تنامي المناداة بإعادة توزيع عادل للظلم..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

* الدكتور شنفار عبدالله

 

 

في تحليل هذا الموضوع الخطير جدًا؛ الذي قد يبدو مربكًا للفكر والعقل؛ ننطلق من طرح بعض الأسئلة الجوهرية والمنهجية؛ التي من شأنها إزالة بعض الغموض والالتباس والألغام؛ من حقل البحث في مجال ظاهرة الظلم؛ وقيم القسط والعدل؛ حيث في غياب العدل والقسط؛ وسيادة الظلم؛ يعتبر إحدى المقدمات الأولى لتنامي ظاهرة الإرهاب والتطرف؛ بحيث أصبحنا نحتاج إلى إعادة توزيع عادل للظلم بين الأفراد والجماعات والمناطق والمجتمعات والشعوب والأمم؛ للوصول إلى تحقيق العدل والقسط..!

فمن يصنع الإرهاب والتطرف؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ كيف يتم هذا التوزيع العادل للظلم؟ كيف يعيش الظالم؟ وكيف يتعايش مع ظلمه للناس!؟ كيف ينام!؟ كيف يأكل ويشرب!؟ كيف يبتسم!؟ كيف يصلي!؟ كيف يفكر!؟ كيف السبيل إلى مفاتيح القسط والعدل!؟

أمَّا أين؛ فإن تنامي فكر التطرف والإرهاب؛ ينمو ويتنامى ويترعرع في بئية لا تتمتع بدرجة عالية من العقلانية؛ والتي يسود فيها الجهل وانعدام الوعي؛ والظلم الاجتماعي والقهر السياسي؛ والتضييق على الحريات العامة؛ (حرية الرأي والتعبير).

وعن من يقف وراء إنتاج وصنع فكر الإرهاب والتطرف؛ فهم أشخاص؛ ومؤسسات؛ فاسدون وظالمون. متجبرين؛ يسكنهم جنون العظمة العظمة وتضخم الأنانية. يمارسون القهر والشطط والتعسف على البلدان والعباد. ومتى وصل بالإنسان درجة عدم القدرة على التحمل؛ يسود خطاب الكراهية الذي يعتبر إحدى المقدمات الأولى للتطرف والارهاب.

أمَّا عن الكيفية؛ فقد أصبحنا نلاحظ تنامي ظاهرة خطيرة تتجلى في محاربة البلد وضرب مصالحه من الخارج، والداخل؛ عبر وسائط التواصل الاجتماعي؛ وسببها في الغالب يعود إلى تعرض أصحابها للظلم ونوع من الاستقواء والاستعلاء البشري، ونتيجة حوادث السير المختلفة في حياة الإنسان؛ ومختلف صور الربط الظرفي بالأحداث؛ وما أكثر ضحايا هذا الربط الظرفي الخاطيء بالأحداث وتلفيق التهم ظلمًا.

لذلك يقال أن التهم المرتبطة بفكر المؤامرة نتيجة الربط الظرفي بها؛ غير قابلة للمرافعة أو الطعن أو الإلغاء؛ أو حتى إعادة النظر؛ من أجل إثبات البراءة منها؛ وتبقى عالقة في الفضاء إلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حيث هناك: (عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ.)
يسكن بداخل كل إنسان؛ قَرِينٌ شرير وإرهابي نائم! لكن متى يستيقض هذا القَرِينُ الشرير أو الإرهابي النائم الذي يسكن بداخل كل البشر؟ ونجيب بما يلي:

لا يستيقض هذا القَرِينُ الإرهابي؛ أو الشرير؛ الذي يسكننا؛ إلا إذا مورس علينا؛ إما الظلم؛ والابتزاز أو الاستفزاز؛

أو مصادرة حقنا في حرية الرأي أو التعبير؛ وكذا مصادرة أموالنا أو ممتلكاتنا؛ أو تعرضنا لشطط أو تعسف أو قمع أو إبعاد أو تهميش وتهجير؛
(…)
غير أن درجات الاستيقاظ هاته؛ وردود الفعل تلك؛ تختلف من شخص لآخر:

1)- فهناك من هو مسالم، يكتفي بأن يسلم أمره إلى الله هو حسبه؛ ويطبق مبدأ: (لا تفكر ولا تنوي الانتقام أبداً من أحد ظلمك أو اعتدى عليك! لا تغضب ولا تثور؛ فقط أصبر وابتسم وانتظر حكم وقضاء القدر؛ ‏فالقدر كفيل؛ ويبدع في تصفية الحسابات مع الظالمين!)
2)- وهناك من يكتفي بأن ينفجر في وجه الظالم صارخًا بالسب والشتم؛
3)- وهناك من تكون لديه ردة فعل خطيرة جدًا؛ فيلجأ إلى أسلوب المواجهة والقوة والعنف.
وقد أمرنا الله تبارك وتعالى ألاّ نخشى الظالمين: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.)
لهذا علينا تجنب كل مسببات العنف التي من شأنها إيقاظ هذا الشرير الإرهابي النائم في كل البشر؛ لأنه لا يمكن أن نتوقع مدى خطورة أو ردة فعله.

ففي ظل تنامي ظاهرة الظلم الممنهج، وغياب القِسط بمعناه تحقيق العدل؛ وخلق التمايزات الاجتماعية بين شرائح المجتمع الواحد؛ وبين المناطق؛ الذي ينتج عنه خلق طبقات غير متساوية في الحقوق والواجبات؛ يتولد عنه صراعًا ضخمًا ومستدامًا بين الأفراد والجماعات؛ ويغيب عنه الانسجام والتعايش والتضامن والتكامل.
وفي ظل تنامي السيطرة المجهولة اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا؛ من خلال إجبار أطياف المجتمع للخضوع لحكم القوة؛ من خلال السيطرة المجهولة اجتماعيًا؛ لا لمنطق السيطرة المجهولة سياسيًا؛ حيث التوافق والتراضي والتسويات السياسية؛ تجارب العديد من الدول العربية والإسلامية والدول المتخلفة؛ -الاعتقاد الخاطئ بإمكانية إخضاع المكونات المجتمعية المختلفة لمنطق الغلبة-.

فحتى في الديمقراطية؛ نحتاج أحيانًا إلى جرعة من الديكتاتورية من أجل:
⁃ تحقيق الوجود؛
⁃ تحقيق الاستمرارية؛
⁃ تحقيق الأمن بأنواعه وأبعاده؛ الصحية والتعليمية…
⁃ تحقيق الحضارة والعمران.
والديكتاتورية في أبعادها؛ ليس بالضرورة أن تمارس فقط على شعوبها؛ بل تتجاوزها إلى قهر مجتمعات وشعوب وأمم أخرى من أجل تحقيق الرفاه لشعوبها؛ بعيدًا عن القيم والكرامة الوجودية للإنسان في الكون.

ونضرب مثلًا بظرفية كورونا؛ حيث تسابق الأنظمة من أجل توفير اللقاح والغذاء لشعوبها؛ بشكل فيه نوع من تضخم (الأنانية) وبعيدًا كل البعد عن مفهوم التضامن الإنساني.
لذلك أصبحت المناداة والمطالبة بضرورة توزيع الظُّلْم؛ توزيعًا عادلًا ومتساويًا بين المجتمعات والشعوب والأمم؛ في الحد الأدنى.
وحتى يبين الله عز وجل وقع، وقوة الظلم على النفوس؛ وردت كلمة (ظَلَّامٍ) في القرآن الكريم بصيغة المبالغة؛ ولم ترد على صيغة الفاعل؛ أي (طَالِم) على النحو التالي:

⁃ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ؛ تكررت 3 مرات.
⁃ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. وردت مرة واحدة.
⁃ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. ذكرت مرة واحدة.

موزعة على خمسة سور قرآنية كما يلي:
• (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.) ﴿سورة آل عمران﴾
• (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.) ﴿سورة الأنفال﴾
• (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.) ﴿سورة الحج﴾
• (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.) ﴿سورة فصلت﴾
• (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.) ﴿سورة ق﴾
عَنِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ قَالَ: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا…”
أحيانًا نفرش الأرض ورودًا وزهورًا للوحش الشرير الذي يسكن بداخلنا؛
ونزرعها حقول ألغامٍ للوحش الذي يعيش معنا.

أمَّا عن معايير ومؤشرات قياس معادلة الظلم والعدل؛ فتتجلى فيما يلي:

• أولًا: نوعية الخدمات العامة المقدمة من قبل الحكومات لتلبية الطلبات الاجتماعية، ونوعية أجهزة الخدمة، ودرجة استقلاليتها عن الضغوطات السياسية، وغيرها من الضمانات الفعلية.
• ثانيًا: مدى سيادة مبادئ إبداء الرأي، والمساءلة الديمقراطية، وحرية التعبير والتنظيم وتكوين الجمعيات، وحرية وسائل الإعلام، والاستقرار السياسي، وغياب كل مسببات العنف السياسي الرئيسية، وكذا مدى قدرة المواطن في بلد ما على المشاركة في انتخاب أعضاء حكومته بشكل حر ونزيه وشفاف.
• ثالثًا: مؤشرات الإرهاب والاستقرار السياسي وانعدام العنف؛ معناه مدى غياب أو حضور مختلف التصورات المتعلقة باحتمال زعزعة استقرار الحكم والنظام والمؤسسات؛ من خلال اللجوء إلى وسائل غير دستورية أو عنيفة بما في ذلك الأعمال الإرهابية والانقلابات العسكرية.
• رابعًا: معيار الفعالية الحكومية؛ أي تقييم لنوعية الخدمات العامة؛ ووضع السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ ومدى مصداقية والتزام الحكومات بتلك السياسات، ونوعية الإجراءات التنظيمية، ومدى قدرة الحكومة على تنفيذ قرارات وإجراءات تنظيمية سليمة؛ تسمح بتشجيع القطاع الخاص وتنميته، ومدى سيادة القانون، ومدى ثقة الناس فيه؛ أي ما يطلق عليه تحقيق مبدأ الأمن القانوني والقضائي.
• خامسًا: مؤشرات مكافحة الفساد، ومدى فعالية أجهزة محاربة استغلال السلطة العامة لتحقيق مآرب خاصة ومكاسب شخصية؛ بما في ذلك إعمال الشطط واستحواذ أصحاب المصالح الشخصية على ممتلكات الدولة.
فكم من صريح؛ لم تفهمه العقول؛ وكم من منافق كسب القلوب!
______
*كاتب ومفكر وراصد اجتماعي وسياسي واقتصادي مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...