ظاهرة الحَيْطِزْمْ في المدن والبوادي والقرى.. واتخاذ جدار مواقع التواصل الاجتماعي مُتَّكَأً
* الدكتور عبدالله شنفار
ما هو الدور الذي يلعبه الإنتاج في تقوية مُقَدَّرات بلد ما؟
الدولة التي تعتمد في الإنتاج؛ وتعيش فقط على ريع عائد الأرض من المعادن والبترول والغاز والفلاحة؛ لتوفير مداخيلها ومُقَدَّراتِها؛ بحيث من هذا العائد يتم توزيع الوظائف الهائلة جدًا من أجل امتصاص البطالة للحد من التوترات والاحتجاجات الاجتماعية؛ والتي وصلت حد التضخم واستنزاف جزء كبير من الميزانية العامة لدولة ما بعد الاستقلال. مما أدى إلى نوع من التوظيف المصطنع؛ وبالتالي خلق بطالة مقنعة مستمرة.
قد لا تكون في حاجة لهذه الوظائف؛ لكن تستطيع أن تستوعب هذه الأعداد الكبيرة جدًا من الوظايف؛ خاصة بالمدن الكبرى؛ وتقدر على توفير الاعتمادات اللازمة لها.
الدولة تنظر من خلال معادلة تقوم على معايير ومؤشرات ومسلمات؛ كدرجة الوعي ومتطلبات الحياة اليومية الكبيرة لساكني المدن؛ عكس البوادي والقرى التي تبقى متطلبات ساكنيها ضعيفة ولا تتمتع بدرجة عالية من الوعي؛ وتراجع مستوى التعليم المتدني والمنخفض؛ وبالتالي يكفيهم القليل للعيش.
من خلال التحكم في الإعلام وتوجيه الرأي العام؛ حيث لا يعرف الناس إلا القدر الذي أريد لهم أن يعرفوه. وفي غياب البحث عن وسائل الإنتاج والتكنولوجيا؛ والاكتفاء بتوزيع الريع وهندسته؛ فالدول الاستعمارية تشجعه وتساعد على استمراره وتكريسه؛ لكونه لا يشكل خطرًا على مصالحها.
كل هذا خلق ظاهرة الحَيْطِزْمْ أو الاستناد إلى الحائط طول اليوم والتحدث إلى شخص آخر؛ في الحومة ورأس الدرب وفي الزنقة بالمدن؛ وبباب لگصر بالبوادي والقرى؛ أو اتخاذ من جدار حساب أو صفحة على تويتر أو فيسبوك مُتَّكَأً في غياب فرص الشغل وقلة مايْدَّارْ..!
مما يؤدي إلى تراكم (هَشِيمْ) قابل للاشتعال في أية لحظة؛ يطلق عليه: اندلاع النار في الهشيم (wildfire).
والخلاصة فيما ذهب إليه المفكر المغربي الدكتور خمسي محمد(**)؛ حيث يرى أن “لغة الانصات؛ وثقافة الاصغاء؛ إحدى النعم العظيمة في مجتمعات، وبين أمم وشعوب؛ تعيش تحت الضغط..!
فليس من السهل الحصول على نعمة الانصات والاصغاء؛ في مجتمع عال التوتر والضغط بكل أنواعه، وأشكاله، وتجلياته..!
أحيانا؛ أحسن خدمة يمكن تقديمها للمغاربة؛ هي دعهم يتحدثون ويتكلمون؛ أو من الأفضل -دعهم وشأنهم- ففي ذلك علاج لهم من كثير من الأمراض؛ والإزعاج الفكري؛ وخاصة لمَّا يمارس عليهم البعض سلطة الوعظ واعتباطية الإرشاد؛ وكأنهم ينافسون الأنبياء والرسل..!”
من حسنات بعض القنوات التلفزيونية؛ أنها تنقل للمشاهد جلسات أطوار المناقشات والمداولات التي تجري وتدور تحت القبة لممثلي المجتمع؛ من خلالها نكتشف حجم الغباء الذي يحتل مساحة كبرى في العقول؛ تعادل حجم اليابسة من الكرة الأرضية؛ حيث لم يستطعون حتى هذا العصر احتواء الصراع والمناقشات في جو من التعايش وحسن الانصات والاصغاء؛ كنعمة عظيمة تؤدي إلى التسويات والتفاهمات والإلتقائية حول الأفكار والآراء..
___
*– مفكر ومحلل سياسي واقتصادي مغربي.
(**)- مفكر استراتيجي وراصد اجتماعي وسياسي واقتصادي مغربي





