موقف مُحرج! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

كانت الساعة العاشرة صباحاً من ذلك اليوم الدافيء, أحسست أن الشمس قد اقتربت مني قليلاً على غير عادتها, أو كأنها تستعجل طهي الأرض لأنها على موعدٍ مع المغيب, غريبة تلك التي تصلنا ولا نجرؤ حتى على التفكير في وصالها, أو تخيُّل المبيت برهةً قرب جنباتها, كم هي مستبدة فينا رغم حُسن خصالها, تُصدر الحُكم بين صحوتنا وسباتنا, وتُنبت الأسفار والاشعار والأقدار, ولا تملك أبصارُنا غير الخضوع والركوع في حضرتها وتحت هيبتها, لا أظنها قد تذرف الدمع على من لامست أذرعها وجوههم وقد رحلوا, أو تطلق الضحكات مهللةً بمن أزاحت أمهاتهم الستائر عن نوافذ أسرّتهم, أستغربُ من تأنيث اسمها رغم سطوتها وقسوتها!

أوقفت سيارتي أمام أحد محلات تعبئة المياه القريبة من منزلي, نظرت مليّاً صوب ذلك المكان الذي اعتدت القدوم اليه كل بضعة أيام, وفي كل مرة من تلك المرات المتعابقة لقدومي, لا يبرحني شعور الحزن ولا تفارقني ظلال الشفقة وأنا أشاهد ذلك الرجل الذي يعمل هناك, كان في اربعينيات العمر, لكنني أظنه يقطنُ في خريفيات الحياة, كان قصير القامة ومتهالك الجسد, كثيف الشعر وكثيف الشيب, ثيابه رثّة ولحيته مقطعة الأوصال, ابتسامته الدائمة لا يقدر عليها حتى صوته المبحوح والمرتفع, لم أره يوماً جالساً مما دفعني للجزم بأن ذلك قد طُلب منه عنوةً, وما أن لمحني حتى ظهرت أسنانة البيضاء المتراصة بجملتها في آن واحد, أسرع بالقدوم اليّ ليجنّبني عناء انزال تلك القوارير الفارغة, حاولت ثنيه عن ذلك مراراً رفقاً به لكنني لم أفلح في غايتي ولو مرة واحدة, ثم أطبق مسرعاً لملء القوارير كما لو كان قد تعمّد ذلك للترحيب بقدومي, أخبرته أنني لست في عجلة من أمري, وانني سأذهب الى البقالة المجاورة لشراء بعض الأشياء ثم أعود, فشعرت أن كلامي قد نجح قليلاً وأخيراً في تهدئة روعه وسلب اندفاعه.

وأثناء انشغالي بتجميع بعض احتياجاتي, تذكرت ذلك الرجل المسكين, تذكرت بؤسه وشقاءه, تذكرت نبله وبراءته, تذكرت يومه المثقل بالضنك والتعب, لم أفلح في إزاحة وجهه من أمام عينيّ, ولم أستطع سوى التفكير بسوء حاله, كان ذلك محزناً لقلبي وخادشاً لوجداني, أردت اسعاده بأي شيء, فتناولت زجاجة كبيرة ومبرّدة من العصير, أظنه سيسعد بشربها ولو قليلاً, تمنيت أن لا يمانعَ أو يترددَ بقبولها مني, فقد كان كثير اللطف وغزير التعفف, لكنني عزمت أن أقدمها له بطريقة يغشاها الهدوء وتملأها البساطة, وما أن عدت اليه حتى وجدته واقفاً قرب سيارتي يستأذنني بإدخال القوارير اليها, حاولت مساعدته لكنّه ألحّ في افشال مقصدي, فشكرته على كلّ ما فعله لأجلي, وقدّمت له زجاجة العصير بمنتهى الرقّة, ورجوته قبولها من باب الصداقة والامتنان, نظر اليّ محدقاً فأحسست أن عينيه حينها تكاد أن تصنع الدمع كما لو كان طفلاً صغيراً, وشفتاه الجافتان تتأهبان للحديث المرتجف.

الرجل: لست أدري ماذا أقول, وكيف أشكرك على ذلك, إنني اعمل هنا منذ خمسة أعوام, وأنت أول من يقدم لي شيئاً فيها, أشعر أن قلوب الكثيرين قد تحجّرت هذه الأيام, وأن أهوائهم قد تبعثرت وتشرذمت, لدرجة يقيني بما سمعته يوماً, من أننا نولد وحيدين ونعيش وحيدين ونموت وحيدين, أنا ممتنّ لك كثيراً, كما أنني أشتهي عصير البرتقال ولا أشربه الا نادراً, أرجوك أن تسامحني على إطالتي, لكنّ شكرك واجب عليّ, ومعروفك نقشٌ في صدري.

ابتسمت له وأخبرته أنني لم أفعل شيئاً عظيماً, وأن تلك الزجاجة لا تستحق كل ذلك الثناء من قِبَله, ثم شكرته على قبولها منّي, وذهبت الى سيارتي بينما عيونه الممتنة ما تزال ترمقني بنظرات الشكر الصامت والحزن الخافت, وكلتا يديه تمسكان بالزجاجة من أعلاها ومن أسفلها, شعرت أثناء مغادرتي براحة لا توصف وسعادة لا تتسعها مخيّلتي, أحسست أن يومي قد ابتدأ ناصعاً وواعداً, وأن حظي في نهاري سيكون مزهراً ومشرقاً, نظرت الى تلك المرآة المعلقة قربي, تفاجأت بما أبصرت عيناي, رأيت ذلك الرجل راكضاً نحو سيارتي يلوّح بيده اليمنى دون توقف, كان وجهه لامعاً من كثرة التعرّق, وأنفاسه بالكاد تتصاعد من كثرة الإعياء, توقفت بسرعة لأعرف حقيقة ما يجري, شعرت بالانكسار ان كان يسعى لتكرار الشكر والعرفان, واستتر ضميري لعدم رؤيته قبل تلك اللحظة حتى لا يتحمل تلك المشقّة, من المؤكد أن تلك الزجاجة لا تستاهل كلّ ما جرى ويجري, اقترب ذلك الرجل المسكين مني وهو يتريث الكلام ليستطيع النطق

الرجل: أعتذر منك يا سيدي, لكنك قد نسيت دفع ثمن تعبئة قوارير المياه!!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا