من يطالب بالإنفصال؛ ليس مجبرًا أن يحمل ولو حبة رمل من تراب المملكة المغربية في حذائه على كعب رجليه!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

(*) الدكتور: شنفار عبدالله

 

ما معنى حق تقرير المصير الذي وضفته الدول التي كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار من أجل الحرية والاستقلال؟
ماذا استفادت هذه الدول من هذا المبدأ الذي ابتكرته دول عدم الانحياز في تاريخ وظروف وملابسات معينة؟
لسنا وطنين أكثر من الوطن. ولسنا ملكيين أكثر من الملك. فقط نضحي من اجل هذا الوطن. ونكن كل الحب والتقدير والاعتبار لجلالة الملك محمد السادس ابن الحسن.

مبدأ حق تقرير المصير، خلف نوعا من الحروب المتعددة الأبعاد:

حرب تحدي بين داخلية وخارجية؛
وحرب تحدي الحصول على الاسلحة ؛
وحرب تحدي الحصول على تحالفات من كلا المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي؛
وحرب تحدب نفسية واستخباراتية.
وحرب تحدي تجارية واقتصادية؛

دراسة طبيعة مبادئ وقيم الدولة وانعكاساتها على الأفراد والجماعات وعلى السياسات العامة والعمومية والقطاعية، تدفعنا إلى أنماط جديدة من التفكير الاستراتيجي القائم على استشعار وتوقعات مخاطر المستقبل لما نفكر في الانفصال عن الدولة الام؛ من خلال التموقع اللحظي والحالي الآني؛ وليس نمط التفكير المبني على التمني أو التفكير بالمعجزات ودغدغة الاحلام لكسب التعاطف المفقود؛ ولا حتى التفكير الاجرائي من خلال ادارة الازمات المطروحة؛ او باللجوء الى التفكير بالمغالطات المنطقية؛ من اجل استمالة تعاطف الرأي العام الدولي والعالمي وبعض المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان.

ننطلق من طرح أسئلة جوهرية لازالة الالغام في مساحة الفكر هذه ونقول: كيف السبيل إلى مفاتيح أبواب الغيث وتجاوز الأزمة ووسائل الامتصاص المختلفة الحالية للمبادئ والقيم لما بعد لما بعد تقرير المصير ان هو حصل عبثا؟
هل لدينا من النخب والكفاءات الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية المؤهلة تاريخيا وتكوينا وفكريا وايديولوجيا لمواجهة التحديات المستقبلية على مستوى المنتظم الدولي؟
فالوضع المستقبلي للعالم يجعل ويبقي العقل البشري والمواطنات والمواطنين دائما في موضع ريبة وشك وحيرة من أمرهم، يصعب على الفرد توجيهه بشكل سليم، خاصة إذا فكر في الانفراد بأفكاره بمعزل عن المجتمع الدولي ومحيطه الداخلي.
ماذا استفادت أفغانستان من انفصالها عن عن الهند بأفكار المُلّى؛ سوى تعاقب أنظمة تسلطية؛ فكر بن لادن وحركة طالبان وداعش وغيرها من الملل؟ حيث لم ينعم شعبها يوما من العيش الكريم ولا في سلام آمنين.

ونستحضر نفس السؤال ماذا استفادت جبهة البوليساريو وماذا ستستفيد في تواجدها على حمادات تندوف على ارض الجزائر من غير القهر والاذلال والجوع وغبار الرمال والرياح العاتية وعصابات التهريب والمتاجرة في السلاح والمخدرات؟
لما تطالب بالانفصال؛ والجيش ليس معك؛ ولا الدرك معك ولا الشرطة هي معك ولا حتى المواطنات والمواطنين معك؛ و85 ٪؜ من دول العالم ليست معك؛ فكيف يكون لك وجود داخل المنتظم الدولي وانت تعاني الحصار الاقتصادي والسياسي الديبلوماسي؟
هذا أقل ما يمكن أن يقال عنه انه انتحار ومجرد شعار أجوف.
ان الكرامة الوجودية لانسان العيون الساقية الحمراء ووادي الذهب وبوجدور والطنطان وآسا والسمارة؛ قد لا تقاس بما يعانيه من هو محتجز بمخيمات تنعدم فيها ابسط شروط العيش الكريم.

لما كنا نتابع الدراسات القانونية في مادة القانون الدولي العام؛ ونتابع شرح مبدأ حق تقرير المصير من طرف أساتذة يخفون نزعتهم الانفصالية الهدامة تحت ذريعة الفكر التقدمي؛ حيث يؤمنون بالفكر الماركسي اللينيني التروتسكي الذي ابان عن فشله ونهاية عالم وتوجهات؛ حيث كان يطلق على نظرية ماركس صفة العلمية ليحصنها من النقد؛ حيث بمجرد القول:” هيا يا عمال العالم اتحدوا” حتى يسيطرون على العالم والقضاء على البورجوازية على حد زعمهم.
والى جانبهم نجد اصحاب الملل والنحل هم الآخرون يدعون أنهم وحدهم من يمتلك النسخة الأصلية للدين والآخرون لديهم فقط النسخة المزيفة؛ وأن أفكاره تطابق فلسفة الاله، وكأنه استرق السمع او اطلع على اللوح المحفوظ وعرف كل ما يجري هناك في السماوات العلا؛ ومن هؤلاء من تمسكنوا حتى تمكنوا من إدارة الشأن العام.

فأين كان هؤلاء دعاة الانفصال على عهد الحماية الفرنسية، حين يئس الانسان المغربي من طول انتظار ما كان يسمى بإيديولوجية العقد الاصلاحي الذي تدرعت به السلطات المحتلة من صور القهر والادلال والإهانة والتعسف ومصادرة حقه في حرية الرأي والتعبير وحرمانه من التدبير الديمقراطي لشؤونه بنفسه؛ وكذا عنف اليومي الممارس عليه؛ ومن نهب لخيراته الطبيعية؛ والتكلم دونه في المنتديات الدولية؟
حين أصيب المغاربة الاحرار بالإحباط والملل وتجرع اللوعة وأصبحوا يمضغون اليأس؛ فاختاروا سبيل التضحية والكفاح المسلح وضحوا فعلا آباؤنا وأجدادنا؛ من أجل الحصول على الاستقلال والحرية، ضحوا من أجل التنمية؛ ملكا وشعبا؛
قبلوا التضحية كي يستفيد او تستفيد الأجيال القادمة من تنمية البلاد وخيراتها وتدبير شؤونهم بأنفسهم في استقلالية وفي معزل عن أي تدخل خارجي أجنبي.
وباستحضار وقائع تلك المرحلة؛ فان الأمر لم يكن بالسهل وبالهين كما ننظر اليه نحن اليوم من موقعنا في الوقت الحالي حتى نتشدق بالمطالبة بالانفصال.

استحضار ذكرى ملحمة المسيرة الخضراء للعام 1975؛ هي بمثابة ثورة ملك وشعب ثانية؛ ملحمة شكلت الحدود التاريخية لحركة التحرير لجزء من التراب الوطني بالجنوب المغربي من اجل الحرية والتحرير.
حينما نستحضر التاريخ المليء بالأمجاد؛ وليس التاريخ الذي تعرض للحذف والحجب والزيادة والنقصان؛ من اجل رفع المعنويات احيانا او تحريك الآلام ثارك اخرى؛ وليس التاريخ المليء بالأحقاد؛ لا نستدعيه لدراسته كأحداث وقعت في الماضي فحسب هكذا ونمر عليه ممر الكرام؛ بل نستحضره من أجل إيجاد حلول لمشاكل وقضايا مطروحة في الحاضر؛ أو لان هناك استشعار لخطر ما في المستقبل؛ أو لنأخذ منه العبر لحل لغز قائم في الحاضر.

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة ً** على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّد

لتفكيك هذا الموضوع؛ سوف ننطلق من طرح السؤال المنهجي التالي:

أين تكمن أهمية البحث والدراسة، وما هي الفائدة أو القيمة المضافة للموضوع المتعلق بذكرى المسيرة الخضراء؛ ذكرى مسيرة ملك وشعب؟
لقد شكلت 20 غشت الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني بالمغرب؛ وهنا نطرح السؤال: ما هو الدور الذي لعبته النخبة، الوطنية والجهوية والمحلية؛ من سياسيين وأعيان ووجهاء ومثقفين وطبقات العمال والفلاحين والتجار والمستثمرين، والموظفين والمهنيين والمسؤولين والفاعلين وغيرهم في تلك الفترة من تاريخ المغرب كاستراتيجية لتجاوز مرحلة الاستعمار الاسباني للمنطقة؟
فقد طرحت تحديات كما هو الشأن لباقي الشعوب والامم التي عانت ويلات الاستعمار؛ ونضرب مثلا ب: “ماو تسي تنغ” في الصين الشعبية؛ الذي حدد للاستراتيجية ستة مبادئ ومن ضمنها؛ التلاحم التام بين الجيش والشعب. وكذلك ستالين” الذي حدد ثلاث مبادئ رئيسية لاستراتيجية الحرب تتجلى في: تلاحم معنوي بين الجيش والشعب في اطار حرب شاملة وإعطاء الأهمية الحاسمة للإمدادات؛ مع ضرورة القيام بإعدادات نفسية قبل البدء بالعمل المسلح.

وفي المغرب كانت الاستراتيجية تقوم على تلاحم بين الملك والشعب في التصدي للمؤامرة والدسائس من خلال حشد 350 ألف متطوع ومتطوعة؛ حيث أن العظماء لا يندحرون ولا يسقطون أبدًا؛ إلا بالغدر والخيانة والمؤامرة التي يصنعها ويدبرها ويخطط لها الجبناء في الخفاء.
ومنذ العهد الملكي العام 1958؛ تأسس عهد وثيق للبلد يقوم على ثلاث مبادئ رئيسية، يمكن اختزالها في العناصر الأولية التالية:

أولا مبدأ الوطني:
ما معنى وطني؟ وطني يعني التقوقع على الوطن، كيفما كان هذا الوطن. منسجما أو غير منسجم، وبتركيبته التنضيدية الاجتماعية المتنافرة أو المتعايشة والمتضامنة فيما بينها.

ثانيا مبدأ الديمقراطي:
والديمقراطية كإحدى المطالب العامة؛ تعني بشكل بسيط: بنية اختلاف، مصالح متناقضة للطبقة العاملة من: الفلاحين، والتجار، والمهنيين والموظفين والمستثمرين وغيرهم من مختلف الفاعلين؛ ويعني فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل عن سلطة الدولة، هذه الاخيرة التي يبقى لها دور المنسق والضامن لعمل القوى في جميع المفاوضات وخلق التسويات، وهنا تكمن شرعية ومشروعية الدولة .

ثالثا مبدأ الشعوبي:
فالتنمية لا تكون لها أية شرعية أو مشروعية لدى الشعوب والامم إلا إذا كانت هذه الشعوب والامم؛ تستفيد منها بشكل سريع ومباشر وشامل أيضا. وهذه هي الحدود التاريخية لحركة التحرير الوطني.
نعرف ان الإنسان المغربي قبل التضحيات من أجل الدخول في مرحلة التحديث وتحقيق تنمية وطنية يستفيد منها، كان ينتظر أن يستفيد من تضحياته أو يستفيد منها أبناؤه فيما بعد وان يتولى تدبير شؤونه بنفسه.

هذه التطلعات اتمها المرحوم الحسن الثاني؛ من خلال اقرار وتمثين شرعيتها ومشروعيتها، ولكن حتى وإن تحققت التنمية في العديد من الجوانب، إلا أن المواطن لم يستفد منها بالشكل الذي كان يطمح إليه، بحكم سياسة العشوائية والارتجال في وضع السياسات العامة والعمومية والقطاعية وكذا من خلال سلطة اتخاد القرار من المركز، مما خلق مفارقات كبرى في المجتمع المغربي؛ فاصبح لدينا مغرب بسرعتين: أغنياء يستفيدون من ثمار النمو ويزدادون غنى. وفقراء خارج مسار التنمية ويزدادون فقرا وتهميشا.. وهذا ما عبر عنه جلالة الملك محمد السادس بصريح العبارة قايلا: “ذلك أننا لا نريد مغربا بسرعتين: أغنياء يستفيدون من ثمار النمو، ويزدادون غنى، وفقراء خارج مسار التنمية ويزدادون فقرا وحرمانا.” على حد تعبير جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

لذلك أصبحنا نحتاج لنمط من التنمية الجهوية والاقليمية والمحلية؛ تشرف عليه نخبة مسؤولة تستجيب للمشاكل والمطالب والقضايا الاجتماعية الشائكة للخروج من عنق الزجاجة، وتمدنا بمفاتيح أبواب ولوج وركوب فضاءات عوالم بين الامم والشعوب؛ عبر مسلسل ومسارات التنمية المستدامة والرقي والازدهار والتطور في ظل ظروف وملابسات داخلية ومناخ اقتصادي عالمي متغير باستمرار؛ قد تفرزه جائحة فيروس كورونا المستجد هذا؛
مساحات وفضاءات أخرى، لست أدري هل سنتمكن من ولوجها، في اطار الممكن والغير الممكن؛ الفعلي والعملي والغير فعلي وعملي؛ أم قدرنا أن نبقى دائمًا في منطقة اشتباك خارج الصيرورة التاريخية!؟

وفي هذا الصدد نستحضر خطاب جلالة الملك محمد السادس الذي قال فيه: “ولكننا نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها. فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين، ك”بوينغ” و“رونو ” و”بوجو ”، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم.” مقتطف من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم السبت 29 يوليوز 2017، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش.
وحتى لا نكون متطرفين في النظرة إلى المحقق في مجالات التنمية من رؤية الطرح الواقعية التي تفكر فقط بالابتلاء، دون استحضار الاعتبار في انماط التفكير؛ في إطار المتاح من الموارد المادية والبشرية؛ لاننا لسنا من حاملي الفكر العدمي وتبخيس عمل الدولة والمؤسسات؛ يمكن القول في الصراحة ان مغرب سنة 1956 ليس هو مغرب العام 2020، سواء على مستوى الانجازات والمشاريع المحققة في شتى المجالات أو دينامية وتطور المجتمع المغربي، ومختلف التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ والذي يمر حاليا بمشروع النموذج التنموي الذي اطلقه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة خطاب عيد العرش.

ومرة أخرى التنمية لا تكون لها شرعية ومشروعية لدى الشعوب؛ إلا إذا كانت هذه الشعوب فرادى وجماعات؛ تستفيد منها بشكل سريع وكلي ومباشر أيضا، من خلال مصادر ثروة معلومة وموزعة بشكل عادل بين مكونات المجتمع؛ وتلك كانت هي التطلعات التاريخية لحركة التحرير الوطني.

نحن لسنا وطنيين اكثر من الوطن؛ ولسنا ملكيين اكثر من الملك؛ ولكن حبنا لهذا الوطن وحبنا للملك؛ يدفعنا للقول بان كل شعب بأفراحه وآماله وأحزانه وآلامه، دائما يطمح إلى أن يكون لديه أحسن ويعرف أكثر، ويكون له وجود أقوى وقيمة أفضل في درج السلم بين الأمم وشعوب العالم.
فمن يطالب بالانفصال؛ ليس مضطرا ان يحمل ولو حبة رمل من تراب المملكة المغربية في حذائه على كعب رجليه.

(*) مفكر وباحث مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...