي، بمنع دراسة عهد فرانكو أو مناقشة مراحله المختلفة، بل بتفادي تحول الانتقاء المتعمد لبعض جوانبه إلى محاولة لتبرير النظام برمته، كما أن اتساع الفجوة بين الأجيال وانتشار الروايات المنزوعة من سياقها التاريخي يجعلان هذه المواجهة أكثر تأثيراً لدى الفئات التي لم تعش تلك المرحلة بصورة مباشرة.

فتحت وفاة فرانكو سنة 1975 الباب أمام مرحلة سياسية انتهت بإقرار دستور 1978 وترسيخ النظام الديمقراطي، وقد أتاح الانتقال الديمقراطي الإسباني تجاوز ديكتاتورية دامت قرابة أربعة عقود، وإرساء نظام قائم على الحريات، من خلال توافقات بين تيارات سياسية تنتمي إلى مرجعيات وتقاليد متعارضة بعمق.

غير أن تلك المرحلة اتسمت أيضا بقرارات تركت آثارا امتدت لسنوات طويلة على مسألة الاعتراف العلني بضحايا الديكتاتورية وجبر الأضرار التي خلفها القمع، فقد أسهم قانون العفو الصادر سنة 1977، إلى جانب غياب آليات للعدالة الانتقالية مماثلة لتلك التي طورتها بلدان أخرى لاحقاً، في ترسيخ ثقافة سياسية اتسمت بالحذر في التعامل مع الماضي، بل وتجنب الخوض فيه في أحيان كثيرة.

ولا يزال تعبير “ميثاق النسيان” مثار جدل عند وصف تلك المرحلة. فاختزال الانتقال الديمقراطي في اتفاق على الصمت يتجاهل التعبئة الاجتماعية وضغط القوى الديمقراطية والإرادة الجماعية لبناء نظام قائم على الحريات، غير أن تصوير المصالحة باعتبارها عملية رافقها اعتراف كامل بالضحايا وجبر للأضرار لا يعكس بدوره أوجه القصور التي امتدت آثارها إلى الحاضر.

وفي هذا الصدد، يعتبر دريوش أن الانتقال الديمقراطي كان مساراً بالغ التعقيد، وتمثلت فضيلته الأساسية في تمكين إسبانيا من إحداث تحول مؤسساتي من دون الانزلاق إلى مواجهة أهلية جديدة، ويشير إلى أن أولوية ضمان الاستقرار السياسي وتفادي حدوث شرخ اجتماعي جديد أفضت إلى اعتماد سياسة للمصالحة وضعت، لسنوات طويلة، الاعتراف العلني بضحايا الديكتاتورية في مرتبة ثانوية.

ويرى دريوش أنه سيكون من المجحف اختزال تلك المرحلة في مجرد اتفاق على الصمت، لأنها كانت أيضاً ثمرة حركات اجتماعية مهمة، وضغط القوى الديمقراطية، وإرادة جماعية لبناء نظام للحريات، لكنه يؤكد أن المصالحة السياسية لم تكن دائما مصحوبة بسياسة متكاملة بما يكفي للاعتراف بالضحايا وجبر الضرر ونقل الذاكرة التاريخية إلى الأجيال اللاحقة.

وأعاد قانون الذاكرة الديمقراطية الصادر سنة 2022 هذه القضايا إلى صلب المواجهة السياسية، ورغم تعرض تطبيقه وتداعياته لانتقادات من أطراف مختلفة، فإن الجدل حول تشريع بعينه لا يلغي السؤال الجوهري المتعلق بكيفية نقل معرفة تاريخية دقيقة عن ديكتاتورية لم تعد جزءاً من التجربة المباشرة للأجيال الجديدة.

وفي هذا الإطار، يحذر دريوش من أن الشباب يتعرفون على عهد فرانكو من خلال المناهج التعليمية والروايات العائلية والمحتويات الرقمية، وعندما تفتقر هذه القنوات إلى السياق التاريخي الكافي، تجد القراءات المختزلة طريقها إلى الانتشار، فتقدم الديكتاتورية باعتبارها مرحلة من الاستقرار، وتضع في الظل ما رافقها من سلب للحقوق وقمع للحريات.

تعيد مزادات القطع القادمة من قصر “بازو دي ميراس” هذا النقاش إلى واجهة رمزية بالغة الأهمية، فالقطع المرتبطة بفرانكو قد تثير الاهتمام لما تحمله من قيمة وثائقية أو تاريخية، أو لما تمثله لدى هواة جمع التحف، غير أن تسويقها يطرح أيضاً تساؤلات بشأن الطريقة التي يجري بها الحفاظ على ذاكرة الديكتاتورية ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

ويميز دريوش بين الاهتمام التجاري بالمقتنيات التاريخية والانتماء الأيديولوجي إلى النظام، فاهتمام المشترين وهواة جمع التحف بصورة أو زي عسكري أو قطعة أثاث أو غرض شخصي لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود تأييد سياسي لنظام فرانكو، ويوضح أن الخطر يظهر عندما تُفصل هذه القطع عن الواقع التاريخي الذي تمثله، وتُختزل في مجرد مقتنيات لهواة الجمع.

ويؤكد دريوش أن “الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يدرس المجتمع الأشياء المرتبطة بماضيه أو يحافظ عليها أو حتى يتاجر بها، وإنما في أن ينتهي به الأمر إلى فصلها عن الحقيقة التاريخية التي تجسدها”.

ويضيف أن “الزي العسكري أو الصورة أو قطعة الأثاث أو أحد الأغراض الشخصية يمكن أن يتحول إلى قطعة من مقتنيات الهواة، لكن وراء هذه الأشياء تاريخاً من القمع والحرمان من الحريات، لا ينبغي أن يغيب عن الذاكرة الجماعية”.

ولا يقتصر الجدل حول قصر ميراس، بالتالي، على مصير المقتنيات أو الأسعار التي بلغتها في المزاد، بل يمتد إلى مسؤولية المؤسسات والمجتمع الإسباني في الحفاظ على تراث يرتبط بمرحلة ديكتاتورية، من دون تحويله إلى صورة منزوعة من دلالاتها السياسية والتاريخية.

وبالنسبة إلى دريوش، تحتاج إسبانيا إلى تجاوز التوظيف الحزبي للماضي، من دون السقوط في فخ التقليل من طبيعة الديكتاتورية أو نسيانها، ويؤكد أن “نضج الديمقراطية يُقاس أيضاً بقدرتها على الاعتراف بأشد صفحات تاريخها قتامة، من دون خوف من إثارة الجدل”.

ويشدد المتخصص على أن الذاكرة التاريخية ينبغي ألا تتحول إلى أداة للانقسام، بل إلى وسيلة لفهم الحاضر والحيلولة دون تكرار أخطاء الماضي، ويختم دريوش بالقول: “لا يمكن للمصالحة أن تعني النسيان، كما ينبغي ألا تكون الذاكرة التاريخية أداة للانقسام، بل وسيلة لفهم الحاضر والحيلولة دون تكرار أخطاء الماضي”.

وتكشف مزادات قصر ميراس، وتحركات الجماعات الحنينية إلى عهد فرانكو، وانتشار الخطابات التي تمجّد تلك المرحلة، أن زوال الديكتاتورية لم يضع حداً للصراع حول إرثها، فقد تمكنت إسبانيا من بناء نظام ديمقراطي تجاوز ذلك العهد، لكنها لا تزال تواجه نقاشاً مفتوحاً بشأن كيفية الاعتراف بضحاياه، ونقل ذاكرتهم إلى الأجيال الجديدة، ومنع حالة الإحباط التي يفرضها الحاضر من تحويل صورة ماضٍ سلطوي إلى إجابة تبدو سهلة عن أزمات اليوم.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا