الحركات الانفصالية في الجزائر بتغطية إسرائيلية

 

 

 

 

 

د. 

 

 

بثت القناة الإسرائيلية آ بتاريخ 12/6/2023 برنامجا حواريا حول “الحركات الانفصالية في الجزائر”، أحد ضيفيه أكسل لعباسي رئيس “حركة تقرير مصير القبايل” (MAK) التي تطالب بـ”استقلال” المنطقة المعروفة بهذا الاسم شمال الجزائر بدعوى أنها أمازيغية وليست عربية، والباحث الفلسطيني أليف صبّاغ (مسيحي من مدينة عكا) الذي تولى دحض أطروحة الانفصال وخلفياتها الاستعمارية والصهيونية من منطلق قومي وحدوي مشيرا إلى أن تفتيت الوطن العربي يدخل في صلب الاستراتيجية الأمريكية الموجهة للمنطقة العربية وأعلن عنها منذ سنة 2000، وأوضح أن التنوع الإثني والديني واللغوي طبيعي وقديم جدا في المنطقة العربية عاش فيها الجميع بأخوة وانسجام.
هذا البرنامج سبقه لقاء آخر أجرته نفس القناة مع الرئيس السابق لهذه “الحركة” فرحات مهنّي بتاريخ 3/2/2023 والذي أصدر في حقه القضاء الجزائري حكما بالسجن المؤبد، فكانت فرصة أخرى أتاحتها القناة الإسرائيلية لـ”التعريف” بالمشروع الانفصالي لجماعة “ماك” وإيديولوجيتها وأهدافها ومواقفها. هاتان المقابلتان سبقتها تغطيات مختلفة من القناة الصهيونية لتصريحات و”أنشطة” هذه “الحركة” في اهتمام إسرائيلي واضح.

وبالعودة إلى المقابلة المذكورة، لا تخطئ العين أسلوب الإيحاء غير المباشر لتضليل المتابع تضمنه “تقرير” سبق الحوار ركز على مجموعة منتقاة بعناية من الصور ولقطات من فيديوهات تظهر حشودا من الجزائريين نساء ورجالا في مظاهرات يرفع فيها العلم “الأمازيغي” ونساء تلبسن اللباس التقليدي لأهل القبايل، في محاولة من القناة الصهيونية للإيهام بوجود طابع جماهيري لفكرة الانفصال، بينما في واقع الأمر تتعلق تلك الصور ومقاطع الفيديو بالحراك الشعبي واسع النطاق الذي عرفته معظم المدن الجزائرية بدءا من فبراير 2019 واستمر أزيد من عام، عندما بدأ برفض إعادة تنصيب الرئيس السابق بوتفليقة ثم تحول بسرعة إلى التركيز على رفض سيطرة واستبداد قادة الجيش والمطالبة بنظام ديموقراطي حقيقي وبالحريات العامة والقضاء على الفساد الذي نخر النظام السياسي الجزائري. كان واضحا في مظاهرات ذلك الحراك العارم رفع بعض المشاركين للعلم “الأمازيغي” لكنها كانت مجموعات صغيرة ومحدودة جدا ولم يحدث مطلقا أن طالب الحراك الشعبي آنذاك بأية مطالب عنصرية أو مناطقية، بل كان حراكا وطنيا بامتياز كما بدا واضحا. تجدر الإشارة إلى أن “ماك” عقدت مؤتمراتها في فرنسا وآخرها كان في 15/1/2023 انتخب خلالها رئيسها فرحات مهنّي رئيسا لـ”جمهورية القبائل الديموقراطية”!!

استراتيجية التفتيت على نار هادئة
لا أهمية لاستعراض تفاصيل طروحات المحاور الانفصالي في المقابلة، بل تكفينا معرفة صلب إيديولوجية هذه المجموعة وأهدافها، وبعض تصريحاته كافية. ” نحن لسنا في منطقة عربية، بل أمازيغية، أمازيغ القبايل وأمازيغ الشاوية وأمازيغ الجنوب الصحراوي أي الطوارق”.. “نريد استقلال هذه هذه الشعوب في جمهوريات مستقلة”.. “لا يتعلق الأمر بالانفصال بل بالاستقلال لأنه لم توجد قط في التاريخ جزائر واحدة أو دولة اسمها الجزائر بل ظهرت بعد المرحلة الاستعمارية”.. وحول سؤال عن استقواء الحركة بالدعم الخارجي وأوله الصهيوني طبعا قال “ليست لدينا أية عقدة تجاه أي دعم خارجي بل نفتخر به”، وقد سبق أن وصف مهنّي إسرائيل بأنها “شعب صديق” في مقابلته مع قناة .i24
لا جديد تحت الشمس كما يقال. لكن هذه الدعاية العنصرية تراهن على أساليب الخداع أولا وأخيرا. لنعد إلى مرحلة النشأة : ففي أوائل الثلاثينات تم تأسيس أول كرسي للدراسات الأمازيغية في جامعة السوربون على يد ثلاثة أساتذة جامعيين يهود اثنان من أصل جزائري وآخر من أصل مغربي، ومنذ لك الوقت بدأ الاشتغال تخليق الإيديولوجيا العنصرية وعلى نحت أبجدية “تيفيناغ” في مختبر اللغات، وهي كتابة ليس لها أي وجود تاريخي لا في مخطوطات ولا على جدران كهف ما في الجبال أو في الصحراء.

الأمازيغ، مثلهم مثل كل الشعوب التي اعتنقت الإسلام كالأكراد والترك والفرس وغيرهم، هم الذين نشروا الإسلام في بلاد المغرب وفي الحراء الكبرى، وهم الذين اختضنوا اللغة العربية واعتبرها لغة مقدسة لأنها ببساطة لغة القرآن، واعتزوا بالإسلام وباللسان العربي أيما اعتزاز، والتراث الإسلامي الذي أنتجوه ضخم جدا على أيدي آلاف من العلماء والدعاة الموثقة سيرهم وأغلبيتهم الساحقة أمازيغ. لقد فهموا منذ البداية أن لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أي بالاستقامة الأخلاقية، فساهموا بتلك المساهمات العظيمة، وتصاهروا مع العرب ومع الأفارقة السود في انصهار اجتماعي وثقافي هائل على مدى القرون.
هذا النوع من الدعاية الانفصالية العنصرية تراهن على ضمور معرفة الأجيال الناشئة بتاريخ حضارتها وهذا ناجم عن ضحالة وسطحية مقررات التاريخ في المناهج التعليمية، وهو خلل خطير سواء كان نتيجة إهمال ولا مسؤولية أو متعمدا بأشكال ما من طرف النخب المحلية التي تؤمن بتفوق الأمم الاستعمارية.

لقد تابعت من قريب ظهور وتطور التوجهات والحركات الانفصالية وكلها تستند إلى مفاهيم قبلية عنصرية محضة على امتداد الجزام الإسلامي الممتد من السنغال مرورا بموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وصولا إلى السودان، أي منطقة الصحراء الكبرى وهي المجال الحيوي العميق للبلدان المغاربية. كانت هناك دائما نفس الخطط ونفس المنهجية ونفس المرحليات طويلة الأمد، أي لعشرات السنين. يبدأ مشروع التفتيت في مرحلة أولى بتخليق “إيديولوجيا” قبلية لتعميق الشعور بالتمايز الإثني واللغوي عن المكونات الإثنية واللغوية “الأخرى” في الوطن الواحد، وحتى الديني (كما هو حاصل حتى الآن في السنغال وتشاد بين “الشمال المسلم” و”الجنوب المسيحي”) والتمكين لهذه الإيديولوجيا بأساليب مختلفة حتى ينشأ جيل أو أكثر وهو متشبع بها، وهذا يأخذ وقتا طويلا. في نفس الوقت يتم شحن هذه الإيديولوجيا بالكراهية ثم الحقد تدريجيا على المكونات الأخرى خاصة تلك التي تسيطر على الحكم من مجموعة عرقية أو ثقافية أخرى، وصولا إلى مرحلة الاقتناع بضرورة حمل السلاح “لانتزاع الحقوق” عبر الانفصال، وهذه المرحلة تأخذ وقتا كذلك. وحتى عندما تنضج الميول الانفصالية يتدرج الدعم بالسلاح والمال وقوة الدعاية السوداء باستقطاب “قيادات” يسهل شراؤها أو توجيهها، مع تكوين مجموعات مسلحة صغيرة تثبت ولاءها للمشروع الانفصالي وتصر عليه رغم القمع، وتقوم بعمليات عسكرية محدودة ضد القوات الحكومية، مما يكسب الانفصاليين “شعبية” أوسع بين بني جلدتهم ، وعندها فقط يتم ضخ السلاح والمال والزخم الإعلامي على نطاق واسع بواسطة أجهزة الدول الاستعمارية، فيغرق البلد في صراعات دامية طويلة الأجل. هذا ما حدث في موريتانيا عبر حركتها الانفصالية “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا”(FLAM) التي تأسست منذ 40 عاما وحملت السلاح في مرحلة أولى وما تزال “نشطة” سياسيا وإعلاميا ومقرها حتى الآن في فرنسا، و”حركة القوات الديموقراطية لكازامانس” (MFDC) التي حملت السلاح منذ 1982 لانفصال إقليم جنوب السنغال وهي وإن خسرت الحرب مع الدولة السنغالية إلا أنها ما تزال “نشطة” سياسيا وإعلاميا ومقرها في فرنسا، والحركة الانفصالية الطارقية التي ظهرت منذ الستيننات وأهمها “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” (MNLA) التي يتزعمها بلال آغ الشريف وهو متزوج بفرنسية ذات أصل يهودي وتنادي بانفصال شمال مالي ومقرها فرنسا كذلك، وكذلك المحاولات الانفصالية المسلحة في جنوب تشاد التي ظهرت منذ “استقلال” البلد سنة 1960 وهي ما تزال “نشطة” سياسيا وإعلاميا ومقرها في فرنسا.

المشاريع الانفصالية ليس معزولا بعضها عن بعض بل لها طابع جيوسياسي واسع النطاق بشكل متماسك، فهذا ما يحدث بشكل عام في هذه البلدان الأفريقية المسلمة وفي غيرها مثل الكونغو. أما في البلدان العربية فقد قطعت استراتيجية التفتيت والصراعات الداخلية مراحل عدة كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، وسيكون من الغباء الظن بأن البلدان المغاربية بعيدة عن مثل هذه الاستهدافات، فحركة “بوليساريو” تندرج تماما في نفس استراتيجية التفتيت.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...