أوراق بائسة ! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*زيد عيسى العتوم

 

 

لست أدري من أين أبدأ وبماذا أعنون أيامي المتلاطمة, ففي كل يوم لي حكاية يغشاها الخوف وتسردها الأقدار, ومع كل إشراقة شمس تصرعني تلك الأفكار الشريرة بلا هوادة, أنظر حولي متفحصاً كل شيء وفي كل وقت, أشكّ في نظرات الآخرين بمجرد القرب منهم, وأتسمّع ما طاب لي من أصواتهم حتى تلك الأنفاس المتهامسة, لا أعرف السَكينة ولم أعتد مجاورة الطمأنينة, أشعر أنني ذئب تائه, لا يملك غير شهوة الانقضاض على فرائسه التي تسوقها حظوظها المتعثرة, لا يعرفني الآخرون لكنني أعرف نفسي جيداً, ونفسي تعرف نفسها بأكثر مما أظن, في عالمي صندوق أملكه وحدي, نُقشت على أقفاله الصدئة رموز وحروف من الخصوصية, أنا لصٌّ…نعم أنا لصٌّ وأمتهن اللصوصية!.
في إحدى الليالي الحالكة والباردة كانت أقدامي تتسكّع للبحث عن ضالتها, لم أرَ في طريقي سوى القليل من المارّة وهم يسرعون في العودة الى بيوتهم, أخذَت الأضواء تضمحلّ شيئاً فشيئاً, والأصوات تتضائل الى حدود الفناء, تلفّتّ حولي فأدركت ابتعادي عن أطراف المدينة, كانت أحلام الظفر بغنائم البيوت لا تزال ترافقني في مسيري, لم أشعر بسببها بالإرهاق والكآبة, لأن طول الطريق لا يُتعبنا إن كنّا نرافق من نحب, وفجأة أبصرت عيناي أربعة بيوت صغيرة شبه مضائة وشبه متلاصقة, يحيط بها سور قديم منخفض الارتفاع, كانت تلك البيوت القديمة تتربع وحدها في مقابلة ما تبقي من ضوء القمر, مسكينٌ ذلك القمر الذي تشاكسه فتات الغيوم السوداء وهو صامت لا ينطق, أحسست أن مهمتي قد تكون ميسّرة في تلك العتمة, وأن امتلاء جعبتي لا بدّ سيداوي تورّم أقدامي, وقفت قرب ذلك السور مختبئاً خلف شجرة كثيفة لم ينتابني فضول التعرّف عليها, أردت التريّث قليلاً قبل فعل أيّ شيء, ودغدغتني حينها فكرة النيل ربما من تلك البيوت الأربعة جميعها, ثم هززت رأسي لأصحو من تلك الحماقة, سأسرق بيتاً واحداً ثم ألوذ بالفرارِ كعادتي.

ما أن تجاوزتُ منتصف الليل ببضع دقائقٍ حتى عزمتُ على دخول أحد تلك البيوت, وضعتُ قناعي الأسود على وجهي, ولبست قفازاتي المهترئة, لم أملك حينها لذّة المفاضلة ثم الاختيار, فليس لأحد تلك البيوت ما يميّزه عن غيره, اقتربتُ من نافذة البيت القابع عند الجهة اليسرى, كانت الستارة رقيقة وضوء الغرفة متوسط الشدّة, فتحت النافذة بإزاحتها الى الجانب الأيمن, ثم تسللت بخفةٍ الى داخل تلك الغرفة, أخذت أتفحّصها دون إحداث أيّ جَلبةٍ تعكّر صفو مهمتي, كانت فتاة صغيرة ربما في الرابعة عشر من عمرها تنام بعمقٍ في سريرها, وبالقرب منها صندوق بنّي اللون أدراجه صغيرة, لا يبعد كثيراً عن قطعة صغيرة بيضاء ومدوّرة, مثبتٌ عليها مجموعة صغيرة من الدمى الملونة, تضع كلّ واحدة منها يدها على كتف الدمية جارتها, أردتُ مواصلة البحث عن ما خفّ وزنه وعظمت قيمته, وفجأة رايت ورقة صغيرة بيضاء قرب تلك الفتاة السابحة في احلامها, وعلى منتصفها قلم قصير القامة, أمسكت تلك الورقة وأخذت أقرأ ما كُتب عليها : ( أبي الحبيب…لقد اشتقت لك كثيراً….منذ يوم غيابك عنا لم تفارقني كلماتك الرائعة…أقسمت بعدها أن أكتب لك في كل يومٍ رسالة أحتفظ بها لحين عودتك….أشعر بالحنين للجلوس قربك والنظر الى عيونك التي تهبني القوة والراحة معاً….لن أنسى ما تكابده في تلك الغربة…كل ذلك حتى لا نعيش العوَز أنا وأخوتي الصغار…أحبك كثيراً….سأنتظرك يا أبي), اهتزّت يدي التي تمسك بتلك الجمرة الحارقة, وارتجفت عيوني التي أبصرت تلك الدموع المقنّعة, أعدت الورقة الى مكانها وأسرعت بالمغادرة وأنا خالي الوفاض, أحاول نسيان تلك السطور الحارقة.

اقتربت من نافذة البيت المجاور, أمعنت النظر فيه فلربما أعوّض ما فاتني في قبله, كانت الستائر متباعدة تدعوني للولوج الى ما ورائها, حطّت رحالي في تلك الغرفة الساكنة, كان في منتصفها طاولة مستديرة أطرافها لامعة, تحمل فوقها طبقاً يتيماً من الحساء الداكن, يستند على حافته زوجٌ من الأرغفة الصغيرة, وورقة طُويت لتبقى مستندة ربما للفت انتباه زائرها, لامست ذلك الطبق فوجدته بارداً, ورفعت أحد الأرغفة فوجدته متصلباً, حاولت الإصغاء فوجدت الصمت يملأ المكان, ترددت في فكّ ثنايا تلك الورقة لكنني فعلت ذلك, ( زوجي العزيز…حاولت انتظارك جاهدة لكنّ النوم يوشك أن يغلبني…أقدّر عملك حتى هذا الوقت المتأخر لتأمين قوت يومنا…لا تأبه لحاجة صغيرنا لشراء معطف جديد…لقد أصلحت معطفه القديم وقد تقبّل ذلك في نهاية الأمر….أتمنى أن تعذرني إن وجدت الحساء بارداً….), أعدت الورقة كما كانت مستقرةً, نظرت مرة أخرى محدقاً في ذلك الطبق الحزين, كانت دواخلي تطوف وتطوف مسرعة حوله, أردت الخروج من تلك الدوامة الرهيبة, ووددت استنشاق مزيد من الهواء, فأسرعت بمغادرة المكان.

وقفت خارج ذلك السور الذي ظننته لا يقوى على ستر نفسه, جلست قربه متثاقلاً بينما روحي ترجوه قسطاً من الراحة, نظرت الى الليل فسألته إن كان مظلماً أم ظالماً, وزادت حيرتي بتلك النجوم إن كانت ساطعة أم لاذعة, لن أكون بعد اليوم لصاً لأنني لن أقدر على منافسة الحياة, أدركت أن الكثير من التعاسة لا تُرى الا بالعيون المغمضة, وأن الكثير من الحزن لا يوصف الا بالكلمات التي لم تُقال, لن أسرق بعد اليوم!

*كاتب من الاردن

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا