الدكتور شنفار عبدالله : أين ذهبت البركة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم الباحث الدكتور شنفار عبدالله

سؤال البركة يحيل إلى القاسم المشترك في الثابت والمتغير بين الانعزالية والعشوائية والارتجالية وهشاشة التكوين والتفكير؛ من خلال قراءة في جدلية الاعتماد المتبادلة في معادلة النهضة التنموية وأنماط التفكير السائدة بالمجتمعات.
ولتفكيك هذا الموضوع؛ سوف ننطلق من طرح السؤال المنهجي التالي:

أين تكمن أهمية البحث والدراسة، وما هي الفائدة أو القيمة المضافة للموضوع؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال الهام؛ سوف أبدأ بطرح شيء من الأسئلة. لكن ليس ايتها أسئلة؛ بل الأسئلة الجوهرية والدقيقة؛ الاسئلة السوية؛ لانه من باب العبث أن نطرح أسئلة ثانوية ونخصص لها حيزا كبيرا من الوقت ونضيع فيها الكثير من الجهد في محاولة لايجاد أجوبة عنها.
فالباحث الذكي هو من يستطيع بلورة أسئلة وإشكالات منهجية وجوهرية تتخلل بحثه من البداية حتى النهاية؛ وليس الذي يجيب عنها أو يجد حلولا لها؛ والتي ليس من الضروري الجواب عنها أو عليها أو إيجاد حلول لها.
فعبر تاريخ العلوم طرحت عدة أسئلة وعدة إشكالات والعديد من المعادلات، التي بقيت عالقة ولم يتم التوصل لحلول واجابات؛ الا للبعض منها حتى عصرنا هذا.

أسئلتي حول هذا الموضوع تتمحور في بعض العناصر والاسئلة المحورية الأولية في الآتي:

ننطلق من تساؤلات ابستمولوجية حول ذهاب البركة؛ ونقول: هل كانت بالفعل بركة في الماضي؟ وهل فعلا ذهبت البركة بذهاب أصحابها؟ وأين ذهبت بركة الفقيه والسيد؟ إلى أين ذهب النِّيَّة؟ لكن أين ذهبت بركة المكان؟ وهل لازال هناك ضُمَّانْ وجْوَادْ المكان؟ هل كانت بالفعل بركة في الماضي لهذه الامكنة؟ هل فعلا ذهبت بذهاب اصحاب ضُمَّانْ وجْوَادْ المكان؟
ما هي صور وأنماط التفكير السائدة في مجتمعاتنا؟
أين يكمن الخلل في أنماط التفكير لدى البعض في مجتمعاتنا؟
ما هي التشوهات والاضطرابات التي تصيب أنماط التفكير والتكوين لدى البعض في مجتمعنا؟
ما معنى حالة الدين؟ وما معنى حالة التدين؟
كيف يتم تصريف صور ومباديء الدين إلى أشكال من التدين؟
ما هي صور الإعاقة في الفعل التي يصاب بها البعض عند تنزيل وتصريف قواعد الدين أو النص إلى تشكلات من أشكال التدين؟
كيف يتم التسويق لحزمة الدين والتدين ومختلف القيم الانسانية والمشترك بين الناس ومختلف الشعوب والأمم؟
ما هي مختلف الشوائب التي علقت أو أصيب بها الدين والتدين عبر الازمنة والمحطات التاريخية منذ حجة الوداع، أو يومهم ذاك إلى يومنا هذا؟

ومن أجل بسط الموضوع؛ لابد من إزالة بعض الألغام في الحقول والمساحات العلمية المتعلقة بالجهاز أو الإطار المفاهيمي للموضوع.
ولتعبيد الطريق للوصول إلى فهم مختلف أعطاب أنماط التفكير التي تصيب البعض وتجعلهم في حالة عزلة وانعزالية عن فهم واستيعاب متناقضات قضايا ومشاكل الواقع؛ ننطلق من الاجابة عن اهمية البحث والدراسة والهدف من هذا الموضوع؛ ونقول ان الاهمية تكمن في أن الامم والشعوب دائما تبحث وتتطلع الى غد افضل. وقد تمر الشعوب والامم من فترات حرجة ومشاكل وتدخل في تحديات مختلفة في مسلسل ومساراتها ومصاراتها، وهذا شيء طبيعي؛ حيث تجعل منه رصيدا مرجعا للتقييم والتصحيح واستنباط العبر.

فحينما نستحضر التاريخ؛ لا نستدعيه لدراسته كأحداث وقعت في الماضي هكذا ونمر عليها؛ بل نستحضره من أجل إيجاد حلول لمشاكل وقضايا مطروحة في الحاضر أو لان هناك استشعار لخطر ما في المستقبل.
نجيب على هذه التساؤلات مستحضرا التاريخ، حيث انه في الستينات من القرن الماضي قال أحد الفقهاء أن البركة قد ذهبت لما أصبحنا نتشبه بالنصارى في التحية ورد السلام بوضع اليد اليمنى على جبهة الرأس من الجهة اليمني في اشارة للتحية العسكرية!

وقول آخر أن البركة قد ذهبت لما أصبحنا ندعو إلى تعليم المرأة! حيث أمر وبهزة كتف مستهزئا واشتط غضبا وبإشارة بعكازه الذي يتخذه متكأ؛ مشيرا الى الخطيب والإمام الحداثي الذي كان يخطب في الناس بالنزول من فوق المنبر لأن تعليم المرأة: حــــــــــــــــــرام! موظفا نمط التفكير بالمنحدر الزلق؛ وهو نوع من أنماط التفكير السائدة في البيئة العربية والاسلامية؛ ويرى أن من شأن تعلم المرأة ترك تربية الاسرة للضياع وإشاعة الفساد ومخالطة الرجال ويسود البغاء وترك المنزل والزوج والاولاد بالذهاب الى العمل… ويصير يسرد كما من المغالطات المنطقية؛ على حد تعبيره. في حين كان حريا به اعتماد القول كون تعلم المرأة فيه خير كثير على المجتمع والاسرة والتربية وغيرها…؛ فما كان الا ان استجاب الخطيب فورا ونزل من فوق المنبر في إطار علاقة الشيخ بالمريد والعلاقة الأبوية السائدة في ذلك العهد؛ حيث الصرامة الذكورية الغالبة. (على هامش قراءة في كتاب: النقد الذاتي للمرحوم علال الفاسي.)

إلى أن جاء ملك البلاد الذي اجلسها على منبر عال وجلس هو أرضا؛ وهي تلقي درسًا من الدروس الحسنية الرمضانية.
فهل ذلك العصر الذي عاش فيه أجدادنا؛ كان عصر وفرة أم عصر ندرة؟
في اعتقادي؛ أدعي إن ثقافة الوفرة في كل شيء؛ هي ما يميز العصر الحالي. وثقافة الندرة هي ما ميز العصر الماضي في جميع بلدان العالم؛ وليس في المغرب وحده فقط. فمن الناحية الاقتصادية والديمغرافية والسوسيو ثقافية والأيديولوجية وكمثال على ذلك، نجد تنظيم الري بعد تشييد سد المنصور الذهبي بورززات على ضفتي وادي درعه، حيث عقلنة وترشيد استعمال مياه الري؛ إذ في وقت كان فيه جريان المياه ينساب بشكل دائم بالوادي، تدخلت الدولة فقامت بتقنينه حيث عملت على تنظيم طلقات السد على فترات تتناسب والموسم الفلاحي. هذا التنظيم والعقلنة والترشيد في اقتصاد الماء، فسره الناس بذهاب البركة حسب زعمهم.

وذهاب هذه البركة أثر كثيرا على بنية القرابة العائلية والقبلية وقواعد التحالف في صورتيه التقليدية والحداثية؛ حيث تميز البنيات الاجتماعية والعائلية في المجتمع التقليدي بالفقر التكنولوجي وفي الإنتاج ومصادر الثروة وآليات إنتاجها وتوزيعها بشكل عادل بين الأفراد والجماعات والمناطق؛ حيث تسود ثقافة الضرورة، وثقافة الندرة دون أن يكون هناك تضامن مؤسساتي؛ أي مجرد تكثيف في العلاقات الاجتماعية.

وهذا الشكل من النظام القرابي العائلي والقبلي بدأ يعرف نوعا من التفكك بحكم الانفتاح، خاصة بعد وصول الكهرباء والتلفاز والصحون المقعرة وفك العزلة عن العالم القروي من خلال شق الطرق، والسياسات العامة المتعلقة بالأم والطفل والتعليم، والصحة وغيرها … مما حول هذه العائلات والقبائل في المغرب إلى جماعات نسبية مستقرة، عوض العائلة النووية أو العائلة الممتدة المترحلة. وهذا التفكك شمل علاقات الذكورية الصارمة، حيث كان يستمر الأولاد بعد زواجهم في العيش مع آبائهم وأمهاتهم، حيث أنه حسب دراسة إشكاليات التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية في المغرب؛ كانوا يتعايشون مكونين بيوت العصب الذكوري.
هذا، وحتى طقوس الزواج قد ذهبت عنها البركة وطرا عليها تغييرا وتحولات كبيرة؛ إد كانت في السابق حفلات العرس أو “تسليت” تدوم سبعة ايام متتالية على مستوى العائلات وكل يوم يحمل تسمية. أما في الوقت الحالي فنجد التضامن والتماسك والكرم يأتي أحيانا فقط كرد فعل ضد ثقافة الوفرة في الإنتاج والمحاصيل والمخزون أو سيادة ثقافة الحداثة؛ أي «عندما يشيط الأكل أخرجه صدقة في سبيل الله على الجيران أو الحارس الليلي”. الناتج عن مجرد ثقافة البذخ والاسراف والتبذير التي تظهر غالبا في شهر رمضان.

صحيح ان البنية العائلة والقبلية السائدة في المغرب تتميز بنوع من التنضيد الاجتماعي المتنافر؛ غير أنها مع ذلك تعرف نوعا من التعايش والتضامن؛ ولو أنه تنازعي خاصة بمناسبة الانتخابات أو استغلال أراضي الجموع أو بمناسبة إنجاز مشروع اجتماعي او اقتصادي معين بالمنطقة المستهدفة.
في الصراحة، الوفرة في وسائل التكنولوجيا الحديثة وفي اللباس والإنتاج وفي الأكل وفي كل شيء؛ يتميز بها العهد الحالي. أما الندرة في كل شيء؛ ففعلا ذهبت مع أصحابها. فقط ان الفرق بين بركة الأجداد وبركة العصر الحالي يكمن في كون البركة الحالية شبيهة بقطيع الكلاب التي ليس فيها بركة، وقطيع الأغنام التي أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابضها، حيث فيها البركة. وفيما رواه أبو هريرة: “الغَنَمُ مِن دوَابِّ الجنَّةِ؛ فامسَحوا رَغَامَها، وصَلُّوا في مَرابِضِها.” وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

وهنا نستحضر هذا الحوار الطريف حيث يحكى أن رجلا كان يتحاور مع إبراهيم بن أدهم رحمه الله:

فقال له الرجل: ليس هناك شيء اسمه بركة!
فرد عليه إبراهيم بن أدهم بسؤال: أرأيت الكلاب والأغنام؟
قال الرجل: نعم؛
قال ابن أدهم: أيها تنجب أكثر؟
قال الرجل: الكلاب تنجب إلىٰ السبعة؛ وأما الأغنام فتنجب إلىٰ ثلاثة وأربع؛
قال ابن أدهم: لو نظرت حولك أيهما أكثر عددا؟
قال الرجل: أرى الأغنام أكثر عددا؛
قال ابن أدهم: أليس هي التي تذبح وتنتقص كل يوم ويقل عددها؟
قال الرجل: نعم!
قال ابن أدهم: هٰذه هي البركة!
قال الرجل: ولماذا وكيف يكون ذلك؟! لماذا استحقت الأغنام البركة دون الكلاب؟
قال ابن أدهم: لأن الأغنام ترقد أول الليل وتقوم قبل الفجر؛ فتدرك وقت الرحمة فتنزل عليها البركة. وأما الكلاب فلل تكف عن النباح طوال الليل، فإذا دَنا وقت الفجر هجست ونامت، ويفوت عليها وقت الرحمه فتنزع منها البركة.”
فهل فعلا ذهبت البركة مع أصحابها؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...