سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (11)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

المحور الأول: الحكامة السياسية

يتناول المحور الأول فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات في مبحث أول (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات (تابع)

بعد أن طوينا صفحة المبحث الأول (فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية) ننتقل فيما يلي للمبحث الثاني الذي يتضمن عرضا لوجهة نظرنا فيما جاء فيه من معطيات وصفية وتركيبية للمنظور الملكي للحكامة السياسية، وذلك بناء على منهجين مندمجين: الأول تشريحي لبلاغة الخطاب وأبعاده ومدلولاته والثاني تحليلي مقارن يترصد الخيط الناظم والمسافة الواصلة بين الأقوال والأفعال أو بين الالتزامات والممارسات فيما يتعلق بالإدارة الملكية للحكم بالمغرب.
نموذج الحكامة الديموقراطية في منظور الملك محمد السادس لا هو بالنموذج الديموقراطي الغربي ولا هو بنموذج الحكم المطلق

منذ تولي الملك محمد السادس العرش عمل على اجتراح أفكار جديدة حداثية تتعارض في فلسفتها مع النزعة المطلقة في الحكم وإدارة الشأن العام. لقد دشن بزوغ فجر نهج جديد للحكامة السياسية والإدارية تأخذ بعين الاعتبار حاجيات المواطنين ومصالح البلد. ويتبين بوضوح التوجه الملكي نحو نمط جيد للحكامة عندما يوضح الغرض من السلطة ويقول: ” أعتقد أنه قد حان الوقت لتكون السلطة الحاكمة في خدمة الناس وليس العكس”. إنها الحكامة الجيدة المبنية على “المفهوم الجديد للسلطة”: المفهوم التأسيسي الثالث (ينظر المحور الرابع لاحقا).
وفي الحقيقة فإن السلطة الملكية في الوقت الذي تبقى فيه فاعلة وقوية فإنها اختطت للمغرب نهجا يضعه في طريق النمو الديموقراطي، أي تبني الخيار الديموقراطي كمسار متدرج وليس كقفزة في الهواء. قوامها عملية قص ولصق للفكرة الديموقراطية الجاهزة والناجزة وفق النموذج الديموقراطي الغربي.

الحكامة الديموقراطية وفق التصور الملكي لا تعارض فيها ولا تناقض بين الملكية الحاكمة والمسار الديموقراطي، الملك يحكم ويرتفع فوق الفاعلين في المعترك السياسي، حيث يبقى الملك حكما ساميا يتدخل لفض أي توتر أو خلاف تصادمي بين المتنافسين في الحلبة السياسية. والأمر كذلك لأن للملكية مشروعية شعبية مجمع على رسوخها في التاريخ وفي الاجتماع المغربي العميق. يوضح الملك ذلك مشددا على أنه بدون ملكية شعبية، المغرب لا مستقبل لوجوده، منذ اثني عشر قرنا نفس الحقائق باقية، والحاجة لها ما فتئت تكبر، أكثر من أي وقت مضى الشعب المغربي يحتاج ملكية شعبية إسلامية وحاكمة، ولهذا فإن الملك في المغرب يحكم، والشعب لن يستوعب فكرة أن الملك لا يحكم.

سلطة ملكية حاكمة ولكن متفاعلة مع المجتمع

ومن هذا المنطلق وبناء عليه، تبقى السلطة التنفيذية في جوهر الممارسة الملكية للسلطة، ولم يترتب عن التعديلات التي جاء بها دستور 2011 والتي أعادت انتشار السلطة الملكية على مستوى العلاقة برئيس الحكومة، الذي يتم تعيينه وجوبا من الحزب المتصدر للانتخابات. لم يترتب عنها أي انسحاب ملكي فعلي من ساحة الممارسة العملية اليومية للنشاط السياسي والإداري للشؤون العامة.
إن الذي لا يمكن لملاحظ منصف وموضوعي أن ينكره أن المغرب تحت حكم الملك محمد السادس شهد ويشهد نوعية جديدة من الحكامة السياسية قوامها تلك العملية التفاعلية بين الدولة والمجتمع على أساس من الحوار والاستماع المتبادل؛ في ظل ملكية مواطنة أزاحت أي حاجز مفتعل بين الحاكم والمحكوم.

بعض تجليات الاستماع لصوت الشعب

لقد تمثل ذلك في عدة مناسبات لعل أكثرها إثارة وتفاعلا مع الرأي العام، ثلاثة قضايا أساسية:

قضية العفو عن دانييل مغتصب الأطفال والتراجع عنه لاحقا: إنه الملف الذي تمت إدارته بشجاعة وحكمة حيث لم يزد التراجع عن العفو واتخاذ إجراءات تأديبية ضذ المتسببين في تغليط القرار الملكي، لم تزد المؤسسة الملكية إلا قوة وقبولا طوعيا لدى عموم المجتمع المغربي وقواه الحية، لكن لا يجب أن يجنح البعض بعيدا لتاويله تأويلا سياسيا مبالغا فيه، أي كونه تراجعا سياسيا في منطقة النفوذ الملكي، فهذا التأويل متسرع وأثبتت الأيام خطله وجموحه.

قضية وزير الشباب والرياضة (وزير الكراطة): وكيف أن الملك محمد السادس استمع للرأي العام الرياضي المغربي الذي دعا لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فتمت إقالة الوزير المذكور.
إعفاء وزير الوظيفة العمومية (وزيرالشوكولاطة) في إطار تعديل وزاري جزئي
التحقيق والبت في قضية ملف الحسيمة منارة المتوسط: وكيف أن الملك أعطى القدوة والمثال في التنزيل الصارم والنسقي والشامل والعادل لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بدون تمييز أو تهاون. فتم عزل معاقبة كبار المسوولين (وزراء ومحافظون ومدراء عامون) بدون تمييز أو تهاون تفعيلا للمسؤولية التقصيرية في إدارة الشأن العام…(سنعالج هذا الموضوع بعمق وتفصيل في المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية).

نهج ملكي للحكامة الديموقراطية يسعى للموائمة بين شرعية الانتخاب وشرعية الإنجاز

عقد اجتماعي جديد إذن، ذلك الذي اجترحه الملك في حكم المغرب، قوامه جعل السلطة الملكية وما يتفرع عنها أو يتعاون معها من سلطات في خدمة الشعب: “السلطة في خدمة الشعب وليس العكس” يقول الملك، وقد ترجم الملك هذه الفكرة بطريقة عملية من خلال مخاطبته للحكومة جنبا إلى جنب مع باقي المؤسسات والهيئات والتنظيمات، فالحكومة ليست وحدها تمارس إدارة الشأن العام ولكن أيضا وبالتعاون والتكامل مع باقي المؤسسات والهيئات الممثلة لمختلف الحساسيات.

يظهر ذلك في عدة مناسبات، فنجده يدعو الحكومة الى التعجيل بإعداد مشاريع قانون من أجل مراجعة قانون الحريات العامة (…….) ويعطي تعليماته لها من أجل تحريك عملية تدقيق مشروع القانون التنظيمي للمحكمة العليا…. ويدعوها (…) للانكباب على إعداد نصوص تمكن المجالس المحلية لتحمل دورها كشريك. هذه الدعوات الملكية تشير بالفعل إلى أن الملك واع بأن الحكامة الجيدة ترتهن كثيرا إلى الأولويات المعطاة للمواطنين وبالخصوص إلى الدور الذي ينبغي أن يقوم به كل مسؤول يملك سلطة في توظيف هذه السلطة من أجل الاستجابة لهذه الحاجيات.

اللمسة التكنوسياسية ومبرراتها

من أجل وضع التصور الملكي للحكامة السياسية الجيدة موضع التنفيذ، دشن الملك هذا النهج في بداية عهده بتشكيل حكومة جديدة لترافقه في مشروعه الإصلاحي والتنموي، وبرئيس جديد للحكومة من خارج الطبقة السياسية المتحزبة، وقد أثارت هذه النقلة النوعية من سياق التناوب التوافقي الذي أشرف عليه سلفه الملك الراحل الحسن الثاني، نقاشات ووجهات نظر سياسية مختلفة، فهناك من جهة من اعتبرها “تراجعا عن المنهجية الديموقراطية”، وهناك من جهة أخرى من اعتبر الخطوة الملكية متطابقة مع نص الدستور، ومنسجمة مع تعهد والتزام الملك بالعمل في نطاق المقتضيات الدستورية السارية المفعول، أي في إطار الشرعية الدستورية القائمة، لكن من أجل تقييم موضوعي لذلك الجدل ينبغي استعادة المناخ السياسي وحقائق المشهد السياسي ومعطيات الخريطة السياسية في أعقاب انتخابات سنة ّ2002، وهي أولى الانتخابات في ظل العهد الجديد لفهم خلفيات وأبعاد الخطوة الملكية. فقد كان الملك حريصا على أن تجري الانتخابات الـأولى في عهده وكما تؤكد ذلك الاستشهادات المقتبسة من الخطب الملكية، ضمن أعلى معايير الشفافية والنزاهة والمشاركة الشعبية الواسعة، ولكن الحقيقة غير المتوقعة أن عدة ممارسات مخلة قد سجلت كشراء الأصوات وأن أغلبية المواطنين قد أحجموا بالفعل عن التصويت. وقد وقع الذي وقع على الرغم من أن نمطا جديدا للاقتراع وقانون انتخابي جديد قد تم إحداثهما وهو الأمر الذي يحدث لأول مرة في تاريخ المغرب، أي التخلي عن الاقتراع الأحادي الإسمي وتعويضه بالاقتراع النسبي مع أفضل بقية، على أمل سد الطريق على السلوكات المخلة بنزاهة العملية الانتخابية وتوسيع المشاركة السياسية. وعلى الرغم كذلك من أن الملك وجه خطابا للشعب عشية انتخابات 2002 أخبر فيه بتخفيض سن التصويت إلى 18 سنة وسن الترشيح إلى 21 سنة، وحث المواطنين على ممارسة حقهم والمشاركة بكثافة في التصويت

تأسيسا على ماسبق، وأمام الملاحظات التي سجلت في الانتخابات وعليها والمشاركة المحدودة للمواطنين، بدا واضحا ألا أحد من اللاعبين السياسيين يمكنه ادعاء الحصول على شرعية انتخابية كافية لكي تكون ذات مصداقية وتمثيل معقول ومقبول. فكان التغيير مشروعا وحتميا وفق النظرة الملكية المسنودة بالواقع. إن الانتقاد الموجه لهذا التغيير بحجة المنهجية الديموقراطية يبقى منقوصا من حيث السند الدستوري وفاقدا للمصداقية الأخلاقية والسياسية، إذا ما وضع في السياق الموضوعي الإنتخابي الذي جرت فيه وأنتجته عملية الاقتراع التي جرت في سنة 2002 من جهة وعلى ضوء مقتضيات الوثيقة الدستورية التي استند عليها القرار الملكي من جهة أخرى. فضلا على أنه يتمسك بتلابيب اتفاق غير مكتوب لحقه التقادم وتجاوزته الأحداث، بعد أن مرت عملية انتقال العرش بكل سلاسة وأمان.

وهكذا كان اللجوء إلى تشكيل فريق حكومي جديد بوجوه جديدة يغلب عليها الطابع التكنوسياسي والمستعدة للعمل وفق النهج الجديد للحكامة التنموية في منظور الجالس الجديد على العرش، الملك محمد السادس، النهج الذي يبتغي الانتقال –من- والمزاوجة بين حد معقول من الشرعية الانتخابية وقاعدة صلبة من الالتزام الميداني بالمقاربة التنموية الجديدة البعيدة عن الحسابات الحزبية الضيقة والمماحكات السياسوية القصيرة المدى، أي المعزز بشرعية الإنجاز وهذا هو الأهم…

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics