توسّع المغرب في قطاع الموانئ يثير قلق إسبانيا.. الاستخبارات الإسبانية تعرقل دخول “مرسى ماروك” إلى جزر الكناري

إيطاليا تلغراف متابعة

أعاد التوسع المغربي في قطاع الموانئ إلى الواجهة مخاوف إسبانية بشأن تنامي الحضور الاقتصادي للمغرب في الفضاء الأطلسي، بعدما أصبحت صفقة دخول الشركة العمومية “مرسى ماروك” إلى محطات شركة “بولودا” في جزر الكناري موضع تدقيق من جانب الأجهزة الأمنية الإسبانية.

فالعملية، التي تشمل الاستحواذ على 45 في المائة من رأسمال شركة “بولودا ماريتايم تيرمينالز” (BMT)، لا تزال تنتظر موافقة السلطات في مدريد، في ظل تحفظات ترتبط بالأهمية الاستراتيجية للموانئ في الأرخبيل.

وفي هذا السياق، جاء إشراك المركز الوطني للاستخبارات الإسباني ووزارة الدفاع في تقييم الصفقة ليعكس حساسية دخول شركة مغربية إلى منشآت تشكل حلقة أساسية في حركة النقل البحري والربط التجاري عبر المحيط الأطلسي.

ويخضع الملف لدراسة اللجنة المكلفة بالاستثمارات الأجنبية (Jinvex)، حيث تتقاطع مصالح “بولودا” التجارية مع مخاوف السلطات الإسبانية من تداعيات دخول رأسمال عمومي أجنبي إلى بنية تحتية تصنف ضمن المنشآت الحساسة.

غير أن هذه التحفظات لم تمر من دون رد، إذ صعّد خافيير كليمنت ميليان، المدير العام لشركة “بولودا شيبينغ”، لهجته تجاه الجهات المعارضة للصفقة، واصفاً المخاوف التي عبّرت عنها مؤسسات في جزر الكناري بأنها “تهويل خطير ولا معنى له”.

ودافع المسؤول، في تصريحات لوسائل إعلام إسبانية، عن طبيعة الاتفاق، مؤكدا أن الحصة المغربية ستظل أقلية، ولن تمنح “مرسى ماروك” صلاحيات إدارة المحطات أو اتخاذ القرارات التشغيلية بشأنها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، ملوِّحا باللجوء إلى القضاء إذا خلصت الشركة إلى أن السلطات تعرقل خطتها التجارية من دون مبرر مقبول.

ومع ذلك، لا يبدو الاعتراض مجرد موقف معزول أو خلاف بين الشركة وبعض المسؤولين المحليين، فإلى جانب مجلس جزيرة غران كناريا، أعلن مجلس جزيرة تينيريفي، الذي يديره ائتلاف الكناري والحزب الشعبي، معارضته للصفقة أيضا، وبذلك، امتد الجدل إلى مؤسسات محلية ذات توجهات سياسية مختلفة، في مؤشر على أن المخاوف المطروحة تتجاوز الحسابات الحزبية لتشمل طبيعة السيطرة على منشآت حيوية في الأرخبيل.

وتنصبُّ هذه المخاوف أساسا على المعلومات التي يمكن أن تتاح لشركة أجنبية تشارك في تشغيل محطة مينائية، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه هذه المنشآت في تموين الجزر ونقل البضائع وتأمين خطوط الربط البحري، ومن ثم، يتعين على السلطات الإسبانية التحقق مما إذا كانت بنية الصفقة وشروط الاطلاع على البيانات والضمانات المرتبطة بالتدبير كافية لحماية متطلبات الأمن، قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنها.

ولا تنفصل هذه الحساسية الأمنية عن التحولات التي يشهدها قطاع الموانئ في المنطقة، فالمغرب يواصل تطوير مشروع ميناء الداخلة الأطلسي في الصحراء المغربية، بهدف تعزيز روابطه التجارية مع غرب إفريقيا وتوسيع قدراته اللوجستية، وفي ظل هذا التوجه، أثار احتمال دخول “مرسى ماروك” إلى محطات في جزر الكناري نقاشا بشأن المنافسة المستقبلية على حركة الشحن البحري والزبائن والاستثمارات بين الضفتين.

لكن كليمنت ميليان يرفض اعتبار ميناء الداخلة تهديداً وشيكا لميناء “لا لوث” في غران كناريا، مشيرا إلى أن المنشأة المغربية ستحتاج إلى وقت قبل بلوغ كامل طاقتها التشغيلية، كما شكك في التقييمات الواردة في دراسة جامعية تناولت التوسع المينائي المغربي، قائلاً إن الوثيقة تضمنت ملحقاً يتناول صفقة “بولودا”، وإنه طلب سحبه.

وفي مقابل هذه الاعتراضات، يستند المسؤول إلى سجل استثمارات شركته في جزر الكناري للدفاع عن استمرار نشاطها وتوسعه، فقدّر ما استثمرته “بولودا” في الأرخبيل بأكثر من 250 مليون يورو على مدى نحو أربعة عقود، معلناً عن مشاريع إضافية خلال السنوات المقبلة.

وتشمل الاستثمارات التي ذكرها 35 مليون يورو في تينيريفي، و12 مليونا في لا بالما، وعشرة ملايين في فويرتيفنتورا، وستة ملايين في لانزاروتي، فضلا عن استثمارات مرتقبة بقيمة 25 مليون يورو في محطة “لا لوث” خلال عام 2027.

وفي الإطار نفسه، شدد كليمنت ميليان على أن شركة “بولودا لاينز” تحتفظ بمقرها الاجتماعي في لاس بالماس دي غران كناريا، معتبرا أن دخول الرأسمال المغربي سيتيح للمجموعة توسيع أنشطتها في المغرب من دون المساس بتدبير محطاتها في جزر الكناري.

وفي انتظار قرار الحكومة الإسبانية، يظل مصير الصفقة مرتبطا بنتائج التقييم الأمني وشروط الترخيص المحتملة، وبينما تتمسك “بولودا” بحقها في تنفيذ استراتيجيتها التجارية، تصر مدريد على ضرورة حماية المنشآت المينائية الحساسة.

وبذلك، لم يعد الخلاف مقتصرا على دخول مساهم مغربي إلى شركة إسبانية، بل أصبح جزءا من نقاش أوسع في إسبانيا حول تداعيات توسع المغرب في قطاع الموانئ الأطلسية، وحدود التوفيق بين متطلبات الأمن والمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا