خُدعة المصادر في ما صح من خبر عابر..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

 

 

الخبر لا هو بالمقدس؛ ولا هو باليقين؛ ولا هو بالموثوق؛ فقط قد يحتمل الصدق؛ كما قد يحتمل الكذب..!
“الكثير من القضايا؛ خاصة في عالم السياسة؛ تُطبخ في غرف مظلمة (dark-room). وهناك قضايا؛ حتى من هو داخل تلك الغُرف؛ ليس على يقين من دقة معلوماته حولها. واحتمال وجود التضليل المعلوماتي أو التمويه الاستراتيجي؛ والخداع لتحقيق المفاجأة؛ والسرية؛ تبقى واردة وقائمة.
فكيف بمن هو بعيد كل البعد عن تلك المصادر، وكل ما عنده؛ هو شذرات خبر صحيفة، أو وكالة أنباء..!” على حد تعبير الدكتور محمد جاسم سلطان.

والغريب في الأمر؛ والشيء المربك للعقل؛ حينما يكتب أحدهم عنوانًا بالبند العريض من أجل إثارة الانتباه وجلب القارئ: “عاجل! خطير! توصلنا اللحظة بخبر سري وعاجل وخطير؛ من مصدر موثوق به! من مصدر جد موثوق! من مصدر مطلع! من مصدر حسن الاطلاع! من مصدر جيد الاطلاع! من مصدر مقرب! من مصدر جد مقرب! من مصدر فضل عدم الكشف عن هويته..! أو من صدر فضل عدم الافصاح عن هويته..!

مع أن الخبر هو سري ومكتوم..!
يخبرنا القرآن الكريم على لسان بعض المخلوقات العجيبة؛ عن خبر يقين نقله طائر الهُدْهُد إلى نبي الله سليمان -عليه السلام- الذي: (مَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ.) والخبر اليقين كما جاء مفصلًا في الآية الكريمة؛ هو: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ.}
لكن نبي الله سليمان؛ ليس “بودينة” واحدة؛ كما يقال في تمغربيت؛ أي صاحب أذن واحدة يستقي خبره من مصدر واحد؛ فقد ردَّ عليه لعل الهدهد يكون ألحن في حجته بالمبالغة أو الكذب؛ وقال له؛ كما جاء في قوله تعالى: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.)
فبعث الهدهد محملًا بكتاب؛ جاء في محتواه: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.)
هذا؛ ونجد في القرآن الكريم؛ وحتى في أقصى الأفعال جرمًا؛ كارتكاب رذيلة الزنا التي تعد من الكبائر؛ فليس من السهل إثباتها؛ إلا وفق شروط جد معقدة؛ تتطلب أربعة شهداء: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.)
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ• وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ• وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ• وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ• وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ.}

وبالتالي علينا ٱجْتِناب كَثِير من منسوب ٱلظَّنِّ الذي بَعْضه قد يؤدي إلى سوء الفهم ويصبح إِثْمًا كبيرًا.
فداعش وأخواتها؛ تسكن بداخل كل واحد منا. هذه النسخة الرديئة من الأفكار الوثوقية والمتعصبة؛ ليست ظاهرة عسكرية فحسب؛ بل منظومة أفكار متطرفة يدعي أصحابها احتكار النسخة الأصلية للحقيقة؛ والآخرون لديهم النسخة المزيفة فقط! هذا النوع من التعصب للأفكار؛ يسكننا جميعًا كبشر بدرجة من الدرجات؛ مالم ننتبه له؛ لأنه يكبر ويتوسع ويتجدر شيئًا فشيئًا؛ ليبتلع المجتمعات بكاملها إذا سمح له بالنمو والتطور.
كثيرًا ما يتم التصرف في الخبر؛ من خلال عمليات الحجب والحذف والبتر؛ والزيادة والنقصان في المحتوى؛ يجعل من الصعب التصديق به بسهولة.

 والخلاصة:
من السهل فقدان المصداقية؛ يكفي توالي نشر الاخبار المزيفة التي لا أساس لها من الصحة؛ حيث الشعوب لا تنسى ولا تمحى أو تمسح ذاكرتهم.

*المفكر والراصد المغربي 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا